دمار نفسي وذكريات دموية.. “داعش” ينهب طفولة العراق

لم تخلّف سنوات الأسر لدى إرهابيي تنظيم “داعش” في أذهان الأطفال العراقيين سوى خليط من ذكريات دموية، ونفسية محطمة، ومستقبل لا تقدر أيديهم المرتعشة على بنائه.

وبعيداً عن عمليات “غسل الأدمغة” المنظمة التي انتهجها “داعش” ضد البراعم، وإجبارهم على حمل السلاح والقتل، فإن مجتمعاتهم المتفرقة في البلد الواحد لم تعد كما كانت سابقاً، ما يُلزِم الأطفال بالتعافي من آثار الأسر، وتحقيق الاندماج المجتمعي مجدداً.

وأُنقِذ عشرات الأطفال الإيزيديين والتركمان، خلال الأشهر الأخيرة، مع انهيار التنظيم الإرهابي في سوريا والعراق، وجُمِع كثير منهم مع عائلاتهم، لكن تعافيهم ذهنياً يتم ببطء، بسبب طول فترة النزوح وافتقار الموارد، ومحيط ساده التطرّف والخوف والمعاناة.

في هذا السياق، حاولت لمى، صاحبة الـ10 سنوات، الانتحار مراراً، مهددةً بطعن نفسها أو القفز من سطح مبنى مرتفع، بعد مرور أشهر قليلة على عودتها إلى العراق.

وقالت والدتها نسرين (34 عاماً) لوكالة “فرانس برس”: “أخشى ألا تكون أبداً كالأطفال الإيزيديين الآخرين، حيث أمضَت لمى نصف حياتها أسيرة لدى تنظيم داعش الإرهابي”.

وخلال زيارة “فرانس برس” لخيمتها في مخيم “خانكي” بدت الطفلة منهمكة في لعبة إطلاق النار على هاتف ذكي مع ابنيْ عمها فادي وكرم، اللذين تحرّرا من الإرهابيين في الوقت ذاته تقريباً.

ترتدي لمى ملابس سوداء، كما أبقت على شعرها قصيراً، ويتحدث ثلاثتهم باللغة العربية مع بعضهم، لكنهم ينتقلون إلى الكردية عند مخاطبة نسرين.

اختطاف 1324 صغيراً
أفادت ليلى علي، من منظمة الطفولة التابعة للأمم المتحدة “يونيسف”: “كل جيل في العراق تقريباً طاله نزاع ما، الأمر الذي يمثل تحدياً غير مسبوق”.

ولا تعرف “يونيسف” بالضبط عدد الأطفال الذين جُنِّدوا والعائدين منهم، أو أماكن إقاماتهم، إذ تشير تقديرات المنظمة إلى اختطاف 1324 صغيراً على أيدي عناصر مسلحة بين يناير/كانون الثاني 2014 وديسمبر/كانون الأول 2017، حين أعلن العراق “النصر” على تنظيم “داعش” الإرهابي، لكنها تتوقع أن يكون العدد الحقيقي أعلى من ذلك.

ومن بين الذين أُطلِق سراحهم خلال السنوات الأخيرة يعيش العشرات في دور أيتام أو ملاجئ ببغداد والموصل معقل الإرهابيين سابقاً، ومنطقتيْ شيخان وسنجار، معقل الإيزيديين شمالي العراق.

وهناك آخرون متهمون بالانتماء إلى التنظيم قيد الاحتجاز، يحصل بعضهم على دعم نفسي في شاكلة إعادة تثقيف ديني، لكنّ الغالبية العظمى تنشأ بلا متابعة ولا علاج في مخيمات العراق التي تستضيف 800 ألف طفل.

وقالت الطبيبة النسائية الإيزيدية نغم حسن، التي أصبحت إخصائية علاج غير رسمية للناجين، بسبب نقص الموارد: “لا يوجد إخصائيون نفسيون في دهوك”، مضيفة أن نحو 12 مجموعة تنفّذ برامج نفسية اجتماعية عامة في المخيمات دون نتائج تُذكَر.

وطالب رجل الدين الإيزيدي بابا شاويش الوكالات الدولية بتعزيز الخدمات، موضحاً: “تلك المنظمات تزعم أنها تقدّم الدعم الذهني، لكن هل تعتقدون حقاً أن شخصاً أمضى 5 سنوات تحت حكم داعش سيُعالَج في غضون 5 دقائق؟”.

إعادة التثقيف الديني
سيحتاج المجنّدون قسرياً إلى علاجات خاصة حسب أعمارهم، وفق ما أكدته ميا بلوم، الأكاديمية الأمريكية التي تدرس قضية الجنود الأطفال.

وذكرت لـ”فرانس برس” أن الأطفال المختطفين قد يعاد تأهيلهم بسهولة، لأن لديهم ذكريات أقل عن الحياة في ظل تنظيم “داعش” الإرهابي، لا سيما من أُخِذ في سن المراهقة “فلديهم ذكريات ما قبل الصراع، ويمكنهم العودة إلى طفولتهم السعيدة”.

وتابعت: “لكنّ أولئك الذين تم تجنيدهم خلال سنوات التكوين، على غرار لمى وفادي، علّمهم الإرهابيون نبذ الأقليات، وربما يفتقرون إلى ذكريات إيجابية عن مسقط رأسهم، وهم في حاجة إلى إعادة تلقين لهويتهم الدينية”.

ولمواجهة ذلك، تعقد “يونيسف” ورش عمل مع الزعماء الدينيين والعشائريين، بغية التأكيد على أن الأطفال هم أولاً وقبل كل شيء، ضحايا “داعش”.

اترك رد