آخر ما نشر
الرئيسية / آراء / جمود “الأحزاب”، وديناميكية المجتمع في العراق …إياد العنبر

جمود “الأحزاب”، وديناميكية المجتمع في العراق …إياد العنبر

توهمت كثيرٌ من قوى السُّلطة في العراق بأنها أحزاب سياسية، ولعلَّ السبب الرئيس في هذا الوهم طريقة وصولها للحكمِ بعد الإطاحة بنظامِ صدام الدكتاتوري. فهي لم تمارس السياسة في مجالٍ تنافسي حقيقي، وإنما تنحصر خبراتها في أدبيات وشكليات العمل الحزبي.

يشابه بروز أحزاب السلطة في العراق، صعود المافيات في البلدان التي شهدت انتقالا من نمط الحُكم المركزي الذي تهيمن عليه أجهزة الحزب الواحد أو العسكر، إلى نمطِ حكمٍ آخَر تغيب فيه ملامح المركزية وغياب القانون. وعندما تتلاشى تلك الأجهزة وممارساتها القَسرية في فرض الأمن، تبرز هنا تحديدا المافيات وتفرض نفوذها وتصادر عمل الدولة، للتحول أحزاب السلطة إلى أوليغارشيات اقتصاديّة وعسكريّة.

تحدد أدبياتُ العلوم السياسية وظيفةَ الأحزاب بوصفها وسيطا بين الشعب ونظام الحُكم، وتعمل على ممارسة السلطة وتأهيل وانتقاء القادة السياسيين في سبيل تحقيق الأهداف السياسية المعلنة من خلال عملها بإحصاء مطالب الجمهور واحتياجاته وصياغتها في إطار برنامج سياسي.

تجمَّدَ تفكير قوى السُّلطة عند فكرة مصادرة الدولة وإضعافها
ولو اعتمدنا هذه المعايير قد نجد صعوبة في تطابق الوصف العلمي والوظيفي للأحزابِ السياسية مع القوى الفاعلة في النظام السياسي العراقي. ومن ثم يكون وصفها بـ”أحزاب سياسية” قائم على أساس ادعاءاتها، أو قد يكون أُطلِق عليها كوصف إعلامي، أو تكون هي قد استخدمته عنوانا قانونيا للمشاركةِ في الانتخابات. لكن من الناحية العملية لا توجد أحزاب تمارس دورها ووظائفها السياسية.

على وفق هذه المعايير لا يمكن القول بأنَّ القوى الفاعلة والمؤثرة في النظام السياسي العراقي هي أحزاب سياسية، بل إنما هي تجمعات ترتبط بزعامات دينية وسياسية وعائلية، لا أكثر ولا أقلَّ من ذلك. كما أنها تجمعات هيكلية وليست جماهيرية، إذ ترتبط بزعاماتها أو العوائل السياسية التي أسستها، وتتوارث البقاءَ على قمّةِ الهرم فيها. ولذلك نجد “أحزابا” تختفي مِن المشهدِ السياسي بعد وفاة زعيمها أو ابتعاده عن مراكز السُّلطة.

قوى السلطة في العراق عبارة عن تجمّعات سياسية، وما يفرّقها أكثر مما يوحدها؛ وبمجردِ وصولها للحكم، يكون ذلك الوصول مفرّقا لا موحدا لهذه الكيانات. ويبدو أن عناوين العمل في المعارضة توحدها أكثر مِن ممارسة السلطة ومن صراع البقاء فيها.

المفارقة التي تجعلنا في حيرةٍ من أمرنا عندما نستقرأها، تكمن في عدم وضوح ملامح تؤشر تحوّلَ قوى السلطة نحو النضوج السياسي ومغادرة المراهقة السياسية. وبدلا من أن تترسخ الممارسات السياسية القائمة على أساس إدارة التوازنات بين رغبتها بالبقاءِ بالحُكم وبين توسيع شعبيتها بين الجمهور من خلال تقديم المنجَز السياسي والخدمي، باتت تعمل على ترسيخ رؤيتها ومنطقها للدولةِ باعتبارها مؤسسة للتقاسم الاقتصادي الريعي، وليس لإدارة وتنظيم شؤون المجتمع.

تعتبر الأجيال الصاعدة الحرية مكسبا لا يمكن التفريط به ولا تقبل المساومة بشأنه
إذا، كذبت قوى السلطة على نفسِها، وصدَّقت أكاذيبها! عندما اعتبرت كوادرَها الحزبية هم رجالات دولة، ولذلك ظلَّت تتناقلهم في المناصبِ العليا في الدولة. لكنَّهم لم يستغلّوا ممارسة السياسة وتولّي المناصب فرصة لتعلّم كيفية إدارة الدولة، وإنما نقلوا أزماتهم وصراعاتهم الحزبية إلى المؤسسات السياسية التي يديرونها.

لقد تجمَّدَ تفكير قوى السُّلطة عند فكرة مصادرة الدولة وإضعافها، متوهمة بأنَّ إضعاف الدولة يصب في مصلحتها ويعزز فرص بقائها في الحُكم والتمتع بالنفوذ. وساد الاعتقاد الخاطئ بأن الديمقراطية هي انتخابات فقط، وهي وسيلة أو أداة ضامنة لتجديد هيمنتها على مؤسسات الدولة، ومِن ثمَّ، فهي لا تشكّل خطرا على نفوذها حتّى وإن كانت انتخابات مشكوكا في نزاهتها، أو فشلت تلك القوى في تقديم منجزٍ للجمهور. بيد أنها تجاهلت أن أجواء التعددية والحريّة التي توفرها الديمقراطية ـ حتّى وإن كانت هجينة أو مشوّهة ـ فهي تعمل على تنشئة أجيال جديدة قادرة على قلب المعادلة السياسية في تقادم الأيام، وتطالب باستعادة الحكم من يد مافيات السلطة.

جمود أحزاب السلطة، ظاهرة لا تعرف الاستثناء، فجميع القوى السياسية في العراق تواجه هذه المشكلة، على الرغم من إنكارها أو تجاهلها. فبجردة حساب بسيطة لأيديولوجيا وتنظيمات هذه الأحزاب نجدها لا تواجه مشكلة (الفجوة الجيلية) التي تعبّر عن انعكاس التطورات الفكرية والسياسية وعلى مواقف الكوادر الحزبية. ولذلك لم نشهد بروزا لقيادات سياسية صاعدة تعبّر عن ديناميكية المجتمعِ الذي لم يعد خطاب وتفكير القيادات التقليدية مُقنعا للجيلِ الشبابي الصاعد.

كذبت قوى السلطة على نفسِها، وصدَّقت أكاذيبها!
وبمقابل ذلك، تعبّر تظاهرات أكتوبر عن ديناميكية المجتمع وصرخةِ احتجاجٍ على جمود الحياة الحزبية بالعراق، فالجيل الشبابي الذي يتصدّر ويقود التظاهرات هو جيل لم يتربَّ على أدبيات السَّمعِ والطاعةِ التي تتبناها الأحزاب الإسلامية، وليس هناك مبدأ “نفّذ ثم ناقش” الذي تعتمده الأحزاب الشمولية مع كوادرها. بل هو يعبر عن مجتمع جديد غادر منطقة الاستلاب الكلي والشامل للحريّات، ولن يقبل بالعودةِ إليها بسهولة. لا بل تتحول ثقافته تدريجيا نحو التمسك بالحرية واعتبارها قضية محورية في حياة المجتمع ولا يمكن التنازل عنها، وتعتبرها الأجيال الصاعدة مكسبا لا يمكن التفريط به ولا تقبل المساومة بشأنه.

وشعار “كلا كلا للأحزاب” الذي رُفع في ساحات التظاهر، على الرغم من أنه جانب الصَّواب باعتبار الطبقة السياسية تعمل وفق منطق الحزب السياسي، إلا أنه يعد جرس إنذار وفرصة أخيرة للنقدِ ولمراجعةِ الخطاب والمواقف والأيديولوجيات. فالعراقيون أجَّلوا كثيرا معركتهم مع الأوليغارشيات السياسية التي تحكم بعنوان الأحزاب، وشعارات معركتهم الراهنة ليست أيديولوجية أو هوياتية (قومية أو إسلامية أو علمانية)، وإنما معركة العدالة الاجتماعية.

ومن ثم، كيف يمكن لأحزاب سياسية لم تغادر منطقة التفكير الدعوي وشعارات أسلمة المجتمع أو الشعارات القومية، أن تكون قادرة على التعاطي مع حراك اجتماعي يريد أن تكون مطالب المجتمع على أولويات من يحكم، لا شعاراتهم الحزبية الخاوية!

اقرأ للكاتب أيضا: العراق: الأَبَوَيّة في خطاب قوى السلطة

عن شبكة عراقنا الإخبارية

اترك رد

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ثورة منتصرة ومليشيات مندحرة في العراق … ولاء سعيد السامرائي

عرّى الفراغ الذي تركه اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، ...