لماذا قد تكون النساء قريبًا بلا دورة شهرية؟

تسعى كافة النساء للتخلص من آلام الدورة الشهرية، وتتبع كل الطرق الممكنة لتجنب الألم، والمشقة، والتقلبات المزاجية، وربما لم تتصور معظمهن أن يجيء اليوم الذي تتخلصن فيه نهائيًا من النزيف الشهري المزعج وتبعاته. في مقالها بصحيفة «الجارديان» البريطانية تناقش نيكولا دافيس، الكاتبة المتخصصة في العلوم والبيئة والصحة، فكرة إيقاف الدورة الشهرية وآثارها الطبية والاجتماعية.

يمثل إيقاف الدورة الشهرية بالنسبة لبعض النساء نهايةً للألم المدمر أو الأفكار السوداوية. وبالنسبة لأخريات يعني هذا التحرر من الشعور بالقلق الناجم عن الحاجة إلى سدادة قطنية، في حين أنك تركتيها في حقيبة يدك الأخرى.

وسائل منع الحمل
ترى نيكولا أنه ربما تبدو فكرة التخلي عن النزيف الشهري، والسعي للتخلص منه برمته، فكرةً جذريةً، في الوقت الذي تدعو فيه موجةٌ جديدة من الناشطات والكاتبات النسويات إلى تقبل دورتهن الشهرية.

والحل هو موانع الحمل ببساطة، بحسب المقال؛ لأن دورها لا يقتصر على منع الحمل فقط. ورُبِطَ بين انخفاض مبيعات السدادات القطنية مؤخرًا، وبين استخدام النساء لوسائل منع الحمل التي توقف أو تخفف دوراتهن الشهرية. إذ توقفت خُمس النساء اللاتي تستخدمن غرسات منع الحمل (وسائل منع الحمل المزروعة) عن النزف – بمن فيهن نيكولا – فضلًا عن أن تناول حبوب منع الحمل بلا توقف يحقق النتيجة نفسها، وهذه ليست الطرق الوحيدة.

وأثر إيقاف الدورة الشهرية يمكن أن يغير الحياة بالكامل. إذ تستشهد نيكولا بجايمي كيندال، 25 عامًا، من مدينة إكزتر بإنجلترا: «بدأت تناول حبوب منع الحمل الصغيرة (التي تحتوي على البروجستيرون فقط)؛ فقط لكونها قد توقف دورتي الشهرية. حظيت لسنوات بدورات شهرية غزيرة للغاية، تستمر لثماني أسابيع أو أكثر، وتتركني مصابة بفقر دم شديد إلى حد المعاناة من طنين النبض. عدم المرور بالدورة الشهرية بعد الآن هو نعمة».

وليست جايمي الوحيدة، إذ تشاركها في التجربة كاتريونا كلارك، 25 عامًا، التي شعرت بسعادةٍ غامرة حين أدركت أن بإمكانها إيقاف الدورة الشهرية بفضل حبوب منع الحمل، وتقول: «لم تكن دورتي بهذا السوء. بل كانت مزعجةً وغير مريحة فقط، نظرًا لدرجة غلاء منتجات الدورة الشهرية التي تجعل منها إزعاجًا مكلفًا».
وفي رأي نيكولا، يجب الاحتفاء بإزالة الوصمة المتعلقة بمهمةٍ جسدية طبيعية. وتُمثّل المقترحات الداعية لإزالة ضرائب السدادات القطنية، وتوزيع منتجات صحية مجانية، وتعليمٍ أفضل للذكور والإناث، وتطبيق إجازة الحيض، خطوات إيجابية للتأكد من أن الدورات الشهرية لا تعيق النساء.

لكن اعتبار الدورات الشهرية جزءًا أساسيًا من إيقاع الجسد، أو شيء يمكن تحمله، أو حتى الاحتفاء بها كل شهر – مثل مايسي هيل التي كتبت في كتابها «قوة الدورة الشهرية Period Power» عن تقبل النشوة الطبيعية التي تجلبها الدورة – هو وجه واحدٌ للقصة. والوجه الآخر هو الألم، والشعور بالامتلاء، والبشرة السيئة، والتقلبات المزاجية. وتشعر الكثير من النساء أنهن حبيسات دائرة متعبة، ومرهقة، ولا يمكن التنبؤ بها.

وفترة الحيض هي عمليةٌ يذرف خلالها الجسد بطانة الرحم والبويضات غير المخصبة، وتنتج عن تقلب مستويات هرموني الإستروجين والبروجستيرون. وعليه فإن منع الدورة الشهرية لا يسبب «تراكمًا»، فضلًا عن أن الدورة الشهرية ليست ضروريةً لـ«تنظيف الجسد». غير أن الحيض يمكن أن يُفاقم المشكلات الصحية الجسدية أو العقلية التعجيزية، بما في ذلك بطانة الرحم المهاجرة (الانتباذ البطاني الرحمي) والاكتئاب، وربما تكون الدورة الشهرية مقلقةً أو إشكاليةً لمن يعانون من اضطراب الهوية الجندرية.

علامةٌ على الصحة الجيدة
ووفقًا لنيكولا، أظهر مسحٌ حديث أجرته هيئة الصحة العامة بإنجلترا على 7 آلاف و500 امرأة تتراوح أعمارهن بين 16 و64 عامًا، أن نصف النساء في المسح مررن بمشكلات تتعلق بالحيض خلال العام الماضي، وترتفع النسبة إلى 75% بين النساء اللاتي تتراوح أعمارهن بين 16 و24 عامًا.

وقالت الطبيبة جين توماس، استشارية أمراض النساء والولادة بمستشفى جامعة هوميرتون في لندن، إن المرور بالكثير من الدورات الشهرية هو ظاهرةٌ حديثة: ذلك لأن النساء تاريخيًا قضين غالبية وقتهن في الحمل والإرضاع، مما قد يؤجل عودة الدورة الشهرية. وتابعت جين: «هناك قلةٌ من الناس الذين كانوا ينجبون طفلين فقط، وعايشوا الدورة الشهرية لبقية حياتهم». وبهذا فإذا أردن التخلي عن الدورة الشهرية، ترى نيكولا أنه ليس هناك سببٌ طبي يمنعهن.

ورغم أن جين أشارت إلى أن الدورة الشهرية المنتظمة علامةٌ على الصحة الجيدة؛ لكن الطبيبة آن كونولي، مديرة قسم صحة النساء في الكلية الملكية للممارسين العامين ببريطانيا، تقول إنه لا توجد أي فائدةٍ صحية للدورات الشهرية: «لا تحتاج 99% من النساء إلى النزيف» .

وتقول جوديث ستيفنسون، أستاذة الصحة الجنسية والإنجابية بمركز مارغريت بايك في جامعة كلية لندن، الأمر نفسه: «يبدو الأمر في بعض الأحيان غير مُجدِ؛ المرور بهذه الدورات الشهرية هو أمرٌ غير مفيد، وفي الواقع، أحد المميزات العظيمة لعدم المرور بها قد يكون تقليص الإصابة بفقر الدم الناتج عن فقدان الحديد».

وأوضحت نيكولا أن خيار الاستغناء عن الدورات الشهرية متجذرٌ في وسائل منع الحمل الهرمونية، التي تستخدم تركيبات اصطناعية من هرموني الإستروجين والبروجستيرون لعرقلة دورة الحيض. إذ تمنع الحمل، أي أن قرار وقف النزيف لا يتوافق مع محاولة إنجاب طفل، وترافقها أحيانًا آثارٌ أخرى: منها تخفيف النزيف أو وقفه تمامًا. وصُمِّمت العديد من وسائل منع الحمل الجديدة – ومنها زرعات وحقن منع الحمل، واللولب الهرموني، وحبة منع الحمل الصغيرة – لتناولها باستمرار؛ مما يعني أن المستخدمة يمكن أن تمضي شهورًا أو سنوات في أمان بدون نزيف الدورة الشهرية.

ويمكن أن تكون هناك الكثير من الفوائد لإيقاف الدورة الشهرية، بدءًا من توفير المال ووصولًا إلى الحد من المشكلات الصحية، بما فيها متلازمة المبيَض متعدد الكيسات الذي يشمل خطر حدوث إشكالية تراكم الخلايا على بطانة الرحم. ورغم أن الدورة الشهرية الطبيعية المنتظمة تمنع حدوث التراكم، وعليه يمكن أن تكون مفيدة في هذه الحالة، لكن موانع الحمل الهرمونية تفعل الأمر نفسه – حتى لو كانت تسبب إيقاف الدورة – لأنها تبقى جدار الرحم رفيعًا.

هل النزيف ضروري؟
فكرة أن النزيف الشهري ضروري للصحة، سببها في رأي نيكولا هو عقودٌ من النصائح التي قالت إن النساء اللاتي تتناول حبوب منع الحمل المركبة عليها إيقافها لمدة أسبوعٍ كل شهر. ويترتب على ذلك إما إيقاف النزيف، أو حدوث دورةٍ شهرية «مزيفة»، ولهذا السبب يشار غالبًا بالخطأ إلى حبوب منع الحمل المركبة على أنها «تُنظِّم» الدورات الشهرية.

ويزعم البعض أن مخترعي الحبوب هم من افتعلوا ذلك لجعلها مقبولةً للكنيسة الكاثوليكية، بينما يقول آخرون إن السبب الرئيسي هو طمأنة النساء أنهن لسن حوامل ومنحهن راحةً من جرعة الهرمونات العالية.

يقول الخبراء: «إن النساء حاليًا يأخذن استراحةً من الأدوية لسبعة أيام تتبعًا فقط للممارسات السابقة، رغم تغيُّر تركيبة وجرعة حبوب منع الحمل المركبة عبر الزمن. وفي يناير (كانون الثاني)، حين حدَّثت كلية الرعاية الصحية الجنسية والإنجابية إرشاداتها لتوضح أن الانقطاع لسبعة أيام لا فائدة له؛ مما دفع العديد من النساء إلى الشعور بأنهن تعرضن للخديعة حتى ينزفن شهريًا».

وأضافت جين أن الأطباء علموا منذ سنوات بإمكانية تناول حبوب منع الحمل المركبة بدون توقف، لكن العديد من النساء اللاتي تحدثت إليهن قلن إنهن لم يعرفن حتى قرأن التغيير في كُتيب الإرشادات. وكان أثر ذلك عظيمًا على سينزيا دوبوا، 27 عامًا، من إدنبرة. فحين كانت تضطر لوقف تناول الحبوب، كانت تعاني غالبًا طوال الأسبوع السابق للنزيف – والأسبوع اللاحق له – من الشعور بالرغبة في الانتحار، وقالت: «حاولت قتل نفسي أربع مرات، لذا فالأمر ليس بسيطًا. الاضطرار للمرور بذلك كل شهر كان مرهقًا لنفسي ولشريكي». ومنذ توقفت عن أخذ راحةٍ من تناول الحبوب، قالت: «لم أمر بنوبةٍ انتحارية واحدة، واكتشفت أن فترات اكتئابي أقل حدوثًا بكثير، وليست شديدةً كما كانت».

أبحاثٌ محدودة حول الأثر بعيد المدى
وبالنسبة للنساء اللاتي تتناولن حبوب منع الحمل المركبة في إنجلترا، ويزيد عددهن عن ثلاثة ملايين امرأة، جعل إعلان كلية الرعاية الصحية الجنسية والإنجابية من وقف النزيف الشهري أمرًا ممكنًا. لكن الفكرة، أي التخلي عن الدورة الشهرية، لم ترقى للجميع. وقالت هولي جريج سبول، مؤلفة كتاب «تنميق حبوب منع الحمل: أو كيف أدمنا منع الحمل الهرموني Sweetening the Pill: Or How We Got Hooked On Hormonal Birth Control»، إنها تتفهم سبب اختيار بعض النساء أن لا ينزفن، لكن هناك أبحاثٌ محدودة حول الأثر بعيد المدى لأخذ حبوب منع الحمل المركبة باستمرار. وأضافت أيضًا أن إخبار النساء بإمكانية وقف دورتهن الشهرية بدون منحهن كل المعلومات، يمكن أن يرسخ المحظورات المتعلقة بالدورة.

وفسّرت ذلك قائلة: «الأمر ببساطة هو عبارةٌ عن صيغة مبالغةٍ من القول للمرأة: حافظي على هدوئك حيال الدورة الشهرية، أو اخفيها، أو كوني متحفظةً بشأنها، أو لا تتحدثي عنها، أو لا تظهري سدادتك القطنية في طريقك للحمام، لأن شريكك لا يرغب في معرفة أمر دورتك الشهرية».

وأظهرت البعض قلقهن لكون النزيف الشهري علامةً على عدم حدوث حمل. لكن نيكولا استشهدت بالطبيبة جين، التي أوضحت أن الطريقة الوحيدة للتأكد من عدم الحمل هي إجراء اختبار الحمل، وتقول: «يمكنك بالطبع أن تنزفي وتكوني حبلى، لذا فالمرور بالدورة الشهرية أو انسحاب النزيف – نتيجة تناول الحبوب – هو أمرٌ غير مضمون». ويؤكد الخبراء كذلك أن إيقاف الدورة لن يؤثر على الخصوبة في المستقبل، وفسّرت آن ذلك قائلةً: «حين تتوقفي عن أخذ الهرمونات، تخرج من نظامك الحيوي بسرعة شديدة، وستعود دورتك إلى طبيعتها كما كانت قبل تناولك للحبوب».

ولكن يسهل إيقاف النزيف بشكلٍ مؤكد عند استخدام بعض موانع الحمل، أكثر من غيرها. إذ يمكن أن تحقق غالبية النساء النتيجة المرجوة حين تتناولن الوسائل المحتوية على تركيباتٍ صناعية من هرموني الإستروجين والبروجستيرون، لكن تقل احتمالية تحقيق تلك النتيجة بالطرق التي تتضمن تركيبة هرمون البروجستيرون فقط. ويختلف النزيف تبعًا للوسيلة المستخدمة، إذ ربما تتعرض بعض النساء للنزيف بشكل منتظم، أو غير منتظم، أو لمدة طويلة، وإن كان نزيفًا خفيفًا عادةً. إذ لا تنزف 20% من النساء اللاتي تستخدمن غرسات منع الحمل، مقارنةً بنسبة 68% ممن يأخذن الحقن على مدار عامين من الاستخدام.

خلافٌ طبي حول إيقاف الدورة الشهرية
ربما تفضل بعض النساء عدم استخدام موانع الحمل الهرمونية لأنها تجلب آثارًا جانبية غير مرغوبٍ فيها، مثل تقلبات الوزن والمزاج. كذلك قد تزيد بعض الوسائل خطر الإصابة بأنواع معينة من السرطان، بما فيها سرطان الثدي – رغم أنها تقلل خطر الإصابة بسرطانات أخرى مثل سرطان الرحم – لكن الاختلاف لا يشملهن وحدهن.

وتختلف الطبيبات أيضًا في رأيهن، إذ توافق جين على أن هناك حاجة لأبحاثٍ أكثر عن الآثار بعيدة المدى لتناول وسائل منع الحمل الهرمونية. غير أنها أكدت هي وخبراءٌ آخرين على ضرورة وجود وعيٍ أكبر بوجود فوائدٍ لوسائل منع الحمل، بخلاف منع الحمل فقط، بدءًا من إعاقة ظهور البثور، وحتى تقليل أعراض ما قبل الحيض.

أما جوديث، فترى أن اختيار المرور بالدورة الشهرية يُناقش بشكل طبيعي في الاستشارة حول خيارات منع الحمل، لكن يجب الكلام عنه بشكل أوسع، وأوضحت: «إنها مناقشةٌ معقولة في حد ذاتها». وشاركت جوديث سابقًا هذا العام في إطلاق موقع «كونتراسيبشن تشويسز» (خيارات منع الحمل)، وهو موقعٌ يُرشّح خيارات منع الحمل المتعددة للنساء بناءً على اهتماماتهن، ويشمل ذلك ما إذا كن يرغبن في المرور بالدورات الشهرية.

وقد ترغب بعض النساء في تطبيق الخيار، وربما ترفضه بعضهن، ولكل منهن أسبابها. لكن المهم في رأي نيكولا هو إتاحة حق الاختيار لكل النساء. وتوافقها في ذلك صوفي، 24 عامًا، من غلاسكو، فهي لم تعد تنزف بعد الآن بفضل غرسات منع الحمل، وقالت إن ذلك صنع فارقًا عظيمًا في صحتها العقلية، وأضافت أنها لا يمكن أن تكون أسعد مما هي عليه: «لمجرد أن شيء طبيعيًا يحدث؛ فلا أظن أن هذا يعني بأي طريقة أن علينا أن نُعايشه. إذ تتناسب الأمور المختلفة مع أشخاصٍ مختلفين، وهذا رائع».

اترك رد