السلاح في أمريكا.. جرائم باسم الدستور

ألبير أديب – الخليج أونلاين
في حادثة باتت اعتيادية بالولايات المتحدة، ارتكب شاب من أنصار المؤمنين بنظرية تطوُّر العِرق الأبيض، مذبحة في ولاية تكساس الأمريكية راح ضحيتها العشرات بدافع الرد على هجرة اللاتينيين إلى بلاده.

هذه الجريمة العنصرية تبعتها بساعات من يوم الأحد (4 أغسطس 2019)، حادثة إطلاق نار في ولاية أوهايو؛ وهو ما أدى إلى سقوط 10 قتلى وعدة جرحى.

هذان الهجومان سلَّطا الضوء على قضية بيع السلاح داخل الولايات المتحدة، فبحسب إحصائيات الجمعية الوطنية الأمريكية للسلاح، يوجد نحو أكثر من 300 مليون قطعة سلاح مرخصة من قِبل السلطات، أي بمعدل قطعة سلاح لكل مواطن أمريكي.

أمر صادم
شراء السلاح بأمريكا بسيط كشراء الماء، إذا لا يلزم لشرائه سوى إبراز بطاقة الهوية الوطنية ليقوم البائع بتسجيل بيانات المشتري ورقم السلاح المشترى.

والسبب في انتشار هذا الكم الرهيب من الأسلحة داخل الولايات المتحدة هو التعديل الثاني في الدستور الأمريكي، والذي ينص على حق حمل السلاح لجميع مواطني الولايات المتحدة بغرض الدفاع عن النفس، حيث تقول المادة: “وجود مليشيا حسنة التنظيم ضروري لأمن أية ولاية حرة، لذا لا يجوز التعرض لحق الناس في اقتناء أسلحة وحملها”.

هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” رصدت عدداً من الأرقام المرعبة حول امتلاك الأسلحة بالولايات المتحدة، ومنها أنه تم ارتكاب 14249 جريمة قتل في الولايات المتحدة خلال عام 2014، من بينها 9675 بواسطة الأسلحة النارية، أي 68% من هذه الجرائم.

وكذلك سجّل وقوع 5.9 ملايين جريمة عنف في الولايات المتحدة خلال 2014، منها نحو 600 ألف جريمة، كان الجناة يحملون أسلحة بشكل ظاهر عند ارتكابها، أي نحو 10% من نسبة الجرائم.
ومن بين الأرقام المرعبة أن 56% من جرائم الاعتداء، و30% من السرقات، و39% من جرائم الاغتصاب، و65% من جرائم القتل التي تم إبلاغ الشرطة عنها عام 2014، ارتكبها أشخاص معروفون لدى السلطات القضائية الأمريكية، وأن 31% من الأسر الأمريكية كان لديها سلاح في المنزل عام 2014، وهي أدنى نسبة منذ 40 عاماً.

وكشف الموقع أن الولايات المتحدة أنتجت 5.5 ملايين قطعة سلاح فردي، وبِيعت 95% منها في السوق الأمريكية.

وقال إن 20% من مالكي السلاح في الولايات المتحدة يملكون 65% من الأسلحة الفردية لدى الأفراد في الولايات المتحدة.

اختلاف في القوانين
قوانين حمل السلاح في الولايات المتحدة تختلف بحسب الولاية، فمنها التي تجرّم عدم وضع السلاح في محفظة أو صندوق مغلق داخل المنزل، ومنها ما يضع حدّاً للطلقات التي بإمكان حامل السلاح المرخص حملها، وقوانين أخرى حول تفاصيل الأسلحة التي يمكن شراؤها من متاجر السلاح المعتمدة في الولاية.

وحدها ولاية فلوريدا شرّعت قوانين تضبط حمل السلاح، بعد أن هاجم مراهقٌ مَدرسته وقتل 17 وجرح 14 من طلاب وموظفي المدرسة في مارس 2018.

إذ ضرب حاكم الولاية ريك سكوت بخطوته عرض الحائط اعتراض الجمعية الوطنية للأسلحة النارية واسعة النفوذ، التي كان لها دور في إجهاض قوانين تحد من انتشار السلاح على مستوى الولايات المتحدة، وأقر قانوناً يحد من جرائم فوضى انتشار السلاح يتضمن رفع قانون السن الأدنى لشراء أي نوع من الأسلحة من 18 إلى 21 عاماً، ومنع الأجهزة التي تحول سلاحاً شبه أوتوماتيكي إلى سلاح أوتوماتيكي.
كما يتضمن القرار إنشاء برنامج تطوعي تحت اسم “حراس” يتم بموجه تسليح المعلمين، وتدريبهم على استخدام السلاح للدفاع عن الطلاب في حال تعرض المدرسة لهجوم بسلاح ناري.

الإجراءات التي أقرتها فلوريدا وإن خففت من حالة الاحتقان التي تبعت مجزرة فلوريدا، إلا أنها لم تحسم الجدل على مستوى الولايات المتحدة بشأن أحقية الأفراد في امتلاك السلاح الفردي الذي يقره الدستور الأمريكي.

ومع كل حادثة قتل جماعي يثار الجدل بشأن الحاجة لوضع قوانين تنظم امتلاك السلاح، خاصة أن نحو نصف عدد الأسلحة النارية حول العالم موجود بحوزة المدنيين.

انقسام وشراء ذمم
وتنقسم الولايات المتحدة بين معسكرين أحدهما يطالب بالحد من انتشار السلاح الفردي، ومعسكر آخر يرى الحل في تسليح مزيد من الناس للدفاع عن أنفسهم.

ففي الوقت الذي يرى فيه الديمقراطيون قصر الحق بضرورة إعادة النظر في “الحق المطلق للفرد حيازة السلاح” بسبب المستجدات التي طرأت على المجتمع الأمريكي واستخدام هذا الحق في جرائم متكررة، يرى الجمهوريون أن امتلاك السلاح من الحقوق التي نص عليها الدستور، ويعتبرون أن السلاح هوية أمريكية يدعمها الدستور، ويعرفون بأصحاب التفسير الفردى، ويرفضون أي قوانين يمكن أن تحجم امتلاك السلاح، ويصوت الجمهوريون ضد أي قانون يتقدم به الديمقراطيون.

وفي العام 2009 أعلن الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، أنه سيعمل على إيجاد قوانين تحد من حمل السلاح، لكن الكونغرس رفض مشروعه في العام 2013. وهو ما أثار غضب أوباما الذي وصف تصرف الكونغرس بـ”المخجل”.

والسر في تحرك الكونغرس هو أن لوبيات الأسلحة منحت أموالاً لأعضاء في الكونغرس الأمريكي لرفض تعديل قانون حيازة السلاح الذي تقدم به أوباما، حيث كشفت تقارير صحفية الغارديان بالتعاون مع مؤسسة “صن لايت فاوندايشن”، وهي هيئة غير حكومية تراقب الشفافية في الإدارة الأمريكية، أن غالبية نواب مجلس الشيوخ الذين رفضوا تعديلات القانون تلقوا تبرعات من لوبيات الأسلحة.

استبشر لوبي السلاح بوصول دونالد ترامب إلى الحكم وانتظر مزيداً من القوانين التي تسهل تجارة الأسلحة، خاصة بعد أن دافع عن حق الأمريكيين في حيازة الأسلحة.

وأيد ترامب في مايو 2018 في كلمة أمام الرابطة الوطنية الأمريكية للسلاح، عدم تشديد قوانين الأسلحة في البلاد على الرغم من إشارته، عقب حادث إطلاق الرصاص في مدرسة بفلوريدا، إلى أنه سيتصدى للجماعات المدافعة عن الحق في حمل السلاح والتي تتمتع بنفوذ كبير.

ويطالب ترامب المواطنين باقتناء الأسلحة للدفاع عن أنفسهم في حال تعرضوا لأي هجوم ناري، بما في ذلك تسليح المعلمين في المدارس، وهو الأمر الذي أثار استهجاناً واسعاً.

One thought on “السلاح في أمريكا.. جرائم باسم الدستور

اترك رد