قصة المليشيات التي قتلت متظاهري العراق في مدينة الحسين

ميزر كمال
لا يُعرف على وجه الدقة عدد الضحايا الذين سقطوا خلال فض اعتصام مدينة كربلاء الذي بدأ منذ الخامس والعشرين من أكتوبر (تشرين الأول) 2019 حين انضمت المحافظة التي تحظى بقدسية كبيرة عند الشيعة في العالم إلى الاحتجاجات المطالبة بإسقاط النظام السياسي في العراق وإنهاء 17 عامًا مما يعتبره قطاع عريض من العراقيين فساد ومحاصصة الطائفية التي كلَّفت البلاد مئات المليارات من الدولارات؛ ولكن ما هو مؤكد أنَّ السلطات هناك وكذلك المليشيات الموالية لإيران قتلت ما لا يقل عن 14 شخصًا فيما تجاوز عدد المصابين حاجز 865 بحسب ما أوردته وكالة «رويترز» للأنباء.
ليلة كربلاء الدامية ضد كارهي الطائفية
الواقعة حدثت عندما جاءت قوة أمنية إلى ساحة الاعتصام وسط المدينة ومعها أشخاص يرتدون ملابس مدنية لكنهم يحملون الأسلحة الخفيفة، وهددوا المعتصمين بالانسحاب من الموقع قبل أن يتدخلوا هم لإنهاء الاعتصام، وحين رفض معتصمو كربلاء الانسحاب بدأت تلك القوات بإطلاق النار عليهم وملاحقة المتظاهرين في شوارع المدينة لاعتقالهم، وتظهر مقاطع فيديو بثها ناشطون من هناك حالة من الرعب عاشتها المدينة التي تضم مرقد الحسين بن علي الذي يعد قبلة الزائرين الشيعة من كافة أنحاء العالم.

النشطاء تحدثوا عن تدخل قوات الرد السريع والمعروفة باسم «سوات» التابعة لوزارة الداخلية والتي يقودها شخص اسمه ثامر محمد إسماعيل ويُلقَّب بأبي تراب الحسيني وقد تولى قيادة قوات الرد السريع عام 2013، بقرار من رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي.

الصحافي معتز العبودي من مدينة كربلاء أكد لـ«ساسة بوست» حدوث عمليات قتل ودهس للمتظاهرين وقال إنَّ «قوات مدعومة بعناصر مجهولة بالنسبة لسكان المدينة استخدمت القوة المفرطة ضد المتظاهرين: ما حدث في كربلاء مجزرة حقيقية. هنالك شباب تعرضوا لعمليات دهش وحشية في الشوارع، والعشرات سقطوا قتلى وجرحى بالرصاص الحي وقنابل الغاز المسيل للدموع، بالإضافة إلى اعتقال العشرات منهم في شوارع المدينة خلال فض الاعتصام».

العبودي أكمل لنا روايته: بأنّ الناس ما عادت تثق بأي وعود تطلقها الحكومة خاصة تلك التي تتعلق بحمايتهم، وتوفير الأمن لهم خلال خروجهم في تظاهرات سلمية، فكلما خرج الناس إلى الشوارع واجهتم أجهزة الأمن بالقوة المفرطة والعنف القاتل، وهذه ليست المرة الأولى التي يسقط فيها قتلى وجرحى في كربلاء ففي الأسبوع الأول من هذا الشهر سقط عدد من أبناء المدينة خلال مطالباتهم بتحسين الواقع الخدمي والقضاء على الفساد.

من هو أبو تراب الحسيني قاتل المتظاهرين في كربلاء؟
أبو تراب الحسيني عضو في «مليشيا بدر» التي يتزعمها هادي العامري والمدعومة من إيران، ويقود حاليًا فرقة الرد السريع التابعة لوزارة الداخلية وهو متهم أيضًا بحسب معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى بنشر قناصين في بغداد لقتل المتظاهرين ومنعهم من الوصول إلى المنطقة الخضراء، ووفقًا لصحيفة بالتيمور صن الأمريكية فإنِّ الجيش الأمريكي كان قد اعتقل أبا تراب الحسيني عام 2007 لارتباطه بنشاطات مسلحة وبدعم ميليشيات موالية لإيران.

تورد المؤسسة الأمريكية في تقريرها أيضًا أنَّ أبا تراب الحسيني الذي كان حينها ضابط استخبارات في الشرطة الوطنية شمال غربي بغداد أمر ضباط آخرين باعتقال مواطنين سُنَّة عند حواجز التفتيش بين العاصمة بغداد ومحافظة الأنبار، وإساءة معاملتهم وتعذيبهم لإجبارهم على الادلاء باعترافات غير حقيقية من أجل الحصول على فدية مالية من ذويهم مقابل إطلاق سراحهم.

في عام 2015 قرر الكونجرس الأمريكي وضع قوات الشرطة الوطنية العراقية في القائمة السوداء ومنع تقديم المساعدات لها من قبل الجيش الأمريكي في العراق بسبب اتهامات لها بانتهاك حقوق الانسان، كما أن تلك القوات باتت سيئة الصيت بعد تولي أبي تراب الحسيني قيادتها بأمر من رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي.
الرواية الحكومية لـ«موقعة كربلاء»
بعد أن أعلنت الحكومة المحلية في كربلاء فرض حظر للتجوال في محافظة كربلاء؛ نفت شرطتها حدوث أي أعمال عنف ضد المتظاهرين وكذبت ما وثقه النشطاء من قمع وقتل واعتقال، وقالت إنًّ الغرض من ذلك هو تأجيج الشارع الكربلائي، كما نفت أيضًا في بيان لها وقوع ضحايا لا من القوات الأمنية، ولا من المتظاهرين، عدا حادث قتل شخص واحد بدافع جنائي وبعيدًا عن مكان المظاهرات، بحسبها.

وبخلاف ما ذهبت إليه السلطات في كربلاء؛ فقد أدانت جينين هينيس بلاسخارت ممثلة الأمين العام لأمم المتحدة في العراق أعمال العنف التي يتعرض لها المتظاهرين في كربلاء وعموم العراق، وذكرت في بيان لها: أنَّ أكثر ما يُثير القلق هي التطوراتُ الأخيرةُ في أنحاءَ كثيرةٍ من العراق، لا سيما في كربلاء الليلة الماضية. إذ تُشير تقاريرُ شهودٍ إلى استخدام الرصاص الحيّ ضد المتظاهرين؛ ما تَسبّبَ في أعدادٍ كبيرةٍ من الإصابات، وأضافت: أنَّ «العنفَ ليسَ هو الحلّ أبدًا، وحماية الأرواح هي الضرورة الحتمية. إن هناك حاجةً ماسّةً لإجراء حوارٍ وطنيٍّ لإيجاد استجاباتٍ سريعةٍ وفاعلة. ويجبُ أن تنتهيَ هذه الحلقةُ المُفرغةُ من العنف».

الشرطة تحمي المليشيات في كربلاء
خلال موجة الاحتجاجات منذ 25 أكتوبر 2019 وكما حدث في عدة مدن بجنوب العراق من إحراق مقار الأحزاب والمليشيات الموالية لإيران، يحاول المتظاهرون الغاضبون الذين يتهمون المليشيات بقمعهم إحراق مقارها في المحافظة، غير أنَّ قوات الأمن وتحديدًا الشرطة الاتحادية تؤمن تلك المقار وتمنع وصول المتظاهرين إليها، وبحسب شهادات ناشطين من كربلاء فإنَّ الشرطة تحمي مقر مليشيا عصائب أهل الحق بزعامة قيس الخزعلي، ومقر مليشيا بدر التي يتزعمها هادي العامري، وهذان المقران يقعان بالقرب من مبنى مجلس المحافظة، الذي صوت البرلمان العراقي مؤخرًا على حله وتجميد صلاحياته في محاولة لتهدئة غضب الشارع العراقي.

مفوضية حقوق الإنسان التابعة للبرلمان العراقي أكدت أولًا ما أعلنته وكالة رويترز عن عدد الضحايا، لكنها عادت لتنفي ذلك وتؤكد أن حصيلة الليلة الدامية في كربلاء هي: مقتل شخص واحد وإصابة 192 آخرين، وعللت ذلك بأنَّ الأرقام التي وردتها من قبل ناشطين ومنظمات حقوقية في كربلاء لم تكن دقيقة.

وبحسب آخر إحصائية للأمم المتحدة في العراق فإنَّ حصيلة ضحايا الموجة الثانية من احتجاجات العراق التي انطلقت في 25 من هذا الشهر بلغت 229 قتيلًا فضلًا عن آلاف الجرحى في العاصمة العراقية بغداد ومحافظات الجنوب.

اترك رد