حب ودموع وموت.. شهادة مسعفة عراقية من قلب “التحرير”

بعد تداول صورتها والقصة الشخصية المختبئة خلف هذه الشابة التي تسعف الشبّان في ساحة التحرير ببغداد، أجرى “ارفع صوتك” مع سما قصي حواراً عن تجربتها اليومية هناك، وهذه هي القصة على لسانها، بالتفاصيل التي تعيشها.
ويبدو أن سما تعيش أياماً تاريخية، حيث ترى كل شيء بعينٍ جديدة، حلمت بها، لكنها كانت بعيدة المنال، وهنا تروي مشاهد قد تقشعر لها الأبدان وتدمع لها العيون.

الثورة حلمي الذي تحقق

عُمري 28 عاماً، والثورة التي أشارك بها الآن، هي حلمي الذي تحقق!

مرضت والدتي بالسرطان عام 2002 ثم توفيت، وكنّا ثلاث فتيات، أنا أكبرهن، وكنت من المتفوقات بالمرحلة المتوسطة (الإعدادية)، ربّانا أبونا من بعدها أفضل تربية، وكان لنا الأخ والصديق والأم معاً.

وفي عام 2009، مرض أبي بالسرطان أيضاً، فانتقلت المسؤولية عن البيت وتنشئة أختي المراهقتين في حينه إلى كاهلي، وأبي مريض، وأنا في السنة الجامعية الأولى أدرس الإدارة والاقتصاد، لكن مسؤوليتي عن العائلة كانت أكبر من أن أكمل حلم الدراسة. مات أبي، وهنا دمّرت حياتي بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

عشنا بعده كأننا شخص واحد، أنا وأختيّ. وبعد مرور سنة على وفاته تزوجت، لكن هذا الزواج لم يطل، لم نتفق، فانفصلنا. وأعيش الآن، مع طفلتي الصغيرة، وهي أجمل ما في دنياي. هذه حياتي باختصار.

قبل 25 تشرين الأول/أكتوبر، وبسبب التقاليد الذكورية في مجتمعنا، كان من المستحيل السماح لي بالخروج لأي تظاهرة، لكن كيف سرتُ نحو ساحة التحرير بعد ذلك اليوم، كان هذا أشبه بالمعجزة التي فتحت لي الباب على أشياء لم أتوقعها من قبل.

ليلة يوم الأربعاء 23 تشرين الأول/أكتوبر، كنت في طريقي إلى بيت إحدى أختي، وهي متزوجة، وكان لدي فضول في معرفة التحضيرات للثورة، المفترض انطلاقها الجمعة (25 أكتوبر)، وكنت أرغب بالمشاركة، لكنّي خائفة من الذهاب وألا أجد أحداً.

لم أنتظر طويلاً، تركت ابنتي عند أختي وذهبت لساحة التحرير، فرأيت الشباب واقفين ويغنّون ففرحت كثيراً، وعدت لبيت أختي، أخذتها وذهبنا لشراء كل ما يمكن أن يفيدهم، مثل الكولا والبطانيا، وفرحانة كلّش، وأعطيتها للشباب الذين بدأوا التحضيرات، فشكروني كثيراً، لكني سمعت شخصاً يقول إنه جائع.

كانت الساعة حينذاك 12:00 منتصف الليل، عدت وتسوقت بعض الحاجيّات، وحضرت الطعام في البيت، وأخذته للشباب في الساحة، كانت الساعة نحو 3:00 فجراً.

وجدت الطرق مغلقة فشعرت بالقهر، وتوسلت عناصر الأمن الذين يغلقون الطريق بأن أمر لأن الشباب بحاجة للطعام، حتى اتعاركت وياهم، لكنهم لم يقبلوا. عدتُ أدراجي.

في اليوم التالي (الخميس 24 أكتوبر) ذهبت في الصباح الباكر كي أوصل الطعام للشباب، وفي الطريق وجدت الناس تحتفل في الشوارع، كانت فرحتي لا توصف.

في المساء تعرّض المتظاهرون للضرب، شعرت أن الناس هناك هم إخواني وأهلي، فقررت البقاء، دون أن أخبر أحداً.

عدتُ يوم الجمعة، بعلم أختيّ فقط، حيث أودعتهما ابنتي، وكلّي إحساس بالفخر لأني أشارك في هذه الثورة.

في الطريق إلى ساحة التحرير، فكرت باحتمالات ما يجري، وبمجرد وصولي هناك، تجلّت الوحدة الوطنية أمامي، وكأن الشعب في لحظة نسي ما فرّقه طيلة العقود الماضية: سنة شيعة مسلم مسيحي… الناس هنا متكاتفون، وتراهم يركضون شبابا ومسنين بمجرد أن يسقط أحد المتظاهرين من أجل نجدته.

الروح القتالية لدى المتظاهرين عالية.. كيف أشرحلك؟ هذه الرّوح عظيمة… حتى الغاز المسيل للدموع يمسكونه بأيديهم حين يسقط على الأرض. رأيتُ نفسي بينهم، شعرت أنني الآن في المكان الذي أريده.

صرت أسعف المصابين بالاختناق بالغاز، أحمل أدواتي وأجري نحوهم من دون تفكير، كان يصعقني أن أرى طفلاً مواليد عام 2004 مختنقاً بالغاز أو يركض بعينين دامعتين تأثراً به!

ثورة وعي ثورة أخلاق

لم أكن لأدخل تجمعاً كبيراً مختلطاً قبل 25 أكتوبر، لكن ما خفته سابقاً ليس موجوداً اليوم. أتنظر لنفسي جالسة على الأرض وحولي شبّان فقط، وأنا لا أرتدي الحجاب، وملابسي منفتحة نوعاً ما بالنسبة لهم، لكني أجلس مطمئنة بينهم.

أنا فرحانة كلّش، تعرفين كيف يتغير تفكير شعب خلال يوم واحد فقط؟! أنا وغيري من النساء مع المتظاهرين الرجال يومياً، نتشارك تقديم الطعام ولبعضنا البعض، وتبادل الإمدادات الإسعافية، نهتف معاً، نرقص معاً، نعدّ بعضنا البعض كل يوم تحسّباً للمفقودين.

بالنسبة لعملي، بعثولي استقالتي، بسبب تغيّبي عن الدوام، وأترك طفلتي مع أختي يومياً، أراها في الصباح فقط وأرافقها إلى الروضة، وأقول لها دائماً “ماما تسترجع حقك ، هسة انتي ضايجة بس تكبري رح تعرفي إن اللي أسويه الك”.

مشاهد لا أنساها

قوات مكافحة الشغب كانت ترمي قنابل الغاز المسيل للدموع مباشرة على أجساد المتظاهرين، لقد شهدتُ موت اثنين دخلت القنابل رأسيهما، أحدهما عمره 10 سنوات.

وأثناء إسعافنا للمصابين بالاختناق، وصلنا أحدهم مغمىً عليه، وبمجرد أن عاد وعيه، قفز عائداً إلى الخطوط الأمامية، يقول “أريد ارجع يم إخواني”. كلماته هذه خلقت الأمل في نفسي.

رأيتُ الشعب محباً لبعضه البعض وشعرت أن كل ضغينة حدثت سابقاً بين الناس سببها السياسيون.

يوم الخميس (31 أكتوبر) خاطرتُ وأخذت الطعام وذهبتُ لخط المواجهات الأول، إذ وصلني أن المتظاهرين هناك بحاجة للطعام. وجدتُ الرجال يقفون وقفة رجل واحد وبينهم وبين من يقتلهم نهر، ومن يقتلهم واقف على الجسر واضح… حيرتني هذه الشجاعة!

أخذ أحد الشبّان الطعام منّي، ووزعه على الآخرين، وكان كل شاب يصله الطعام يعطيه لمن بجانبه، فكانو أحدهم لا يأكل حتى يطمئن أن صديقه أكل قبله.

ويوم الثلاثاء (29 أكتوبر) وبينما أقوم بإسعاف المصابين، رأيت شاباً يضرب بيده على رأسه، فاتجهت إليه، وعرفت أنه عمره 17 عاماً، سألته “مختنق؟” قال “لا”.

وأوضح لي أن أصدقاءه أربعة تعرّضوا للضرب وسقطوا في نهر دجلة، لكنهم لا يعرفون السباحة، ويشعر بالذنب لأنه لا يستطيع تركهم، فركض مسرعاً يريد رمي نفسه في النهر، فأمسكته وزميل معي ومنعناه من ذلك، وتحدثنا حتى نام.

حملت هذا الموقف معي إلى البيت، وهناك بكيت وحدي كثيراً. أحياناً آخذ استراحة لنفسي، وأثناء ذلك فكرت: صحيح أن مطلبنا واحد، هو إسقاط الحكومة وتشكيل حكومة جديدة، لكن مو بهالطريقة؟ يجب أن نوقف الدم، ما ظل عندي حيل أخسر أحد من الشباب…

ومن الحالات التي رأيتها أيضاً، شاب وصلنا مغمى عليه، لأنه لم يأكل منذ أيام، خوفاً من ترك الصفوف الأمامية في المواجهات.

ومن أجمل المشاهد التكاتك، حيث ينقل أصحابها الجرحى والطعام والمتظاهرين من دون أي مقابل، وهم ناس بسطاء حتى أن بعضهم يرفض أن ندفع له ثمن البنزين، رغم أنهم يضحّون برزقهم اليومي مقابل تطوعهم في التظاهرات. احنا شعب عظيم.

أصبح لي العديد من الأصدقاء اليوم في ساحة التحرير بينهم الشاعر والطبيب وسائق التكتك وميكانيكي السيارات، ننام ونأكل ونجلس معاً في مكان واحد، بكل حب.

اترك رد