العراق: عندما تصاب الدولة بالشيزوفرينيا … يحيى الكبيسي

لم يكن أحد يتخيل أن تتحول مناسبة كان ينتظرها الجميع على مدى سنوات، إلى موضع للسجال والمزايدات الدينية والسياسية والأخلاقية، كما حصل حول افتتاح بطولة غرب آسيا لكرة القدم، التي تجري وقائعها هذه الأيام في مدينتي كربلاء وأربيل.
بعد سنوات من القطيعة مع البطولات الدولية بكرة القدم، وسنوات من حظر الفيفا للعب في العراق بسبب المخاطر الأمنية، يستضيف العراق هذه الأيام بطولة غرب أسيا التاسعة لكرة القدم، التي يشارك فيها أكثر من
تسعة منتخبات. ولكن حفل الافتتاح البسيط، والجميل في الوقت نفسه، الذي جرى في مدينة كربلاء، والذي تضمن رقصا إيقاعيا أدته بعض الراقصات، وقيام عازفة كمان بعزف السلام الجمهوري العراقي في أرضية الملعب، تفاعل معه الجمهور الكبير في الملعب إلى حد البكاء، حول المناسبة إلى مناقشة عبثية حول المقدس والمدنس في عراق ما بعد 2003!
كان يمكن أن يكون الأمر مفهوما لو اقتصر الأمر على بعض الفاعلين السياسيين/ الدينيين، اللذين اختلطا في العراق إلى حد التماهي، والذين يريدون تحويل العراق إلى «دولة إسلامية» وفق معاييرهم التي لا تختلف عن معايير تنظيم الدولة/ داعش عقائديا! ولكن الأمر تجاوز حده ليتحول إلى شيزوفرينيا علنية داخل الدولة العراقية المفترضة نفسها.
كان مفهوما أن يصدر السيد نوري المالكي، الأمين العام لحزب الدعوة الإسلامية، والرئيس الأسبق لمجلس الوزراء لدورتين متتاليتين، بيانا يستنكر فيه ويدين ما حصل، ويعد الحفل «الموسيقي الراقص» ـ كما أسماه ـ تجاوزا على حرمة المدينة وهتكا لقدسيتها! ويطالب فيه بفتح «تحقيق عاجل لمحاسبة المقصرين ومن يقف خلف هذا التجاوز الصريح على حرمة المدينة المقدسة»! وهو الذي لم يكلف نفسه تشكيل هكذا لجنة لمحاسبة من تسبب بسقوط أكثر من ثلث مساحة العراق بيد تنظيم الدولة/ داعش. فهذه المناسبات في العادة، فرصة مثالية لتذكير الجمهور بأن للمذهب سياسيا يحميه، وفرصة مثالية لتحويل أنظار الجمهور باتجاه العبث المحض بعيدا عن المشكلات الجوهرية!
لكن ان تصدر جهات رسمية، بعضها كان شريكا في حفل الافتتاح نفسه، بيانات استنكار وإدانة، فهذا ما لا يمكن فهمه إلا في إطار الشيزوفرينيا العراقية. فقد أصدر محافظ كربلاء بيانا تحفظ فيه على الرقص الايقاعي، وعزف سيدة للسلام الجمهوري على أرضية الملعب في حفل الافتتاح لأنه يمس «بقدسية والطابع العام لمدينة كربلاء المقدسة»! وأعلن فيه أن الحكومة المحلية «لن تسمح بإقامة أي برنامج لأية جهة إلا بالتنسيق مع الحكومة المحلية لتجنب حصول هكذا أخطاء».
فيما أصدر الوقف الشيعي، وهو هيئة مستقلة ترتبط بمجلس الوزراء بموجب الدستور، بيانا عما أسماه «الانتهاك الصارخ لقدسية كربلاء المقدسة»، عد فيه الرقص الايقاعي وعزف سيدة للسلام الجمهوري على الكمان «فعلا شنيعا تجاوز حدود الشرعية وتعدى الضوابط الأخلاقية»! داعيا «المواكب الحسينية وعموم المؤمنين» إلى الوقوف بشجاعة «أمام هذه الهجمة غير الأخلاقية على مقدسات الإسلام» بالتعاون مع الحكومة المحلية! أي أن الهيئة المستقلة التي تمثل الدولة العراقية تحرض الجمهور العقائدي للوقوف بوجه وزارة الشباب والرياضة، التي تمثل الدولة نفسها، والاتحاد المركزي لكرة القدم، الذي يمول من الدولة نفسها، لقيامهما بإعداد برنامج الافتتاح الذي مثل «هجمة لا أخلاقية على مقدسات الإسلام»!
لم يكن قبول أحزاب الإسلام السياسي، التي حكمت العراق بعد نيسان 2003، بالديمقراطية عموما، وبمقولات الحقوق والحريات بوجه خاص، نتاجا لتحول فكري، او نتاجا لقناعة حقيقية، بل كان نتيجة مباشرة للشرط الأمريكي للمشاركة في السلطة. فمعظم هذه الأحزاب كانت ترى في الديمقراطية «كفرا وإلحادا»، سواء بشكل علني، او بشكل مضمر. وكانت ترى في مقولة الخصوصية مصدا عقائديا ضروريا ضد عالمية وعمومية المقولات المتعلقة بالحقوق والحريات العامة. ومراجعة أدبيات هذه الأحزاب تكشف عن هذه الحقيقية بشكل لا تأويل معه. وقد عمدت هذه الأحزاب، في سياق التواطؤ الأمريكي الصريح، وفي ظل انتهازية الأحزاب غير الإسلامية الشريكة لها، إلى فرض الرؤية العقائدية للإسلام السياسي على الدولة ككل، من دون أية مقاومة حقيقية، باستثناء بعض الفعاليات المدنية التي لم تكن لديها القدرة على تغيير هذا المسار. فباستثناء حادثة وحيدة، تتعلق بقرار يوقف العمل بقانون الأحوال الشخصية، في زمن مجلس الحكم الذي أنشأه الأمريكيون، عمد رئيس سلطة الائتلاف المؤقتة بول بريمر إلى التدخل لإلغائه، لم نشهد واقعة أخرى لم ينجح فيها الإسلام السياسي في العراق من فرض رؤيته العقائدية بصورة منهجية.
ليس مهما هنا النقاش حول حدود القداسة المفترضة لمدينة كربلاء، هل هي تشمل المرقدين فقط، ام تشمل المدينة كلها، ام تشمل المحافظة كلها؟ لأنه تم من قبل منع فعاليات رقص وموسيقى في مدينة بابل التاريخية، التي لا مراقد فيها، ولا قداسة حقيقية او مفترضة فيها. وليس مهما النقاش حول معنى المقدس والمدنس، وهل يتعلق بالرقص والموسيقى عموما، ام بدور المرأة فيهما (وصف البعض، ومنهم أعضاء مجلس نواب، المرأة بانها «شبه عارية» خلافا للحقيقة تماما)! وليس مهما هنا مناقشة الحجج التي يقدمها الرافضون والمدافعون لما جرى في حفل الافتتاح، لان كلا منهم ينطلق من قناعاته وتحيزاته الشخصية، وبالتالي هي آراء شخصية لا بد من احترامها، ما دامت ضمن حدود الرأي.
المهم هنا هو مناقشة السياق السياسي الذي يريد تحويل القناعات الفكرية لجماعة محددة، إلى محددات دينية وأخلاقية وثقافية واجتماعية يجب فرضها قسريا على الجميع، وتواطؤ الدولة، الصريح أو الضمني، مع ذلك. وصولا إلى حد تحريض الدولة نفسها على نفسها لضمان ذلك! فهذا السياق الذي بدأ مع لحظة قرار وقف العمل بقانون الأحوال الشخصية الملغي بقرار أمريكي، وتكرس مع الدستور نفسه، ولن ينتهي مع سلطة الفقيه في المحكمة الاتحادية العليا بكل تأكيد، لن يتوقف من دون مواجهة حقيقية، يتخلى فيها المجتمع الدولي، ومؤسساته، عن تواطئهم المعلن فيما يتعلق بمسألة الحقوق والحريات في العراق.

كاتب عراقي

اترك رد