هل ينتظر “حزب الله” المعادلة في العراق لحسم موقفه في بيروت؟ …وليد شقير

يحتار الوسط السياسي اللبناني في تفسير الجمود الحاصل في تحديد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون موعداً للاستشارات النيابية الملزمة من أجل اختيار الشخصية السياسية التي يفترض أن تشكل الحكومة الجديدة بعد مضي شهر ويومين على استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري، فالاستشارات ينص عليها الدستور، الذي وإن لم يحدد مهلة لإجرائها، كخطوة أولى لإنهاء الفراغ في السلطة التنفيذية.

مصادر مواكبة للاتصالات بين القوى المختلفة، وأخرى مراقبة توقفت عند جملة أسئلة ووقائع في شأن أسباب التأخير:

استمهال “حزب الله” الاستشارات

أولاً، بعدما استعجل الرئيس عون قبل 10 أيام، تحديد موعد لاستشارة الكتل النيابية، في اتصالاته مع حليفه “حزب الله”، بحجة أنه يتعرض لضغوط داخلية وخارجية للإسراع في تأليف الحكومة، عاد وتمهل بناء لنصيحة من الحزب ريثما تتضح نتائج الاتصالات الجارية بين الحزب وبين الرئيس الحريري، بناء لاتفاقه مع الأخير على أن يتم اختيار البديل منه بالتفاهم معه، بحيث لا تتم تسمية شخص للمهمة يناصبه العداء من جهة ومقبولاً من الحراك الشعبي من جهة ثانية.

الحريري ودعم الخطيب

ثانياً، استمهال الحزب عون في إجراء الاستشارات جاء بعد أن بروز اسم المهندس سمير الخطيب الذي وافق عليه الثنائي الشيعي، مطلع الأسبوع الفائت بعدما وافق عليه الحريري، الذي أكدت أوساط مقربة منه لـ “اندبندنت عربية” أنه “ما زال يتبنى تزكيته بحماسة وحتى النهاية، ويدعمه خلافاً لكل ما يروّج”.

حملة عونية على الخطيب

ثالثاً، على الرغم من قيام الخطيب طيلة الأيام الماضية باتصالات بعيدة من الأضواء، بحسب ما أكدت مصادر سياسية بارزة لـ “اندبندنت عربية”، من أجل تكريس التوافق على تكليفه برئاسة الحكومة، عبر صيغة حكومية يرضى بها الفرقاء جميعاً، بمعاونة قريبه بالنسب المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، فإن هناك حملة مدروسة على مواقع التواصل الاجتماعي، يشنها عليه عدد من رموز “التيار الوطني الحر” ومن المقربين للرئيس عون وبعض الأشخاص ذوي العلاقة الوثيقة بمحور الممانعة والمقاومة، على الرغم من أن “حزب الله” كان وافق على طرح اسمه لتولي الرئاسة الثالثة شرط قبول الحريري، الذي حصل عليه الخطيب خلال اجتماعه معه مطلع الأسبوع.

الثنائي الشيعي وعون و”تصريف الأعمال”

رابعاً، رموز الثنائي الشيعي جددت نغمة تفعيل قيام الحكومة المستقيلة بتصريف الأعمال، إلى حد توجيه رئيس البرلمان نبيه بري الانتقاد للحريري بأنه لا يقوم بهذه المهمة، ورد عليه الأخير عبر موقع “مستقبل ويب” الإعلامي التابع له، بأنه يقوم بالكثير في نشاط تصريف الأعمال مشدداً على أن المطلوب تأليف حكومة بالدعوة سريعاً إلى الاستشارات النيابية لتسمية الرئيس المكلف بدلاً من التركيز على تصريف الأعمال. كما أن بيان كتلة “الوفاء للمقاومة” (نواب حزب الله) الخميس الماضي أشار إلى أن “على الحكومة المستقيلة القيام بواجباتها في تسيير شؤون الدولة، وتحمل مسؤولياتها القانونية تجاه الشعب في ظل ارتفاع الأسعار وتدهور سعر العملة الوطنية”.

وتصنف المصادر المتابعة دعوة الرئيس عون إلى الاجتماع المالي الاقتصادي في القصر الرئاسي الجمعة، والذي تغيب عنه الحريري، على أنه نوع من تكريس لخيار تصريف الأعمال على حساب أولوية إجراء الاستشارات النيابية، وتأليف الحكومة الجديدة بسرعة، الذي كان حجة الحريري حتى لا يحضر الاجتماع الذي دعي إليه، مثلما دعي وزراء وموظفون ومستشارون.

عودة الثنائي إلى خيار الحريري؟

خامساً، أن قياديين من “حزب الله” ما زالوا يصرون على أن الحكومة المقبلة يجب أن تكون برئاسة الحريري (تصريح لوزير الحزب محمود قماطي أخيراً)، على الرغم من بيانه الثلثاء الماضي الذي أعلن فيه “ليس أنا بل أحد آخر”، رداً على اتهامه من قبل رئيس “التيار الحر” الوزير جبران باسيل بأنه يعتمد شعار “أنا أو لا أحد”.

وأكدت مصادر سياسية أن الرئيس بري أيضاً يلح على عودة الحريري إلى الرئاسة الثالثة، على الرغم من أن الأخير حسم قراره بهذا البيان، بعدما استنفد كل محاولاته لإقناع بري و”حزب الله” بشروطه التي رفضاها، أي حكومة اختصاصيين تنقذ عبر عملهم التقني الاقتصاد من الانهيار، بعيداً من التباينات السياسية ومن ربط الخطوات المطلوبة بتجاذبات المحاصصة في السلطة، على ألا تضم أحزاب السلطة، وتعطى صلاحيات استثنائية لتنجز المهمة في خلال ستة إلى ثمانية أشهر. وبات معروفاً أن الحريري أحجم عن المهمة إزاء إصرار الثنائي الشيعي و”التيار الحر” على إشراك وزراء سياسيين مع التكنوقراط، وذهب بالاتفاق معهما إلى الموافقة على اقتراحات عليه بتزكية الوزير السابق محمد الصفدي ثم الوزير السابق بهيج طبارة وصولاً إلى الخطيب.

إبقاء البلد بلا حكومة

ويقول مصدر سياسي بارز لـ “اندبندنت عربية” إن التأرجح بين الإصرار على تفعيل حكومة تصريف الأعمال، ثم على عودة الحريري، والتسريبات لحملات على الخطيب، تضع أصحاب هذه المواقف في خانة السعي لإبقاء البلد بلا حكومة لأمد غير منظور، غير آبهين بانعكاسات ذلك الكارثية على الوضعين المالي والاقتصادي، لا سيما أن أي تصحيح للوضع المالي يجب أن يبدأ بقيام حكومة توحي بالثقة. ويستدرك المصدر “إلا إذا كان هدف الثنائي الشيعي والرئيس عون من وراء المناورات المذكورة إيصال الوضع إلى تسمية شخصية يضمرانها لرئاسة حكومة تكون في نهاية المطاف من لون واحد، إذ تتردد معلومات عن إمكان اختيار أحد النواب الحاليين”.

لكن المصدر نفسه يدعو إلى رصد مدى ربط الطرف الأقوى في تحالف الثنائي مع عون، أي “حزب الله” التسوية السياسية على الحكومة في لبنان بالتطورات الإقليمية الحاصلة لا سيما في العراق، حيث تتشابه الانتفاضتان في البلدين بأوجه عدة، أولها الوضع الاقتصادي المعيشي المزري ودرجة الفساد العالية، باستثناء القمع الدموي غير المتاح في إطار الموزاييك الطائفي والسياسي في لبنان.

أوجه التقاطع بين لبنان والعراق

ويلفت المصدر نفسه إلى أوجه التقاطع بين الأزمتين بالإشارة إلى تشابه المطالب: استقالة الحكومة، وتأليف حكومة جديدة من وجوه غير ممثلي الأحزاب التي تقاسمت السلطة منذ 2003، وتعديل قانون الانتخاب لإجراء انتخابات نيابية مبكرة. ويضيف أن ردود الفعل وإن اختلفت على الصعيد الأمني، فهي تتسم على الصعيد السياسي في العراق بأزمة كبرى مع البيئة الدينية وبين المرجعية الدينية الشيعية في النجف، وبين الطبقة السياسية الحاكمة، بينما تتسم في لبنان بأزمة داخل البيئة الطائفية والمذهبية التي ينتمي إليها فرقاء التأزم اللبناني. هذا فضلاً عن أن “حزب الله” في لبنان كان ضد استقالة الحريري أسوة بمعارضة طهران لاستقالة عادل عبد المهدي، لكن الأول استقال قبل أكثر من شهر، والثاني قدم الاستقالة قبل يومين بعد إصرار المرجع السيد علي السيستاني، على الرغم من أن قاسم سليماني كان توصل قبل ثلاثة أسابيع مع القوى السياسية على دعم بقاء الأخير في منصبه.

ويسأل المصدر: هل ينتظر الحزب ما ستؤول إليه المعادلة في بغداد قبل أن يحسم خياراته في بيروت؟

اترك رد