مستقبل الحشد الشعبي في العراق.. بين سيادة الدولة وصراع المحاور

تعرّضت مواقع فصائل من الحشد الشعبي في العراق لهجمات متفرقةٍ خلال الأسابيع الماضية، يُعتقد أن إسرائيل تقف وراءها، وترافقت مع ضغوط أميركية لوضع هذه الفصائل تحت إدارة الحكومة العراقية وإبعادها عن نفوذ إيران. وقد أثارت عمليات الاستهداف هذه مخاوف ساسة ومسؤولين عراقيين من أن يتحوّل العراق إلى ساحة صراع أميركي إسرائيلي في مواجهة إيران. كما دفعت إلى الواجهة موضوع مستقبل هذه الفصائل، وقدرة رئيس الحكومة، عادل عبد المهدي، على الاستمرار في محاولات إمساك العصا من الوسط، في وقت تتصاعد الضغوط الأميركية والإيرانية عليه لاتخاذ موقف من المواجهة القائمة.
زيارة بومبيو وردّ طهران
بدأت عمليات استهداف فصائل الحشد بعد زيارة مفاجئة قام بها وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، إلى بغداد، في أيار/ مايو 2019، عرض خلالها بحسب مصادر متعدّدة معلومات على رئيس الحكومة، عادل عبد المهدي، بشأن صواريخ نقلتها إيران إلى فصائل من الحشد يصل مدى بعضها إلى 700 كيلومتر، وأن هذا التطور يخرق حياد العراق في الأزمة بين طهران وواشنطن. وهدد بومبيو بأنه إذا لم يتمكن العراق من إزالة هذه الصواريخ، فإن هذا سوف يعرضها للتدمير. ويعتقد أن هذه الضغوط كانت وراء إصدار عبد المهدي، مطلع تموز/ يوليو 2019، مرسومًا تفصيليًا لدمج فصائل الحشد في القوات المسلحة، تضمّن إلغاء تسمياتها وإغلاق مكاتبها المنتشرة في المدن، ونقل سلاحها إلى معسكراتٍ خارج المناطق الحضرية، فضلًا عن خطوات غايتها إجراء دمج تدريجي يفترض أن ينتهي باستيعاب الحشد، قيادات وفصائل، كليًا داخل منظومة القوات النظامية. وذكر عبد المهدي في مرسومه أنه يهدف بهذا إلى حماية الحشد من إشكالات داخلية وخارجية، في تلميح واضح إلى الضغوط التي تتعرض لها الحكومة بشأن الفصائل مع تصاعد الأزمة الأميركية – الإيرانية. ورغم أن معظم فصائل الحشد أيدت مرسوم عبد المهدي لفظيًا على الأقل، فإن فصيلًا عراقيًا مقرّبًا من إيران، هو كتائب حزب الله، أصدر بيانًا في 4 تموز/ يوليو 2019 ندد فيه بموقف الحكومة وعدّه خضوعًا لمؤامرة أميركية ضد قوات الحشد الشعبي.
وقبيل انتهاء المهلة التي حددها عبد المهدي بـ 30 تموز/ يوليو 2019 لتنفيذ مرسومه، طلب رئيس هيئة الحشد فالح الفياض مهلة شهرين إضافيين لتطبيق الإجراءات؛ ما كشف عن رفض بعض الفصائل لمخطط الحكومة ومحاولة كسب بعض الوقت. لكن بعد ذلك بأيام، صدرت مواقف عقّدت العلاقة أكثر بين المليشيات وحكومة بغداد؛ إذ احتفت طهران مطلع آب/ أغسطس 2019، على نحو مبالغ فيه، بزيارة قياديين في حركة النجباء، وهي مليشيا عراقية أخرى بارزة، صرح قادة بارزون فيها خلال لقاءاتهم بقادة إيرانيين مثل علي أكبر ولايتي مستشار المرشد الأعلى، بأنه في إمكان الفصائل إسقاط حكومة عبد المهدي خلال أسبوعين. وعدّ المراقبون ذلك رسالة من طهران تردّ على خطوات عبد المهدي، رغم أن رئيس الحكومة موصوف بحرصه على تهدئة الإيرانيين، حتى إن كان تكلفة ذلك إغضاب حليفه الأميركي.
تناقضات الحشد الداخلية والعلاقة مع الدولة
لم يكد وفد حركة النجباء يعود من طهران في 6 آب/ أغسطس، حتى شهدت منطقة أبو دشير جنوب بغداد، في 12 من الشهر نفسه، انفجارًا لحق مخزن مقذوفات وصواريخ تابعة للميليشيات تطايرت في مختلف الاتجاهات، وسط لغط بشأن دور إسرائيل في قصف الموقع ونوع الأسلحة التي استخدمتها في ذلك. وفي الوقت نفسه، دعا القيادي من حركة النجباء يوسف الناصري إلى حل الجيش العراقي، واصفًا إياه بـ “المرتزق” مطالبًا بالاعتماد على قوات الحشد فقط في حماية البلاد؛ ما أدى إلى استنكار واسع، دفع معظم قادة الحشد إلى التبرؤ من هذه التصريحات.
وكانت مؤشرات عديدة ظهرت في الفترة الأخيرة عن انقساماتٍ داخل هيئة الحشد بخصوص الموقف من أزمة إيران، والقلق من تزايد وتيرة استهداف فصائل الحشد التي بدأت في آمرلي جنوب كركوك وديالى المحاذية للحدود الإيرانية في 19 و28 تموز/ يوليو 2019 على التوالي. وقد أظهرت التفجيرات، التي تعرضت لها معسكرات للحشد، قرب قاعدة بلد الجوية شمال بغداد في 20 آب/ أغسطس 2019، بوضوح وجود هذه الانقسامات؛ إذ وجّه نائب رئيس هيئة الحشد المقرب من طهران، أبو مهدي المهندس، اتهامًا صريحًا إلى الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل بالوقوف وراءها، مهددًا بالرد بأسلحة “أكثر تطورًا”. وفي اليوم التالي، أصدر رئيس هيئة الحشد، فالح الفياض، بيانًا تبرّأ فيه من موقف نائبه، وحصر التصريحات بهذا الشأن في رئيس الوزراء أو من يخوله. وقد عدّت هذه ضربة مباشرة يتلقاها المهندس صاحب النفوذ الواسع في بغداد، والذي يعامَل بوصفه ممثلًا لقائد فيلق القدس في حرس الثورة الإيراني قاسم سليماني.
أقسام الحشد
يجري عادة تقسيم الحشد الشعبي إلى ثلاثة أقسام، يضم القسم الأول – والذي تشكّل مع اجتياح تنظيم داعش أجزاء واسعة من الشمال الغربي للبلاد، في حزيران/ يونيو 2014 – متطوعين لمساندة الجيش كما يصفهم المرجع الأعلى في النجف علي السيستاني، وينتمي إلى هؤلاء أيضًا مقاتلون تابعون إلى رجل الدين مقتدى الصدر وزعيم تيار الحكمة عمّار الحكيم وسواهما. ويمثل القسم الثاني ميليشيات تشكّلت قبل ذلك التاريخ وعرفت بدورها المثير للجدل في الحرب السورية مسانِدةً لقوات بشار الأسد، وتوصف بأنها “حشد ولائي” يؤمن بولاية المرشد الإيراني علي خامنئي وقيادته. أما القسم الثالث، فهو خليط من مقاتلين يتبعون مسؤولين وساسة، مثل رئيس الحكومة السابق، نوري المالكي، وزعماء سنّة، مثل مشعان الجبوري وأثيل النجيفي، ولهؤلاء مواقف متباينة ومتغيرة بحسب مصالحهم. وتتركز مشكلة الحكومة العراقية مع القسم الثاني الذي يشكّل عددًا أقل، لكن يتمتع بتجهيزات أكبر وخبرة وتدريب أفضل ولديه وحدات “كوماندوز” يحسب لها حساب في العراق وسورية.
لكن هذا التصنيف لا يأخذ في الاعتبار مواقف هادي العامري زعيم منظمة بدر، وهي أكبر فصيل بين الميليشيات، وتوصف كذلك بأنها الأكثر انضباطًا نتيجة لتقاليد عمل تعود إلى بدايات الحرب بين العراق وإيران؛ حيث قاتلت إلى جانب طهران ضد نظام الرئيس صدام حسين، فالعامري مقرّب جدًا من طهران، لكنه لم يقف إلى جانب المليشيات الولائية في مواجهتها مع الحكومة، كما لم يقف إلى جانب حليفه ورفيق السلاح القديم أبو مهدي المهندس الذي دخل في مواجهة علنية مع عبد المهدي. ويشير ذلك إلى أن العامري يحاول على ما يبدو تمييز نفسه واتخاذ موقف وسط بين مختلف القوى الخارجية، فهو يؤيد مثلًا تطبيع العلاقات مع المحيط العربي والتمسّك بعلاقات مع الولايات المتحدة والحفاظ، في الوقت نفسه، على أفضل العلاقات بطهران.
حروب وكالة
دفعت عمليات الاستهداف المتكرر لفصائل الحشد الشعبي رئيس الحكومة، عبد المهدي، إلى اتخاذ خطوات من شأنها وضع قيود متنوعة وتدريجية على نشاط المليشيات. ويبدو أن تحرك عبد المهدي جاء مدفوعًا بمواقف الرأي العام الشعبي المطالبة بتوضيح حقيقة تفجير مخازن فصائل الحشد محتوياتها، والبيانات القوية التي صدرت عن مقتدى الصدر وعمار الحكيم اللذين طالبا الحكومة بمواقف أشدّ وضوحًا في هذا الملف. وقد لخص الصدر موقفه في 30 آب/ أغسطس 2019 بالدعوة إلى التحقيق، ولو بإشراف دولي، في احتمال تورط إسرائيل في قصف المخازن، لكنه حذّر من التصريحات العاطفية وطالب بضرورة إبعاد العراق عن دفع الأثمان دون جدوى، في إشارة إلى موقف الفصائل المندفع مع سياسة إيران. أما عمار الحكيم، فقد طالب على نحو علني بعدم جعل البلاد مخزنًا لسلاح أي دولة أخرى، في إشارة إلى إيران، وعدم جعل سماء العراق مسرحًا لطيران أجنبي ضد دولة أخرى، في إشارة إلى إسرائيل والولايات المتحدة. وهذا تطور لافت في مواقف قيادات شيعية عراقية ترفض تحول العراق إلى ساحة حربٍ بين إيران وحلفائها من جهة، وواشنطن وحلفائها من جهة أخرى، ومؤشّر على وجود شيعية سياسية عراقية لا تتبع إيران.
أفول الحشد؟
مع اجتياح “داعش” الأراضي العراقية صيف 2014، حظي الحشد الشعبي، بمختلف فصائله، بتعاطف شعبي كبير خاصة بين الشيعة في الجنوب؛ نتيجة انهيار الجيش في الموصل وغرب
“لخص الصدر موقفه في 30 آب/ أغسطس 2019 بالدعوة إلى التحقيق، ولو بإشراف دولي، في احتمال تورط إسرائيل في قصف المخازن” البلاد. لكن عملية إعادة بناء القوات النظامية، والتي بلغت ذروتها في معارك تحرير الموصل من داعش عام 2017، أعادت الاعتبار للجيش العراقي وقوات النخبة فيه بين عموم العراقيين، بينما بدأت تتراجع شعبية فصائل الحشد في ضوء المواجهات السياسية التي قادت إلى إفشال حكومة حيدر العبادي ثم إسقاطه. لكن الفصائل الموالية لإيران ظلت تبحث عن مناسبة جديدة تعيدها إلى الصدارة مرة أخرى؛ وقد وجدت في أزمة مضيق هرمز فرصة مهمة لتحقيق ذلك، مدفوعةً برغبة إيرانية في دفع المقاتلين العراقيين إلى القيام بدور بارز في المواجهة مع واشنطن، وخصوصًا مع دخول إسرائيل على خط الأزمة. وتعدّ إسرائيل في الوجدان العراقي عدوًا تاريخيًا اغتصب أرضًا عربية في فلسطين، وخاض معه العراق مواجهات في حروب 1948 و1967 و1973، مرورًا بقصف إسرائيل للمفاعل النووي العراقي عام 1981، وضرب إسرائيل بالصواريخ العراقية في حرب الخليج عام 1991. مع ذلك، برز اتجاه عراقي يرفض أن تصادر جهات خارجية القرار الوطني العراقي بخصوص المواجهة مع إسرائيل. لقد دان هذا التيار الاعتداءات الإسرائيلية بغض النظر عن مبرّراتها من ناحية، إلا أنه رفض، من ناحية أخرى، أن يقرّر الحرس الثوري الإيراني مكان المواجهة وزمانها نيابة عن العراق، وخدمة لأجندة غير عراقية، قوامها محاولة إيران زج العراق في حرب وكالة عبر تزويد مليشيات تابعة لها بصواريخ لن تستخدم دفاعًا عن العراق بل دفاعًا عن إيران.
ونتيجة لما يبدو تراجعًا حادًا في تأييد الميليشيات، تحرك آية الله كاظم الحائري المقيم في إيران، وأصدر فتوى تفرض وجوب حماية فصائل الحشد في هذه المواجهة، حتى لو تطلب الأمر إعلان الحرب على القوات الأميركية في العراق. لكنّ هذه الفتوى لم تحظ باهتمام حتى وسط الجمهور الملتزم دينيًا، بل تحولت إلى سبب لمهاجمة الحائري ووصلت حد السخرية منه، بحيث إن قياديًا بارزًا في الفصائل مثل قيس الخزعلي اضطر إلى إصدار مناشدات تدعو لاحترام هذا الفقيه المسن، وفضلًا عن ذلك لم ينجح الحائري في جمع التأييد للفصائل.
وقد ظهرت، في الفترة الأخيرة، مؤشّراتٌ مهمة على بداية تراجع نفوذ إيران بين الشيعة في الجنوب العراقي؛ إذ أحرق متظاهرون غاضبون قبل نحو عام مقارّ المليشيات القريبة من إيران في البصرة، وصولًا إلى إحراق مقر القنصلية الإيرانية هناك. وقد أثارت هذه الحوادث قلق الميليشيات التي ضاعفت من محاولاتها بناء قاعدة اجتماعية واسعة، مستفيدة من مخصصات مالية كبيرة في موازنة الدولة ونشاط اقتصادي يتنامى، وينشئ روابط وثيقة مع آلاف الشباب المنحدرين من العوائل الفقيرة، معلنًا مرارًا أنه يمثل طبقة المعدمين إزاء طبقة سياسية مخضرمة غارقة في الفساد.
سياسة عبد المهدي
ينصبّ كثير من التركيز في الصراع الدائر على الساحة العراقية بين طهران وواشنطن على دور رئيس الحكومة عبد المهدي؛ فهو من جهة إسلامي التوجه، وسياسي عراقي مقرّب من طهران، لكنه من جهة أخرى يعدّ نفسه قوميًا عربيًا، وكان قبل ذلك يساريًا، قضى جزءًا من
“يجري عبد المهدي فرزًا هادئًا للفصائل المسلحة الموالية لإيران، مستعينًا عليها بالجزء الآخر من الحشد الأقرب إلى مواقفه” حياته في الغرب متمسكًا بالشراكة معه. وفي وقت يتهمه خصومه بالانحياز إلى إيران، يرسل الحرس الثوري الإيراني إشارات تنم عن عدم الرضا عن كثير من مواقفه. والواقع أن عبدالمهدي، يُجري فرزًا هادئًا للفصائل المسلحة الموالية لإيران، مستعينًا عليها بالجزء الآخر من الحشد الأقرب إلى مواقفه، بينما يتخذ مواقف رافضة لمحاصرة إيران واستهدافها. ولذلك يجد رئيس الحكومة نفسه في مناسبات عدة مضطرًا إلى اتخاذ قرارات ٍتقيّد نفوذ إيران وأخرى تقيّد حركة واشنطن، كما في قراره إخراج مخازن سلاح الحشد من المدن، وقراره حصر أذونات الطيران الحربي الأميركي بمكتبه بعد التفجير الذي وقع في معسكر للحشد في مدينة بلد. ويجد عبد المهدي صعوبات متزايدة في الاستمرار في هذا النهج الذي يُفقده ثقة إيران، ولا يكسبه ثقة واشنطن.
في الوقت نفسه، يواجه عبد المهدي ضغطًا متزايدًا من الرأي العام العراقي، ومن رجال دين بارزين، مثل مقتدى الصدر وعمار الحكيم، إلى جانب قوى سياسية أخرى، للتحرّك ضد فصائل الحشد الشعبي، ليس في ملف الأسلحة فقط، بل بسبب تنامي دورها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في المناطق المحررة من داعش، وخصوصًا الموصل. في المرحلة الراهنة، تحاول إيران تهدئة التوتر بين عبد المهدي وفصائل “الحشد” المحسوبة عليها، مخافةَ دفع عبد المهدي نحو واشنطن في ظروف مواجهة حساسة بالنسبة إليها، وهذا ما يفسر تواري أبو مهدي المهندس والتزامه الصمت ولو مؤقتًا لتفادي مواجهة مؤجلة.
بعد أن شهد العراق وحدة وطنية في مواجهة “داعش”، وشرع في إعادة بناء مؤسساته، بدأ يدور صراع حول السيادة العراقية إزاء النفوذيْن، الإيراني والأميركي (وبدرجة أقل إزاء محاولات السعودية بناء نفوذ لها)، ومسألة الولاء السياسي للحشد الشعبي السياسي هي أهم حلبات الصراع. وسيكون لهذا الصراع أثر بالغ في مستقبل العراق، وربما المشرق العربي عمومًا.
المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

One thought on “مستقبل الحشد الشعبي في العراق.. بين سيادة الدولة وصراع المحاور

اترك رد