مظاهرات العراق.. لماذا لاذ المثقفون بالصمت؟

عماد الشمري

على مر التاريخ، ترافق الثورات والاحتجاجات مواقف وإبداعات للمثقفين من الأدباء والشعراء والفنانين حضورا أو تدوينا، وتتراصف كلمات النقاد بين مؤيد ورافض، وتتهافت المدونات لبيان الأسباب وشرح المتوقع.
شذّ موقف مثقفي العراق هذه المرة عن القاعدة تجاه المظاهرات الأخيرة، رغم هولها؛ إذ فضل أغلب المثقفين اللوذ تحت مظلة الصمت.

اختلال الموازين
“للكلمة وقع يفوق ترويع السلاح بإظهار الحق، وهي مسؤولية تقع على عاتق الكتّاب دون استثناء، وأنا منهم”. هكذا ينظّر الإعلامي فيصل الدليمي لواجب المثقفين في المجتمعات.

ويواصل الدليمي حديثه للجزيرة نت قائلا اختلفت الموازين في العراق منذ نحو العقد، وأُخفت صدى الكلمة حتى وصل اليوم حد الصمت، وهو ما شهدته الاحتجاجات الأخيرة بسبب خشية كثيرين من مراقبات وتفسيرات بعض الجهات السلطوية، التي تنتهي باحتساب الكاتب افتراء على مجموعة قد تكون معارضة تعرضه للمساءلة من جهات متنفذة.

من جهته، اعتبر الإعلامي أيسر البدري أن سبب اختفاء المثقفين المستقلين يعود لعدم وجود مدافع عنهم أو مساند لهم من أي جهة محلية أو دولية، لذا فهم مهدورو الحقوق، ولجؤوا للصمت كحياد.

أما الإعلامي ميراث الكبيسي فقال إن الحياد عكاز الجبناء، ولا بد أن تكون هناك كلمة فصل لكل مثقف يقف بها مع مبادئه قبل تأييده لأي طرف، وبأضعف الإيمان اقتصار الكاتب على إبداء رأيه وشرح وجهة نظره متجنبا الدفاع عن جهة على حساب أخرى.
ضبابية الموقف
برر الشاعر المخضرم وعضو اتحاد أدباء وكتاب الأنبار محمود فرحان صمت الشعراء وعموم المثقفين بأنه يعود للأجواء الغائمة التي تلقي بظلالها على الأيام المتأرجحة بالعراق، والتي جعلت الناس في حيرة من أمرهم، مما دعا المثقفين للنظر للمظاهرات من كوّة ليست واسعة بالمنظور المتعارف عليه في مثل أحداث هكذا، وزرعت داخلهم هواجس خوف مما ستؤول إليه الحال.

ويواصل فرحان قوله إن سرعة المظاهرات الأخيرة بين نشوبها وتهدئتها كانت عاملا كبيرا لعزوف المثقفين للإدلاء بدلوهم فيها، لعدم نضج الفكرة حيالها، فضلا عن غياب المشهد أمامهم لأسباب عدة، منها جانب الثقة، وهي العامل المهم لدى المثقف؛ فهي المسؤولة عن تبلور الموقف عنده لإثارة المشاعر ليكون شعلة ناطقة بكل حدث مهم؛ لكن المؤسف أن هذه الثقة أصبحت مهزوزة في مخيلة المثقفين لتجعلهم مترددين، تتجاذبهم المخاوف والأوهام من الغد المجهول.

الخبرة الإعلامية
يقول المراسل التلفزيوني نبيل العزامي إن الإعلام فن يكمن في طريقة إيصال الفكرة من خلال تمريرها بذكاء، وهي مهنية واجب إتقانها من جميع مثقفي الكلمة لتفادي الاقتراب من الخطوط الحمراء، وتجنب الوصول للمخاطر، معتبرا أنه بهذا لا عذر للصمت.

وأضاف أنه كان من الممكن استغلال بعض التصريحات الحكومية وترويضها بما يصب في مصلحة الحقيقة؛ وعلى سبيل المثال في الاحتجاجات الأخيرة اعترفت الحكومة بضحايا الأحداث بأنهم شهداء؛ فتفعيل معلومة كهذه لا يمكن مجابهتها أو المحاسبة عليها، إذ إنها -في حد ذاتها- درع للحماية من المساءلة وتجنب المخاطر لتوظيفها كمقال يأخذك من الحياد نحو الكلمة الشجاعة كشخص يقع على عاتقه نقل الحقيقة والثبات على المبدأ.

المحسوبية
وحمّل الناقد والكاتب علي البيدر ابتعاد المثقفين عن المشهد إلى النظام السياسي، الذي قدم سطوة السلاح على هيمنة الكلمة، ويضيف أنه لعل تفشي المحسوبية بتوزيع المناصب لعب دورا خطيرا أجبر المثقفين على التنحي جانبا حين تقلدت المناصب الثقافية والإعلامية شخصيات تابعة للأحزاب الحكومية، ليصبح حكم المنصب والانتماء صناعات لشخصيات تتحدث باسم السلطة، وتلمع مواقفها حتى الخاطئة منها، لتجعل جميع التصرفات صوابا لجهة واحدة، من دون أدنى اعتبار لصواب الأطراف الأخرى.

ويقارب فرحان رأي البيدر مضيفا أن الشكوك بأدبيات الأحزاب التي تسعى بكل ما تملك من أجل تبييض صورتها أمام الشعب قطعت الروابط مع الشارع، مما أجبر المثقفين على المشي باستحياء، يركنون بعيدا عن الأحداث بصوت خافت خشية أن يستغل هذا الطرف أو ذاك موقفهم، ويصادر أفكارهم لجهة معينة لم يكونوا قاصدين لها.

تباينات
وعزا الكاتب والصحفي علي عبد الزهرة الظاهرة لأسباب أخرى، موضحا للجزيرة نت أن الأسباب متباينة؛ فالبعض سكت لعلاقات مصلحية تربطه بمؤسسات حكومية رسمية وغير رسمية، وهذه الظاهرة باتت توصف بالجيوش الإلكترونية.

وأوضح أن عددا من الذين يوصفون بالمثقفين هم جنود في تلك الجيوش، لذلك لا يمكنهم الكتابة بالضد من الجهات التي يتكسبون منها بهذه الطريقة التي يراها البعض غير شرعية وغير قانونية.

وأضاف أنه بينما صمت آخرون لأن الأجندة التي جاءت بهذه الحكومة محمية من قبل فصائل مسلحة؛ فإن الحديث بالضد ينسحب إلى حديث طعن بمن جاؤوا بها، وبالتالي الرد سيكون مفتوحا في خياراته للدولة العميقة التي تقف وراء كل هذا القمع الذي تعرض له المتظاهرون العزل، ولم يفلت منه الإعلاميون، وما تعرضت له بعض القنوات من انتهاكات واعتقالات لموظفيها كان كافيا لتكميم الكثير من الأفواه.

بصمة الفن
بينما يقول الفنان العراقي نبيل الموصلي إن الفن سلاح ذو وقع في نفوس العراقيين، وفي الوقت ذاته مشاعر تداعب النفوس؛ فكان من الواجب أن يسهم الفنانون ولو بكلمة حياد لنقل الحقيقة؛ والعمل الفني سواء المسرح أو الغناء وإن لم يعطِ وضوح التأييد لأي طرف، فإنه وعي وثقافة يُعبر بهما عن حب الوطن والدعوة للمحافظة على الأرض ومن يسكنها.

وذكر أن عمله الفني الغنائي “الأمل يولد من الموت” أثناء الاحتجاجات جاء حبا في العراق وباسم الشعب؛ وأكد الموصلي أن صمت الفنانين -خاصة المغتربين- تقصير لا مبرر له تجاه الوطن.

المصدر : الجزيرة

One thought on “مظاهرات العراق.. لماذا لاذ المثقفون بالصمت؟

اترك رد