لماذا فشل تيار الإسلام السياسي الشيعي في العراق ولبنان؟

تتعرض حركات الإسلام السياسي الشيعية في كل من العراق ولبنان إلى انتقادات شديدة وقاسية، وبدا واضحا في الاحتجاجات الشعبية المتأججة في كلا البلدين مدى غضب عامة المتظاهرين ونقمتهم على تلك الحركات المشاركة في السلطة، وهو مايشير بحسب مراقبين إلى فشل تلك الحركات في إدارة الشأن العام.

ومع أن تلك الحركات كانت تلقى دعما شعبيا واسعا في أوساط جماهيرها من أتباع المذهب الشيعي الإثني عشري إلا أنها مع اندلاع المظاهرات الاحتجاجية في الآونة الأخيرة باتت تُواجه بهجوم شديد بسبب عدم قدرتها على تقديم نموذج ناجح ومرضي في إدارة السلطة، وتصريف شؤون الدولة.

ووفقا للباحث السياسي العراقي علي زغير فإن “فشل حركات الإسلام السياسي الشيعية، خاصة في بلده العراق حيث يعايشها عن قرب، يرجع إلى أسباب وعوامل بنيوية أكثر منها تآمرية”.

وقال زغير في حديثه لـ”عربي21″: “يمكن حصر أهم الأسباب البنيوية بأن معظم حركات الإسلام السياسي الشيعي، شأنها في ذلك شأن حركات الإسلام السني غلّبت جانب الهوية الديني على الجانب الوطني، مما أظهرها في عيون المواطنين بمنظر المعادي للنزعة الوطنية العراقية”.

يتابع زغير: “كوادر هذه الحركات هي من النوع الذي يعلي من شأن المصلحة الخاصة على حساب المصلحة العامة، ولذلك عملت هذه الكوادر ومن خلال استحواذ أفرادها على المراكز الحساسة في الدولة على استنزاف الثروات لصالح جيوبها الخاصة، مما ساعدها في تكوين ثروات كبيرة جدا تُقدر بمليارات الدولارات”.

ويضيف: “لم يكن لدى هذه الحركات أي مشروع سياسي واضح ومحدد المعالم، كل ما فعلته هو الدخول مع الأحزاب الكردية في صفقة سياسية أُبرمت تحت عنوان المحاصصة الطائفية والتي عملت على تعميق جذور الفساد والضعف المؤسساتي يوما بعد آخر”.

وأضاف: “بالتزامن مع تضخم ثروات الساسة الفاسدين كان هناك ازدياد متواتر في أعداد الشباب القادرين على العمل، والذين يحمل معظمهم الشهادات الجامعية، كما إن الانهيار التام للقطاع الخاص وعجزه عن استيعاب هؤلاء الشباب في مقابل ترهل المؤسسات الحكومية ساهم وبشكل كبير في توجيه غضب الشباب – وخصوصا في محافظات الوسط والجنوب – نحو مصدر الخلل الأساسي والمتمثل بقوى الإسلام السياسي الشيعي”.

ولفت زغير إلى أن معظم هذه الحركات “تفتقد للثقافة السياسية الحديثة، إذ إن معظم فكرها السياسي يقوم على نظريات ومقولات جامدة لا تنسجم والمتغيرات المتسارعة للحياة المعاصرة، وخصوصا حياة فئة الشباب وهم الأكثرية من بين سكان العراق”.

من جهته رأى الباحث العراقي المختص بالشؤون الأمنية والسياسية، فاضل أبو رغيف أن هذه الحركات “مارست ضغوطا وتهميشا للآخر في مجتمعات اتسمت بالتنوع العرقي والديني، وأخفقت تلك الحركات والأحزاب في إدارة التنوع بسبب نزعتها الأحادية الإقصائية، والتي لم تنتمِ إلى الدين بما يقتضيه أصل النصوص الدينية، وبقراءة صحيحة وحيادية، وإنما احتكرت جماعات الإسلام السياسي قراءة خاصة به، وجعلوا إطارا خاصا بهم للفهم الديني” .

وتابع حديثه لـ”عربي21″ بالقول: “مع الوقت ازدادت عزلتهم وعاشوا قطيعة مجتمعية ومعرفية مع بيئتهم ما أدى إلى ضعفهم، فتصوراتهم الفكرية ذات طبيعة غير خاضعة للمراجعة والتحديث، إنما تستمد حضورها من الماضي في ضوء هذا الحضور الطاغي للحداثة ولوازمها مع جمود وتراجع للفكروية الإسلاموية” وفق تعبيره.

وأردف: “ما زاد الطين بلة هو أن الدول الداعمة لتلك الحركات لم تهتم بقياداتها التي تفشى الفساد والفشل في أوساطها، وهو ما انعكس على تلك الدول التي تدعم فاسدين وفاشلين، فجاء رد فعل شعوب المنطقة على زعامات تلك الدول لإصرارها على دعم حلفاء فاسدين”.

وتابع: “وهذا ما تجلى بوضوح في مشهد الاحتجاجات في العراق الذي يختلف عما هو عليه في لبنان إلى حد ما من حيث الفاعلية ومساحة الحراك وانعكاساته وفداحة العنف، فقد خلف حتى هذه اللحظة مئات الشهداء، وآلاف الجرحى، كماأن المتظاهرين في العراق رفعوا شعارات أكثر وضوحا اتجاه بعض دول الجوار الداعمة لأحزاب السلطة الفاسدة”.

وإضافة لتلك الأسباب، وطبقا لأبو رغيف “فإن حركة التاريخ أظهرت عجز هذه الأنساق الفاسدة والفاشلة في إدراة السلطة، خصوصا بعد أن قطع العالم شوطا مهما وخلاقا في البناء الإنساني، وتقديم أسباب السعادة والعيش الكريم في ظل أنظمة مدنية أثبتت أنها أكثر إخلاصا وتحقيقا للعدل والمساواة، وأتاحت الحريات العامة والعيش الكريم وهي إما علمانية أو ليبرالية أو يسارية، ما اثر على تطور وعي الشعوب وساهم في تحررها من هيمنة السلطة الدينية فثارت على تلك السلطة (الإكليروس) طلبا للحياة الكريمة، والمواطنة العادلة”.

بدوره أكدّ الإعلامي الأردني، حسن حيدر أن “حركات الإسلام السياسي الشيعية – وحتى السنية منها – تواجه تحديات مرتبطة بصراعات النفوذ في المنطقة، وقد يكون ذلك من أسباب تعثرها الحالي، إلا أن التحدي الأكبر الذي تواجهه هذه الجماعات يكمن أساسا في برامجها وسياساتها، ومقدرتها على بلورة برامج حقيقية قادرة على ملامسة حاجات الناس، والالتصاق أكثر بالفسيفساء التي تشكل الخارطة المذهبية والدينية في المنطقة”.

وواصل شرح فكرته لـ”عربي21″ بالقول: “في بلدين كالعراق ولبنان، حيث تموج بهما مكونات طائفية ومذهبية متعددة، لا يمكن أن تسوى الأمور عبر المناطقية والمذهبية، فثورة شعوب البلدين قائمة على المطالبة بالدولة المدنية، التي لا تحابي أحدا بسبب مذهبه أو دينه، تلك المحاباة التي أفرزت الطبقة السياسية الفاسدة والعاجزة”، على حد قوله.

وشدد في ختام حديثه على أن “القيم الأخلاقية والإنسانية التي تؤمن بها جماعات الإسلام السياسي، بحاجة إلى أن تُترجم على أرض الواقع، عبر برامج أكثر واقعية تلامس حاجات شعوب المنطقة”.

اترك رد