آخر ما نشر
الرئيسية / آراء / الشعبان العراقي واللبناني يرتقيان بثورتيهما دون تراجع … مريم مشتاوي

الشعبان العراقي واللبناني يرتقيان بثورتيهما دون تراجع … مريم مشتاوي

كنت أتساءل، هل فعلاً قد خمدت الثورة في لبنان؟ خطر في بالي بقوة هذا السؤال، لما لاحظت أن الفضائيات اللبنانية لم تعد كالسابق تغطي انتفاضة الشارع اللبناني.
هكذا تخيلت أن هذه الثورة قد استنفدت، خاصة أني أعيش في المهجر، حاملة جرح أهلي وناسي الطيبين.
لكني تأكدت بعد الاطلاع على بعض الصفحات في وسائل التواصل الاجتماعي المنتصرة للثورة أنها ما زالت قائمة ومستمرة.
نحن أمام أمرين إما أن هناك تعتيماً إعلامياً داخليًا مقصوداً يندرج ضمن مخطط العنف المباشر وغير المباشر الذي تنتهجه السلطات وإما أن رئيس الحكومة المكلف حسان دياب يريد تثبيت موقعه في الرئاسة الثالثة بإعطاء صورة خاصة عن التكنوقراط بقمع ناعم للتعبير عن الرأي. وفي ذلك يغازل حزب الله وينخرط معه في حزن اغتيال الجنرال قاسم سليماني والتهليل للمواجهة الأمريكية – الإيرانية باعتبارها أولوية، تفوق أولوية اتخاذ مبادرات جديدة للخروج من أزمة لبنان.
على الرغم من الطقس البارد والماطر وفيضانات الطرقات، التي تحولت إلى مسابح عامة، مثل المتظاهرون في ساحة مجلس النواب، وسط بيروت ليصدحوا بأصوات عالية، ينددون من خلالها بعجز السلطات عن تأليف الحكومة والحوار مع المواطنين.
من الشعارات التي رفعها الشارع اللبناني هذا الأسبوع، الشعار الذي لم يسقط منذ بداية الثورة: كلن يعني كلن
وغيره مثل:
كرامتك شخص، كرامتي وطن
عم نثور لولادنا
استرداد الأموال المنهوبة.
تداول رواد انستغرام وفيسبوك وتويتر هذه الشعارات عبر فيديوهات التقطت من مناطق لبنانية عدة، نذكر منها طرابلس وبرج حمود ووسط بيروت.
إذاً الجسد المحتج والصوت الموقع على أحزان عميقة وقمع دفين لن يهدأ ولن يفتر أبداً. هذا ما تعبر عنه الثورة في لبنان. ولو أن السلطات تبدع في أساليب تعتيمها على هذا الحدث وتتفنن في تجاهل المطالب العادلة لشعب مقهور، فإن الصوت سيصل وانتفاضة الجسد المحتج تتمدد أصداؤه بعيداً، رغم جدار الحصار وحجب الحقائق.
لم تفهم السلطات أن التعتيم على انتفاضة اللبنانيين لن يزيد إلا في تعميق فقدان الثقة بها، مما يمهد للمجهول الذي لا يستطيع أحد أن يتوقع مخرجاته.
نصيحتنا للحكومة اللبنانية أن تنصت إلى صوت الشارع، وتستخلص العبر، مما وقع في البلاد العربية المجاورة، عوض أن تدس رأسها كالنعامة في الرمل.

ثورة أخرى

من بيروت إلى بغداد ثورة أخرى تتجدد يومياً في العاصمة والمحافظات الجنوبية، على الرغم من العنف المستمر والأحداث المشتعلة تواتراً.
إن شعار لبنان في شكله ومعناه يتداخل ويتناسل مع مختلف الشعارات المرفوعة في بغداد الملخصّة في جملة
نريد وطناً… بمعنى أن الرهان أكبر للبناني والعراقي ولكل إنسان عربي اليوم هو الإصرار على تثبيت كرامته والاعتراف به كإنسان مواطن له حقوقه وله واجباته!

إن التظاهرة المليونية، التي شهدها العراق مؤخراً تؤكد على وحدة متينة أساسها الوعي بمواطنة مشتركة ترتفع على الطائفية، التي أُريد لها أن تكون قيداً للإنسان العربي يمنعه من التحرر والتقدم.
هذا الوعي الجديد لدى العراقيين أدرك أنه بعد مقتل قاسم سليماني والقيادي في الحشد الشعبي العراقي أبو مهدي المهندس، قد تراجعت حدة التظاهرات، مما يهدد بإفشال الثورة. لذلك وانطلاقاً من هذا الوعي المتقدم دعا الناشطون يوم الجمعة السابق إلى توافد الآلاف من المواطنين إلى ساحات التظاهر في بغداد ومحافظات الوسط والجنوب لإعادة الزخم إلى المظاهرات تحت شعار “إحياء الثورة”. وكانت مليونية فعلاً.
إن الوعي بتراجع الثورة لدى العراقيين والدعوة لإحيائها، يدلان مرة أخرى على أن الاحتجاج من بيروت إلى بغداد هو خيار سياسي مدني ووطني وإنساني، لا رجعة عنه، ولو استمر التعتيم والعنف والقتل من طرف الحكومات، لأن هذا هو خيار وجود وتاريخ وحرية وعزة وأنفة.
إن الصورة المليونية، التي احتفت بها الفضائيات، والتي احتضنت كل الشرائح الاجتماعية من شيوخ ونساء وأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة يهتفون بلغة واحدة تمثل حدثاً سيظل حاضراً في الذاكرة لتاريخ طويل، كما تحضر صورة الثوار العرب، الذين وهبوا أنفسهم في الماضي من أجل المبدأ والقضية.

ثورة عن طريق الهجرة

نقلت “بي بي سي” عربي مُنْذُ عدة أيام قصة شاب تونسي رياضي يدعى حمزة الرواسي، فضل أن يترك بلده الذي لم يجد فيه ضالته، ولم يحقق له الحلم، الذي من أجله أحرق البو عزيزي نفسه.
لقد قرر هذا الشاب أن تحمل روحه، التي ضربتها خيبة كبرى، جسده على متن لوح شراعي صغير، معرضاً نفسه إلى أخطر المغامرات، لكنه كان واثقاً من قوته النفسية والجسدية، التي اكتسبها من حرفته في التزحلق على المياه.
كأن حمزة الرواسي يلخص لنا تجربة شبابية في الموت، من المغرب الأقصى إلى المشرق. شباب وهبوا أجسادهم لكائنات البحر لتنهبها أحياناً وليلفظها الموج أحياناً أخرى، بدل أن تبني هذه الأجساد الوطن، الذي لا يكف عن طردهم إلى خارج حدوده.
مأساة ستظل عاراً موسوماً على جبين الحكومات العربية مدى التاريخ.
فضل الشاب التونسي أن يعبر البحر الأبيض المتوسط، وهو يدرك أنه قد يواجه الموت، ومع ذلك أصر على الإبحار القاسي لمدة أربع ساعات. أربع ساعات من العذاب والمقاومة في لجة البحر تختزل عشرات السنين من الألم والفواجع والسقوط في بلاد عربية تناقضها الضفة الأخرى من الغرب، التي يشد إليها شبابنا الرحال، وهي ضفة أسست لكرامة إنسانها، بما يفوق كل التاريخ العربي المعاصر، الذي احتقر إنسانه وأذله.
لكن إذا كان هذا الشاب قد فضل العبور، الذي يشبه الهروب من مواجهة واقعه والعمل على تغييره، فهناك شباب فضلوا بوعي متقدم أن يبقوا مرابطين في أوطانهم، يتصدرون مدّ التغيير الآخذ في التصاعد، مقدمين صورة حقيقية عن قوة الالتزام والإيمان بأن هذا التغيير ممكن وآت، على الرغم من كل الإحباطات واليأس والاضطهاد والقمع.

*كاتبة لبنانية

عن شبكة عراقنا الإخبارية

اترك رد

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ثورة منتصرة ومليشيات مندحرة في العراق … ولاء سعيد السامرائي

عرّى الفراغ الذي تركه اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، ...