ليس سليماني فقط.. “شيخ” من حزب الله يدخل على خط انتفاضة العراق

منذ اندلاع الاحتجاجات المناهضة للسلطة والتيارات والأحزاب السياسية والدينية المتهمة بالفساد في العراق قبل أكثر من شهرين، دأب النظام الإيراني، الذي أدرك أن هذه المظاهرات تهدد مصالحه ونفوذه وهيمنته على البلاد، على محاولات وأد الحراك الشعبي بالطرق والوسائل كافة.

مع بدء الاحتجاجات، دفعت طهرات نحو الحل الأمني الحاسم، وسقط عشرات القتلى برصاص القناصة في الجولة الأولى من المظاهرات التي بدأت مطلع أكتوبر واستمرت لنحو أسبوع، ما أسفر عن مقتل أكثر من 100 شخص وإصابة العشرات.

لم تفلح القبضة الأمنية والعنف المفرض في ردع المحتجين الذين كانوا يطالبون بالقضاء على الفساد قبل أن تشمل مطالبهم رفع الوصاية الأمنية عن بلادهم، لتبدأ جولة أخرى من الاحتجاجات الحاشدة منتصف أكتوبر الماضي.

وبموازاة استمرار القمع الدامي للمتظاهرين، ضغطت طهران في البداية على القوى السياسية لمنع رئيس الحكومة عادل عبدالمهدي من الاستقالة، إلا أن استمرار المظاهرات والحراك الشعبي دفع طهران للتخلي عن الرجل الذي أعلن قبل أيام استقالته.

واليوم، ولإيجاد بديل عن عبدالمهدي تتكثف المشاورات في بغداد على وقع مساع يخوضها حلف طهران-بيروت، لإقناع القوى السياسية الشيعية والسنية للسير بأحد المرشحين، تزامنا مع استمرار الاحتجاجات.

وحتى قبل أن يعلن البرلمان الأحد، موافقته رسميا على استقالة عبد المهدي وحكومته، بدأت الأحزاب السياسية اجتماعات و”لقاءات متواصلة” للبحث في المرحلة المقبلة.

ورغم أن معظم الشارع العراقي المتظاهر اليوم، يندد بالسيطرة الإيرانية على مفاصل الحكم ويطالب بكف يد الجارة عن أي سلطة مقبلة، لا يبدو أن لدى طهران عزما على تسجيل سقوط عبد المهدي، الذي كان يحظى بدعمها، كخسارة في سجل سياساتها في المنطقة.

وقال مصدر سياسي مقرب من دوائر القرار في العاصمة العراقية، لوكالة فرانس برس، إن قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، “موجود في بغداد للدفع باتجاه ترشيح إحدى الشخصيات لخلافة عبد المهدي”.

إلا أن اللافت ما أفاد به المصدر نفسه بأن “مسؤول ملف العراق في حزب الله اللبناني الشيخ محمد كوثراني، يلعب أيضا دورا كبيرا في مسألة إقناع القوى السياسية من شيعة وسنة في هذا الاتجاه”.

وحزب الله اللبناني يعد من أبرز أذرع إيران في المنطقة، ويعاني اليوم من حركة احتجاجية لافتة يقودها الشارع اللبناني على غرار العراق، الأمر الذي دفع الحزب وبدعم من طهران إلى ترويع المتظاهرين في شوارع لبنان باستخدام مناصريه الذين اعتدوا على المتظاهرين بشكل عنيف.

وكوثراني مشمول بعقوبات فرضتها وزارة الخزانة الأميركية عام 2013 على قيادات من حزب الله، حيث تقول الوزارة إن كوثراني بصفته الشخص المسؤول عن أنشطة حزب الله في العراق “عمل نيابة عن قيادة الحزب لتعزيز مصالح الجماعة في العراق.

ويشير مراقبون إلى أن هناك قلقا من بعض الشخصيات من استلام المنصب في خضم الأزمة القائمة، تخوفا من السقوط السياسي على غرار ما حصل مع رئيس الوزراء المستقيل.

ولا يزال على الأخير التعاطي مع الأزمة حاليا كرئيس حكومة تصريف أعمال، والتصدي لمسائل عدة منها “الحشد الشعبي، العقوبات، الموازنة، وقتلى التظاهرات” الذي تخطوا 420 شخصا، وفق ما قال مصدر حكومي لفرانس برس.

ضمان “المكاسب” الكردية

لكن عبد المهدي أكد عشية استقالته، أن تصريف الأعمال “مضيعة للوقت”، وبالتالي قد تؤول الأمور مؤقتا، ودستوريا، إلى يد رئيس الجمهورية برهم صالح.

ورغم أن صالح، الكردي، كان من الداعين إلى انتخابات مبكرة، وبالتالي الإطاحة بعبد المهدي، الذي كان يعتبر حليفه قبل التظاهرات، فإن الأكراد ينظرون بترقب كبير إلى نتاج الطبخة البغدادية.

كان عبد المهدي مقربا جدا من الأكراد، ويتهمه منتقدوه في بغداد بأنه قدم تنازلات كبيرة لصالح الإقليم الشمالي، خصوصا في ملف العائدات النفطية.

لكن المساعي الكردية اليوم، بحسب ما يقول الباحث في كلية الدراسات العليا في العلوم السياسية بباريس عادل بكوان، هو “لضمان أن أي إصلاح محتمل للدستور لا يؤثر على ما تعتبره الأحزاب السياسية الكردية مكاسب لها”.

ويضيف “على سبيل المثال: الهوية العراقية، اللغة الكردية، المادة 140 (من قانون بريمر للمناطق المتنازع عليها)، وغيرها”.

وعليه يعمل الأكراد على توحيد الصف في البرلمان للوقوف بوجه أي قرار يطال تلك المكاسب، التي كادت تطير قبل عامين مع إجراء استفتاء على استقلال الإقليم الذي يتمتع بحكم ذاتي، وباء بالفشل.

ويسعى البرلمان بدوره إلى دراسة قانون انتخابي جديد يفترض أن يؤدي إلى مجلس نواب أقل عدداً وأوسع تمثيلاً.

كل ذلك يبقى في مواجهة الشارع، حيث تتواصل التظاهرات في بغداد ومدن جنوبية، داعية إلى إنهاء نظام المحاصصة الطائفية في توزيع المناصب.

وبعدما كانت مقتصرة على الدعوة الى توفير فرص عمل وخدمات عامة، تصاعدت مطالب المحتجين الذين ما زالوا يسيطرون على ساحات التظاهر، لتشمل إصلاح كامل المنظومة السياسية التي أسستها الولايات المتحدة بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003.

الشارع يريد المحاسبة

وأصبح تغيير الطبقة السياسية المتهمة بالفساد وتبخر ما يعادل ضعف الناتج المحلي للعراق الذي يعد بين أغنى دول العالم بالنفط، مطلبا أساسيا للمحتجين.

وتواصلت أعمال العنف في مدينتي النجف وكربلاء المقدستين لدى الشيعة بجنوب العراق، بحسب ما أفاد مراسلون من فرانس برس.

ففي النجف التي دخلت في دوامة العنف مع إحراق القنصلية الإيرانية مساء الأربعاء، واصل متظاهرون ليل الاثنين الثلاثاء محاولاتهم للدخول إلى مرقد محمد باقر الحكيم رجل الدين العراقي الشيعي البارز. وشوهد مسلحون بملابس مدنية يطلقون النار على المتظاهرين الذين أحرقوا جزءا من المبنى.

وأفاد شهود عيان أن هؤلاء أطلقوا أعيرة نارية وقنابل الغاز المسيل للدموع على المتظاهرين.

وتحاول شخصيات عشائرية بارزة منذ أيام عدة، التفاوض على آلية للخروج من الأزمة، بينما ناشد محافظ النجف سلطات بغداد لوقف العنف، الذي تقول قوات الأمن المحلية إن لا حول لها فيه ولا قوة.

ودعا زعماء العشائر الثلاثاء، رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر ومقاتليه من “سرايا السلام”، إلى التدخل.

لكن الصدر لم يستجب حتى الساعة، وهو الذي نزل رجاله بأسلحتهم في بغداد بداية أكتوبر، وتعهد بـ”حماية” المحتجين.

وفي كربلاء، وقعت مواجهات جديدة ليلا بين المتظاهرين والشرطة التي أطلقت الرصاص والقنابل المسيلة للدموع لتفريقهم، بحسب مراسل فرانس برس.

وفي مدينة الناصرية الجنوبية، التي قتل فيها أكثر من 40 محتجا خلال يومي الجمعة والسبت، تلقت محكمة الاستئناف المحافظة (ذي قار) نحو 100 شكوى من أقارب القتلى أو الجرحى ضد رئيس خلية الأزمة في المدينة المقال اللواء جميل الشمري، بحسب ما أفاد مصدر قضائي وكالة فرانس برس.

وقال المصدر إن الجميع يتهمونه “بالإفراط في استخدام القوة الخميس في الناصرية”، حيث تتواصل الاعتصامات ومجالس العزاء عن أرواح الضحايا، على غرار الديوانية والكوت، والحلة.

اترك رد