الرئيسية / آراء / شكل العراق والانتفاضة العراقية … رستم محمود

شكل العراق والانتفاضة العراقية … رستم محمود

بمعنى ما، فإن الانتفاضة العراقية/الشيعية هي قول في استحالة التعايش بين مكونات وطبقات هذه الجماعة العراقية نفسها. إذ ثمة ملايين المواطنين من أبناء المناطق والجماعة الأهلية الشيعية العراقية، يطالبون بتغييرات في شروط حياتهم وعلاقتهم مع السلطة الحاكمة، تقابلهم هذه الأخيرة، المكونة من الأحزاب الدينية الشيعية، برفض إطلاقي غير معقول.

تقتل هذه الأحزاب المئات من هؤلاء المنتفضين وتجرح منهم عشرات الآلاف، تتحمل شل الحياة العامة وخسارة اقتصادية بمليارات الدولارات، تفعل كل شيء، فقط كي لا تلبي تلك المطالب البسيطة، المتمثلة بتشكيل مفوضية عليا مستقلة وجديدة للانتخابات، تشرف على انتخابات مبكرة، تحت إشراف حكومة غير حزبية، تحاسب الفاسدين من المسؤولين الحكوميين، وتوقف نوعا ما النهب العام في البلاد.

بأكثر من وجه، فإن استحالة التعايش هذه، هي بوابة لأنماط من الحروب الأهلية، التي ربما تكون محدودة ومقنعة ومضبوطة، لكنها في المحصلة حروب بين طبقات من “عالم” الشيعة العراقيين، لا غيرهم من العراقيين.

تعاقب على حكم العراق 6 حكومات كانت كل واحدة منها تبدأ بتعهدات توافقية مع الإقليم، ما تلبث أن تنقلب عليها
فهذه السلطات العراقية المتمثلة بالأحزاب الدينية الشيعية المركزية الرئيسية، التي تواجه هذه الانتفاضة، ليست مجرد نخب سياسية معزولة وغريبة وقليلة التمثيل للقواعد الاجتماعية، بل هي انعكاس لتطلعات ملايين العراقيين الشيعة الآخرين، من غير المنتفضين.

بهذا المعنى والتوصيف، فإن الانتفاضة العراقية الراهنة هي مواجهة بين قوتين اجتماعيتين وسياسيتين ورمزيتين متنافرتين، أثبتت مجريات الانتفاضة استحالة خلق مساحة ما مشتركة بينهما، وبالتالي حتمية الصدام الطويل بينهما.

كل المؤشرات تذهب للقول بأن هذا “الصراع” سيكون صعبا وطويلا، ربما يدوم لسنوات، ويصبح ذا حضور دائم في المشهد العام العراقي. لكن نتائج ومحصلة هذه الانتفاضة، أيا كانت ومهما طالت، فإنها ستكون محصورة التأثير على المجتمع والعالم السياسي الشيعي العراقي فحسب.

فالأكراد والعرب السُنة العراقيون، ومثلهم باقي المجموعات الأهلية العراقية الأصغر ديموغرافيا، ليسوا فقط غير منخرطين ومتفاعلين في مجريات هذه الانتفاضة، بل يعتبرون نتائجها سيان بالنسبة لهم، أيا كانت.

♦♦♦

مثلا، طوال الشهور الأربعة الماضية، وبينما كان صراع سياسي داخلي وإقليمي غزير يدور حول شخص وهوية وتوجهات رئيس الوزراء الجديد الذي سيحكم البلاد، كان الأكراد العراقيون يملكون سؤالا واحدا: هل سيلتزم رئيس الوزراء الجديد بما تعهد به نظيره الأسبق، من دفع لمستحقات إقليم كُردستان المالية؟!

كان سؤالا كثير الوجاهة، فالمسألة المالية صارت حيز التفاعل الوحيد بين الإقليم والسلطة المركزية، بعدما بقيت السياسة والخيارات الاستراتيجية للسلطات المركزية متطابقة طوال سبعة عشر سنة ماضية، تعاقب على حكم العراق خلالها ستة حكومات متتالية. كانت كل واحدة منها تبدأ بتعهدات توافقية مع الإقليم، ما تلبث أن تنقلب عليها، وتسعى لاحتواء الإقليم وإخضاعه عبر المزيد من المركزة، والاستمرار بتوجهات نفس الحكومات السابقة، كحكومات شيعية مركزية، سياسيا ورمزيا.

على اختلاف رؤسائها، أصرت جميع هذه الحكومات، على عدم التفاعل من أي من متطلبات وقضايا إقليم كُردستان الحقيقية، من مسألة المناطق المتنازع عليها إلى ملف الهجمات التركية المتكررة على مناطق الإقليم، مرورا بالإطاحة بالتوافق في حقوق الإقليم باستخراج احتياطياته النفطية والغازية وحقه في تطوير قواته المسلحة.

الأكراد والعرب السُنة العراقيون غير منخرطين ومتفاعلين في مجريات هذه الانتفاضة
أما بعض المنجزات التنموية والاستقرار الأمني الذي عاشه الإقليم خلال هذه الفترة، إنما تم بفضل قوات البيشمركة الكردية، التي حمت الحياة العامة في الإقليم من تطلعات السلطات المركزية للهيمنة عليه، كما فعلت في باقي مناطق العراق.

لذا، فإن الأكراد العراقيين متأكدون من أن أية حكومة قادمة، حتى لو أفرزتها الانتفاضة الراهنة، ستبقى محافظة على عقلها وخيارها الاستراتيجي، بكونها سلطة ساعية لفرض هيمنة مركزية الشيعة العراقيين على باقي المكونات، واستتباعهم اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، دون السعي لحل وتطوير المسائل والمشاكل الاستراتيجية الخاصة بهم.

فجميع هذه الحكومات والسلطات، بما في ذلك تلك التي يمكن أن تفرزها الانتفاضة الراهنة، إنما ستأخذ شرعيتها وسطوتها من عالم وتفاعلات وصراعات طبقات المجتمع الشيعي العراقي، وستكون نتيجة لذلك التفاعل والصراع، وبالتالي ستجتهد لأن تتطابق مع ذلك العالم الشيعي العراقي.

♦♦♦

الحالة السُنية أكثر مأساوية من نظيرتها الكردية. فأربعة شهور من الانتفاضة العراقية/الشيعية، وبالرغم مما تدعيه من جذرية وعمومية، إلا أنها لم تتناول أي من القضايا التي تفتك بالمجتمع والمناطق السُنية العراقية وتكاد أن تحطمه.

هذا المجتمع السني الذي يعيش قرابة نصف ساكنه خارجه كمهجرين قسريين، بينما يحيى الباقون تحت سطوة مليشيات طائفية مهيمنة على كل تفصيل في مناطقهم “المحررة” من داعش، وفي ظلال تحطم تام للبنية التحتية في مدنهم ومناطقهم، ودون أية وعود أو توجهات بتحسين أي من تلك الأوضاع المأسوية.

لا يغض المنتفضون العراقيون النظر عن مسائل المجتمع والمناطق السُنية بقصد مباشر، بل إن ذلك الغض هو انعكاس ونتيجة منطقية لهوية وديناميكية هذه الانتفاضة العراقية/الشيعية، باعتبارها فعلا ذو مطالب بيروقراطية واقتصادية واجتماعية في المجال المحلي، وليست ذات أية نزعة سياسية وفكرية جذرية.

فالمنتفضون يطالبون بمزيد من فرص العمل والخدمات العامة ومحاسبة الفاسدين والاتيان بحكومات مستقلة عن الأحزاب الراهنة، هذا غير كمية المظلومية الشيعية المكنونة في خطاباتهم، باعتبار مناطقهم الشيعة هي الأغنى نفطيا، بينما لا تتمتع بأي امتياز تنموي واقتصادي.

إلى جانب ذلك، فإن المنتفضين متمسكون بالمرجعيات والرموز الدينية الشيعية، ولا يطرحون شيئا متعلقا بالإسلام السياسي “الشيعي” وشيفراته وأدواره في هذا الخراب، فالكثيرون منهم مناهضون لحزب الدعوة مثلا، لكنهم بعض هؤلاء موالين طيعين للتيار الصدري، والعكس صحيح. وطبعا لا يطرحون شيئا عن العلاقات الأهلية والسياسية المضطربة بين الجماعات العراقية، بالذات بين الجماعتين الشيعية والسنية، التي خاضت الكثير من الحروب الأهلية منذ العام 2003.

يعتقد السُنة العراقيون بأن الانتفاضة العراقية ربما تغير أشياء كثيرة ضمن المجتمع السياسي الشيعي العراقي، لكنها ستبقى محافظة على نمط العلاقة وميزان القوة بينهم وبين نظرائهم الشيعة.

♦♦♦

بهذا المعنى، فإن الطرح والانشغال الرئيسي للانتفاضة العراقية، وربما الوحيد، هو تطوير وإعادة تشكيل العالم السياسي للجماعة الشيعية العراقية، حل معضلاتها وحسم الصراع بين مكوناتها الطبقية والسياسية، دون أي تطرق وانشغال بالقضايا والانشغالات التي تمس أسس وجود باقي مكونات المجتمع الأهلي والسياسي والمناطقي العراقية، وشكل علاقاتها وارتباطها بالجماعة الشيعية وقواها السياسية.

المنتفضون متمسكون بالمرجعيات والرموز الدينية الشيعية
فهؤلاء عليهم الانتظار طويلا، هُم وقضاياهم، خارج التفكير ومحاولة الحل، إلى أن يُحسم الصراع داخل بنية الجماعة المركزية، الحسم الذي ربما بعد كل ذلك الانتظار، لن يأتي بأية نتيجة.

على جنبات ذلك، ليس من طروحات تجاه هذه المعضلة، التي هي ضرب لأسس المساواة في المواطنة. فمكون عراقي واحد يحق له التحرك والمطالبة بتحسين أوضاعه وشروط عيشه، أما الآخرون فعليهم الانتظار وفقط توقع انعكاس نتائج تحركات وصراعات الجماعة المركزية. لأنهم إن فعلوا وتحركوا مطالبين يتحسين وتغيير أوضاعهم ومشكلاتهم المركزية، فإما متهمون بالإرهاب أو الانفصال!

لا يغيب هذه النقاش العراقي عن الطروحات السياسية فحسب، بل لا تطرحه حتى النُخب والمناقشات الثقافية والبحثية المعرفية. إذ بعد تجربة استفتاء الاستقلال الكُردي، وما تبعها من تعاضد وتكاتف داخلي وإقليمي ودولي لتحطميها ومعاقبة الساعين إليها؛ يبدو أن الكيان العراقي، بشكله ونمط العلاقة بين مكوناته، أياً كانت درجة سوئه وأضراره على العراقيين، فإنه صار بداهة حتمية ومطلقة، وعلى سكانه أن يدفعوا أثمان هذا التشكيل العراقي، من حاضرهم ومستقبلهم، تلك الأثمان التي تكون أكثر فداحة عادة على المكونات الأقل قوة وهيمنة، وهو أمر يجري منذ مئة عام وحتى الآن، ومقابر المجازر الجماعية أكبر شاهد على ذلك.

اقرأ للكاتب أيضا: معارضو محافظ حُمص يدفعون الثمن

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

عن شبكة عراقنا الإخبارية

اترك رد

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ثورة منتصرة ومليشيات مندحرة في العراق … ولاء سعيد السامرائي

عرّى الفراغ الذي تركه اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، ...