خطة لإخماد ثورة العراق.. ماذا لو تدخلت واشنطن؟

تدخل التظاهرات العراقية التي انطلقت مطلع أكتوبر، مرحلة خطيرة، بالتزامن مع حديث عن خطة أعدتها الحكومة وقوى سياسية مدعومة من إيران لقمع المحتجين بالقوة في إصرار على إخماد الثورة.

لكن الولايات المتحدة دخلت مساء الأحد بشكل قوي على خط الأزمة لتشدد على ضرورة إنهاء أعمال العنف ضد المتظاهرين والتي خلفت مئات القتلى، ودعت إلى إجراء انتخابات مبكرة والقيام بإصلاحات انتخابية. كما عبرت عن القلق العميق من الاعتداءات المستمرة ضد المتظاهرين والناشطين المدنيين ووسائل الإعلام وحظر الإنترنت في العراق.

فما هي خطط ونوايا السلطة الحاكمة في العراق إزاء التظاهرات؟

يقول عباس الجوراني وهو ناشط عراقي من البصرة لـ”موقع الحرة” إن “السلطات تستخدم قوة خارجة عن إطار الدستور والقوانين وعموم الإنسانية أمام جمهور أعزل خرج ليعبر عن رأيه”، واصفا الوضع في محافظته بأنها باتت “ساحة حربية” حيث أصبحت تغص بقوات عسكرية وأمنية أتت من محافظات مختلفة، بحسب قوله.

وأسفرت الاحتجاجات المستمرة التي تهز العراق، عن مقتل 319 شخصا غالبيتهم من المتظاهرين، حسب حصيلة رسمية أعلنت صباح الأحد، وإصابة أكثر من 12 ألفا، خلال أقل من شهر.

“خطة إيرانية لإخماد الثورة”
بعد أن حاولت الحكومة تهدئة الشارع بوعود إصلاحية، ورفض المتظاهرون تلك الوعود وواصلوا مطالبهم برحيل الطبقة السياسية، فإن المؤشرات تدلل على قرار بمواجهة التظاهرات بالقوة وقمعها.

وتتحدث الأوساط العراقية عن إقرار السلطات خطة لإنهاء الثورة، والتمسك ببقاء رئيس الحكومة عادل عبد المهدي في منصبه.

الخطة قدمها مسؤولون في مكتب عبد المهدي، ويدعمها قيادات من تحالف الفتح القريب من إيران. بحيث يتم مواجهة الثورة على عدة مراحل.

الخطة تتضمن استمرار قطع الإنترنت مع استمرار إغلاق الطرق بالكتل الإسمنتية وحصر التظاهرات والاعتصامات في مناطق محددة وعدم السماح بتوسعها، مع مواصلة الرقابة على وسائل الإعلام والنشر، واختطاف المؤثرين في التظاهرات، ثم مواجهة الساحات والاعتصامات بالقوة لتشتيتها وإضعافها تدريجيا.
ويقول الجوراني: “نعلم أن هناك توجها حكوميا وخاصة لدى الائتلاف الحاكم بكل أطيافه مصمم على إنهاء التظاهرات، لا توجد خطة لدى الحكومة بقدر ما هو عنف واستخدام لكل ما هو ممنوع”.

غير أن الجوراني يرى أن “وسيلة السلطة البدائية والمفضلة لاستخدام العنف وحجب الإنترنت لا تؤدي إلا إلى نتائج عكسية، فالجماهير تنزل أكثر عندما يقمعون أكثر، وعندما يقطعون (السلطات) الإنترنت”.

المحلل السياسي العراقي رعد هاشم يقول لـ”موقع الحرة”: “الخطة واضحة من خلال هجمات متكررة على أماكن التظاهرات رغم وعود الحكومة بعدم استخدام القوة، وهي تستخدم هذا الأسلوب لخداع المجتمع الدولي، فهي غير ملتزمة بتقاليد التعامل مع الجانب السلمي للتظاهرات”، مشيرا إلى أن ذلك يرجع إلى أن حكومة عبد المهدي “منزوعة الإرادة وتسيرها الأحزاب، والأحزاب نفسها تحركها الميليشيات المدعومة من إيران”.

وكانت وكالة “فرانس برس” قد نقلت عن مصادر أن “الأحزاب السياسية اتفقت خلال اجتماع ضم غالبية قيادات الكتل الكبيرة على التمسك بعبد المهدي والتمسك بالسلطة مقابل إجراء إصلاحات في ملفات مكافحة الفساد وتعديلات دستورية”.

وأضافت أن الأطراف اتفقت أيضا على “دعم الحكومة في إنهاء الاحتجاجات بالوسائل المتاحة كافة”.

ويقول محللون إن هذا التوجه جاء بعد لقاء قائد فيلق القدس قاسم سليماني بمقتدى الصدر ومحمد رضا السيستاني نجل علي السيستاني والذي تمخض عنه الاتفاق على أن يبقى عبد المهدي في منصبه.

ويعتقد هاشم أنه “عندما يفرض سليماني حلوله على العراق ليس من بد من المجتمع الدولي إلا أن تصد هذه الخطوة”.

وأضاف “إذا صعدت الولايات المتحدة إجراءاتها ضد التدخل الإيراني، فإن ذلك سيحظى بقبول جماهيري كبير لأن من ضمن أهداف المتظاهرين إبعاد الجماعات والأحزاب من الارتماء في أحضان إيران وتبعيتها، وهو ما لاحظه الجميع من رفض الوجود الإيراني وفي قلب المناطق المقدسة في كربلاء والنجف التي هتفت ضد القيادات الإيرانية”.
خيارات واشنطن
ودعا البيت الأبيض مساء الأحد إلى انتخابات مبكرة وإنهاء أعمال العنف، وعبر بيان للإدارة الأميركية عن قلق واشنطن إزاء الاعتداءات ضد المتظاهرين وقطع الإنترنت، واتهمت طهران باستنزاف موارد العراق وقتل المتظاهرين بواسطة مليشياتها.

ويرى هاشم أن بيان البيت الأبيض الأخير يشكل نقطة تحول “وسيجعل الحكومة العراقية تفكر كثيرا قبل مداهمة ساحات الاحتجاج وخاصة ساحة التحرير وسط العاصمة العراقية بغداد”، مشيرا إلى أن السلطات العراقية تحسب حسابا كبيرا للموقف الأميركي عندما يشدد من قبضته”.

وحول ما إذا أقدمت السلطات العراقية على تنفيذ خطة فض التظاهرات وساحات الاحتجاج بالقوة يقول هاشم “قد تقوم الولايات المتحدة بتشديد الضغوطات وفرض عقوبات خاصة على الميليشيات المدعومة من إيران في العراق”، مضيفا أن هناك تخوفا من جانب السلطات العراقية وإيران من أن تلجأ الولايات المتحدة لفرض عقوبات جديدة.

مستقبل الأزمة
قدمت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) سلسلة من الاقتراحات والتدابير الفورية والقصيرة الأمد والمتوسطة الأمد للخروج بالبلاد من الأزمة غير المسبوقة التي يتخبط فيها.

وقالت المنظمة الدولية إن الإجراءات الفورية التي تعرضها، ينبغي تنفيذها في أقل من أسبوع وتشمل “إطلاق سراح كافة المتظاهرين السلميين المحتجزين منذ الأول من أكتوبر وفقا للقانون، وعدم ملاحقة المتظاهرين السلميين، والبدء في التحقيق الكامل في حالات الاختطاف (بما في ذلك الاستعانة بتسجيلات كاميرات المراقبة) والكشف عن هوية من يقفون خلفها”.

أما الإجراءات قصيرة الأمد والتي تقترح يونامي اعتمادها خلال أسبوع إلى أسبوعين، فتشمل ثلاث نقاط، هي: “الإصلاح الانتخابي: الانتهاء من وضع إطار قانوني موحد بدعم فني من الأمم المتحدة وتقديمه بعد فترة وجيزة إلى مجلس النواب. ويتم استكمال الإجراءات البرلمانية في أقرب وقت ممكن”.
ويرى المحلل السياسي مناف الموسوي أن بيانات الأمم المتحدة وواشنطن تدل على أن هناك اتجاها دوليا لدخول أطراف مستقلة كالأمم المتحدة كوسيط بين المتظاهرين والسلطات العراقية لتنفيذ مطالب المتظاهرين”.

وأشار إلى أن أهم المطالب تتمثل في تغيير القانون الانتخابي الذي تم تصميمه لإعادة إنتاج نفس المكونات السياسية، وكذلك تغيير المفوضية العليا للانتخابات واستبدالها بخبراء مستقلين تحت أشراف الأمم المتحدة، والدعوة للانتخابات المبكرة”.

ويؤكد أن ” التغيير الحقيقي لن يتم إلا عبر هذه النقاط الثلاث، ويمكن أيضا أن تساهم في عودة الناخب العراقي إلى الصناديق وتساهم في تغيير حتى ولو جزئي للنظام السياسي وظهور بعض المستقلين والتكنوقراط”.

وفي هذا السياق يقول هاسم: “قبل تنفيذ هذه المطالب الثلاث يجب إقالة الحكومة العراقية بالكامل وتشكيل حكومة انتقالية لأن الشارع العراقي لن يتحاور مع من أراق دماءه، ثم تأتي خطوة تغيير الدستور من خلال خبراء مستقلين ثم تغيير قانون الانتخابات والمفوضية العليا للانتخابات، على أن يؤدي كل هذا في النهاية إلى إبعاد الميليشيات عن الدخول بمعترك العمل السياسي وتطبيق حل وإعادة هيكلة الحشد الشعبي خاصة”.

ويؤكد أن تنفيذ هذه الخطوات أمر صعب جدا، ولكن السلطات العراقية ستضغط متى ما استمرت التظاهرات والضغوطات الدولية”.

ويخشى مناف الموسوي من عدم استمرار وتيرة التظاهرات على حالها “في ظل عدم وجود دعم دولي حقيقي لها خاصة مع الاستخدام المفرط للعنف والقوة ضدها من قبل السلطات”، بحسب قوله.

اترك رد