حصن محتجي العراق.. هذه قصة المطعم التركي

بغداد- نصير العجيلي، عبدالقادر الجنابي – تحول مبنى مهجور، اصطلح على تسميته بين العراقيين بالمطعم التركي، يطل على المنطقة الرئاسية الخضراء في بغداد، إلى حصن ونقطة تجمع المحتجين في العراق منذ الشهر الماضي.

فقد تحصن في طوابقه المحتجون لمنعه من السقوط بيد القوات الأمنية العراقية التي تحاول السيطرة عليه، كونه نقطة تمركز على مجمل متظاهري ساحة التحرير وسط العاصمة.

كما أطلق بعض العراقيين على هذا المبنى الحامي لهم من بطش “السلاح سمية جبل أحد”، استعارة من أحد الجبال التاريخية التي لعبت دوراً في معركة أحد الشهيرة بين المسلمين والمشركين.

ويعود إنشاء المبنى المؤلف من 14 طابقا إلى ثمانينيات القرن الماضي، إذ أشرفت على بنائه شركة هندية وافتتح في عام 1983. ويحتوي على مرآب سيارات واسع في طوابقه السفلى، وامتلأت طوابقه الأخرى بالمحلات التجارية لتشكل مركز تسوق كبيرا. وأخذ المبنى اسمه من مطعم احتل الطابق الأعلى منه وامتاز بشرفاته التي تقدم منظراً بانورامياً مطلاً على مدينة بغداد، وعرف حينها باسم المطعم التركي.

وقد تعرض المبنى لعمليات قصف عدة في السابق أثرت على هيكله الأساسي. ومنذ بداية الحراك الشعبي في بداية الشهر المنصرم في العراق، تعج البناية المهجورة باللافتات المؤيدة للاحتجاجات والأعلام العراقية.

منع الرصاص الحي
وفي هذا السياق، قال علي ذو الـ23 عاماً، للعربية.نت، إن “التواجد داخل بناية المطعم التركي كان منذ انطلاقة التظاهرات في 25 تشرين الأول الماضي”، مبيناً أن “القوات الأمنية كانت تتخذ من المبنى مقراً أمنياً لهم لاستهداف المتظاهرين، وهذا ما حصل في الأيام الأولى للتظاهرات”.

وأضاف ابن مدينة الصدر شرقي بغداد، أنه “ومجموعة من المتظاهرين الشباب وضعوا خطة تقي الشباب المحتج، شر الرصاص الحي وغدر القناصين الذين تكمنوا من الفتك بالكثيرين”، مؤكداً أن “المبنى المطل على المنطقة الخضراء وعلى جسر الجمهورية ونهر دجلة، يمنحنا قوةً على مواجهة السلطة التي لا تريد أن تستمع لنا، وتواصل استخدام لغة السلاح الحي ضدنا”.

كما أشار المتظاهر العراقي الشاب إلى أنه “ينام أحياناً داخل المبنى حيث هناك دعم لوجيستي يُقدم من قبل العوائل المتبرعة لنا بالمال والطعام ومختلف المستلزمات الصحية والأغطية ووسائل النوم”، مضيفاً أنه “تم تقسيم المتظاهرين الشباب إلى عدة مجموعات، مجموعة تقف أعلى البناية لمنع منتسبي أجهزة الأمن من عبور جسر الجمهورية ورمي المتظاهرين بالقنابل المسيلة للدموع عن قرب، بينما تذهب المجموعة الثانية إلى الراحة لحين انتهاء دور وساعات المجموعة الأولى”.
وتابع “المجموعات الأخرى تم توزيعها على جلب المعونات المالية والغذائية التي تصلنا من الأهالي المتبرعين لنا، فيما تقوم مجموعة ما بتأمين المستلزمات الطبية والاحتياجات الإنسانية لدى تعرضنا لأي طارئ”.

برج مراقبة
أما خالد ياسين، الباحث والأكاديمي العراقي، فقد قال للعربية.نت، إن “للمبنى أهمية كبيرة، بوصفه المكان الذي كانت تستخدمه القوى الأمنية في مظاهرات سابقة كبرج مراقبة يطل على كامل ميدان التظاهر، ومكانٍ عال استخدم لتصيد المتظاهرين وقمع وتفريق مظاهراتهم”، مستذكراً “تجربة استخدام القوى الأمنية للمبنى في قمع وإخماد الاحتجاجات ضد حكومة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي في شباط عام 2011”.

يذكر أن تقارير تحدثت عن أن الطابق الثامن من مبنى المطعم التركي، قد تحول أيام الاحتجاجات ضد حكومة نوري المالكي، إلى ما يشبه مركزا لقيادة العمليات ضد المتظاهرين، إذ تمركز فيه عدد من قيادات قوة عمليات بغداد، وبعض المسؤولين والنواب الموالين للحكومة لمراقبة المظاهرات والإشراف على عمليات قمعها وتفريقها.

وقد انتشرت حينها في وسائل التواصل الاجتماعي صور القوات الأمنية في أعلى البناية، فضلا عن أحد النواب المقربين من المالكي حينها وبعض المسلحين في أعلى البناية وهم يراقبون ويستهدفون المتظاهرين.

أيقونة ساحة التحرير
يعج الشباب المحتج في ساحة التحرير مساء كل يوم بغدادي، منذ نهاية الشهر الماضي، موعد الانطلاقة الثانية للتظاهرات، حيث تعمد الغالبية الشابة القاطنة للساحة إلى زيارة المبنى وتحية الشباب على صمودهم طيلة الأيام الماضية، فضلاً عن التقاطِ صورٍ تذكارية تخلد بطولاتٍ شبيبة الاحتجاج العراقي.

وقال المصور هادي فهد، مصور صحافي، للعربية.نت، إن “الكثير من الزوار من الذكور والإناث يرتادون هذا المبنى للسلام على المتظاهرين الصامدين، ومدّهم بمختلف الحاجات الإنسانية لديمومة وجودهم، لحمايةِ من يتظاهر أسفل البناية بساحة التحرير”، لافتاً إلى أنه “يلتقط مئات الصور اليومية لتوثيق هذا الحدث الاحتجاجي الكبير”.
كما أشار فهد إلى أن “مبنى المطعم التركي بات أيقونة ساحة التحرير الخالدة في بغداد، ورمزية الاحتجاج الشعبي، وحاجزاً أمام نيران القوات الأمنية صوب المحتجين على أداء السلطة داخل المنطقة الخضراء”، مبيناً أن “فضائيات ووسائل إعلام محلية ودولية تزور المبنى لنقل الواقعة البطولية لهؤلاء الشباب، ناهيك عن إدانة الحكومة لتصرفاتها القاسية تجاه أبنائها العراقيين الناقمين على أدائها”.

وفي ذات السياق، أكدت الطبيبة لمى الصافي أنها تسعف الكثير من المصابين جراء قنابل الغاز المسيل للدموع، قائلة للعربية.نت إن “هؤلاء المرابطين أعلى المطعم التركي، ينقذون أرواحاً كثيرة وهم يحاولون أبعاد الأجهزة الأمنية إلى أسفل جسر الجمهورية ومنعهم من التقرب من ساحة المحتجين”.

وأضافت “رغم كل محاولات من يقف أعلى البناية لمنع الرصاص الحي والقنابل المسيلة للدموع، لكن ثمة ضحايا يسقطون كل يوم لجسارة التعامل الأمني مع المتظاهرين هنا”.

مدير المشروع يروي التفاصيل
من جانبه، قال مدير مشروع برج التحرير (وهو اسم المبنى الأساسي قبل أن يتحول إلى المطعم التركي) في حديث للعربية.نت إن مشروع برج التحرير، وسط العاصمة بغداد مشروع استثماري، ويحتوي على عدة أقسام، منها فندق خمس نجوم، ومركز مؤتمرات، بالإضافة إلى مركز إعلامي وقناة تلفزيونية متخصصة بالاقتصاد والاستثمار.

كما أوضح أن القناة الفضائية التي كان من المفترض أن تسمى قناة العراق التجارية كان من المؤمل أن تكون قناة مختصة بالاقتصاد العراقي والعربي.

إلى ذلك، أضاف أنه تمت المباشرة بالمشروع قبل عدة سنوات وبالتحديد عام 2009، وتم إعادة الهيكل الذي دمرته قوات التحالف بنسبة أضرار وصلت إلى 80%، واستكمال جميع الأعمال الخارجية، ثم بدأت التركيبات الداخلية، لكن أمانة بغداد أوقفته عام 2015 بحجة عدم حيازة المشروع على إجازة بناء وترميم، علماً أن المشروع تم استئجاره بعقد طويل الأمد بموجب مزايدة علنية عام 2009 وبشكل قانوني وبعيدا عن أي ملابسات في المزايدة العلنية.

ملايين الدولارات.. فساد ومضايقات
وقال مدير المشروع: صرفت الشركة العراقية المستثمرة ملايين الدولارات لإكمال الهيكل المحطم وإعادته إلى ما كان عليه مع إضافة طابقين على مواقف السيارات، علما أن أمانة بغداد أوقفت المشروع مرتين، الأولى عام 2010 عندما أشاعت بوجود مخلفات إشعاعية نووية في المبنى، إلا أن الشركة نفت صحة تلك الأمور، بعد صراع قانوني في المحاكم ضد أمانة بغداد، وتم استئناف العمل عام 2014 ليتوقف من جديد عام 2015 وحتى الآن.

وتابع: “مازالت القضية التي رفعتها الشركة ضد أمانة بغداد في المحاكم العراقية قائمة حتى الآن”.

وتتهم الشركة المستثمرة أمانة بغداد بعرقلة جميع جهود البناء والإعمار في بغداد، وإرغام الشركات الوطنية العراقية والأجنبية على ترك مشاريعهم لأغراض معروفة في الشارع العراقي.

كما اعتبر أن “جميع المشاريع في بغداد والعراق إذا لم تدخل ضمن حلقات الفساد والابتزاز والرشاوى ستتعرض إلى مضايقات كثيرة تحول دون تنفيذ مشاريعها، ومنها مشروع برج التحرير (بناية المطعم التركي) على الرغم من أن المشروع مهم للعاصمة، وتمويله عراقي 100% ومالكوه عراقيون”.

One thought on “حصن محتجي العراق.. هذه قصة المطعم التركي

اترك رد