عالم ما بعد القنبلة.. هكذا سيتغير الشرق الأوسط إذا امتلكت إيران سلاحًا نوويًّا

حتى الهجوم العسكري الأمريكي أو الإسرائيلي المباشر على المنشآت النووية الإيرانية لم يعد بمقدوره منع طهران من تطوير السلاح النووي، وكل ما يمكنه فعله هو تأخير تقدمها، حسبما أكدت «مؤسسة راند» في دراسةٍ أعدها علي رضا نادر بتاريخ 17 مايو (أيار) 2013.

بناء على هذا الترجيح، طرحت الدراسة أربعة أسئلةٍ استشرافية: كيف سيؤثر السلاح النووي في مصالح إيران واستراتيجياتها الأساسية؟ وما هي العوامل التي يحتمل أن تؤثر في حسابات إيران المسلحة نوويًّا؟ وما مدى احتمال استخدام إيران السلاح النووي ضد دول مجلس التعاون الخليجي أو إسرائيل؟ وكيف سيكون شكل التعاون بين إيران المسلحة نوويًّا، والمجموعات المسلحة المتحالفة معها، أو التابعة لها؟

يُعتَبَر تقرير «راند» إحدى أبرز الدراسات الرصينة التي حاولت الإجابة عن هذه الأسئلة الاستشرافية، لكن هناك أيضًا أطروحات قدمتها جهات يهودية أبرزها «رابطة مكافحة التشهير اليهودية» و«مشروع المكتبة الافتراضية اليهودية»، وناقشها «المؤتمر السنوي لدراسات الأمن القومي» في تل أبيب مطلع عام 2016، الذي حظي بتغطية مطولة من رافائيل أرين في صحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، ورؤى جريئة أفصح عنها خبراء متخصصون في مجال الردع والانتشار النووي، مثل الخبير الفرنسي فرانسوا هيسبورج، إلى جانب تحليلات مفيدة قدمها بروس ريدل عبر «بروكنجز»، وديبورا ماكنزي في مجلة «نيوساينتست».

زلزال استراتيجي سيعصف بالشرق الأوسط
تسعى الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى تقويض ما تعتبره النظام الذي يهيمن عليه الأمريكيون في الشرق الأوسط، وردع أي هجوم عسكري أمريكي و/ أو إسرائيلي، لكن ليس لديها طموحات إقليمية، ولا تسعى إلى اجتياح، أو غزو، أو احتلال دول أخرى. يستبعد تقرير «راند» أن يغير السلاح النووي مصالح إيران واستراتيجياتها الأساسية، في حين ستعزز القوة الجديدة أهداف الأمن القومي الإيراني التقليدية، خاصة المتعلقة بردع أي هجوم عسكري أمريكي، أو إسرائيلي، وتعزيز الجماعات الموالية لإيران في المنطقة.

قد تشعر إيران بمزيد من الثقة، وتكتسب شعورًا بالهيبة نتيجة قدرتها النووية الممتلكة حديثًا، لكن عوامل أخرى، مثل البيئة الجيوسياسية الإقليمية، وقدرات إيران السياسية والعسكرية والاقتصادية، سيكون لها تأثير أكبر في الحسابات الإيرانية.

بيد أن «رابطة مكافحة التشهير» اليهودية تحذر من أن امتلاك إيران السلاح النووي سيشجعها على انتهاج سياسة خارجية أكثر عدوانية؛ مما سيؤدي إلى مواجهات أكبر مع المجتمع الدولي. وإيران لديها بالفعل أسلحة تقليدية لضرب القوات الأمريكية والقوات المتحالفة معها المتمركزة في الشرق الأوسط وأجزاء من أوروبا، وإذا امتلكت طهران أسلحة نووية، فإن هذا التهديد سيزداد ازديادًا كبيرًا.

في المجمل، سيؤدي حصول إيران على السلاح النووي إلى مزيد من عدم الاستقرار في الشرق الأوسط. لكن أحد السيناريوهات الخطيرة، التي يمكن أن تترتب عليها تداعيات واسعة، هو وقوع هجوم نووي متبادل غير مقصود بين إسرائيل، وإيران.

بصرف النظر عن مدى القوة التي ستتصرف بها إيران، فإن امتلاكها السلاح النووي يمكن أن يؤدي إلى تأثير تتابعي مدمر، إذا شجعت المنافسين الإقليميين الآخرين على التحرك في ذات الاتجاه، خاصة السعودية ومصر وتركيا، مع تفاوت القدرات والحوافز لكل منها. وإذا نجحت إيران في الحصول على قنبلة، يرجح أن ترى الدول العربية ضرورة للحصول على أسلحة نووية لردع الإيرانيين.

هذا ما حذر منه الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما حين قال: «لن يكون من المقبول بالنسبة لعدد من الدول في تلك المنطقة أن تمتلك إيران السلاح النووي؛ بينما ليس لديها سلاح نووي. إن مخاطر حصول إيران على السلاح النووي، وما قد يؤدي إليه من حصول الجميع في الشرق الأوسط عليها، أمر أعتقد أنه سيكون خطيرًا جدًا على العالم».

منذ عام 2006، أعلنت 13 دولة عربية على الأقل عن خطط جديدة لاستكشاف الطاقة الذرية، أو إحياء البرامج النووية الموجودة مسبقًا (بما في ذلك المملكة العربية السعودية ومصر والأردن والمغرب وتركيا وسوريا) ردًّا على البرنامج النووي الإيراني. وسعت العديد من دول الشرق الأوسط إلى تعزيز تعاونها النووي مع دول أخرى، مثل الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا. وأعلنت الكويت والبحرين وليبيا والجزائر والمغرب والأردن عن خطط لبناء محطات نووية. حتى اليمن، واحدة من أفقر الدول في العالم العربي، أعلنت سابقًا عن خطط لشراء مفاعل نووي.

وفي حين تؤكد تصريحات الدول العربية المعلنة أنها مهتمة فقط بالاستخدامات السلمية للتكنولوجيا النووية، لكن قد يتبع البعض النموذج الإيراني، ويعمل على صنع قنبلة. وقد قال الدبلوماسي الأمريكي السابق دينيس روس يومًا إن العاهل السعودي عبد الله بن عبد العزيز قال له: «إذا حصلوا على أسلحة نووية، فسوف نحصل على أسلحة نووية»، حسبما نقلت صحيفة «هآرتس»، في 30 مايو 2012.

هذا عين ما أكده سابقًا مسؤول مقرب من الأمير السعودي تركي الفيصل، حين قال في يونيو (حزيران) 2011: «إذا طورت إيران السلاح النووي لن يكون مقبولًا بالنسبة لنا، وسيتعين علينا أن نحذو الحذو ذاته»، حسبما نقلت صحيفة «الجارديان».

إسرائيل والخليج أبرز المتضررين من نووي إيران
سيؤدي امتلاك إيران القنبلة النووية إلى مزيد من التوتر بين الدولة الشيعية، والممالك السنية المحافظة، لكن يستبعد تقرير «راند» أن تستخدم إيران الأسلحة النووية ضد الدول الإسلامية الأخرى، خاصة المملكة العربية السعودية، موطن الحرمين الشريفين. علاوة على ذلك، ستظل قدرة إيران على تقويض دول مجلس التعاون الخليجي محدودة للغاية؛ خاصة بالنظر إلى تضاؤل نفوذها الإقليمي نتيجة دعمها الحكومة السورية. وسيظل نفوذها في أوساط السكان الشيعة في منطقة الخليج محدودة، ولن تمكنها الأسلحة النووية من إعادة تشكيل النظام الجغرافي السياسي في الشرق الأوسط.

صحيحٌ أن الأسلحة النووية قد توفر لإيران عامل الردع الكامل، لكن من غير المحتمل أن تكون هذه الأسلحة مفيدة في الهيمنة على دول مجلس التعاون الخليجي، خاصة بالنظر إلى تدهور الاقتصاد الإيراني. بالإضافة إلى ذلك، تحتفظ إيران بعلاقات اقتصادية مهمة مع الولايات المتحدة وبعض دول مجلس التعاون الخليجي. ومن المرجح أن يعرض السلوك العدواني تجاه دول الخليج مصالح إيران الخاصة للخطر.

حتى المحاولات الإيرانية لإعاقة الشحن في الخليج، أو إغلاق مضيق هرمز قد تؤدي إلى نتائج عكسية؛ إذ تعتمد إيران بشدة على حرية الملاحة في الخليج. وأي عمل يتعارض مع ذلك يمكن أن يضر إيران أكثر من الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي. لكن تقرير «راند» يحذر في الوقت ذاته من أن إيران قد تلجأ إلى العمل العسكري في الخليج إذا وجدت أن مصالحها الأساسية، لا سيما بقاء الجمهورية الإسلامية، تحت خطر مطبق.

تنظر الجمهورية الإسلامية إلى إسرائيل من منظور أيديولوجي، ومع ذلك يستبعد الباحث علي رضا نادر للغاية أن تستخدم إيران الأسلحة النووية ضد إسرائيل؛ بالنظر إلى التفوق العسكري الساحق الذي تتمتع به دولة الاحتلال، ناهيك عن قدراتها النووية. بالطبع يريد الإيرانيون تدمير إسرائيل، لكنهم لا يفتقرون إلى العقلانية في الطريقة التي يفعلون بها هذا، وعلى حد قول رافائيل أرين في صحيفة «تايمز أوف إسرائيل»: «إنها ليست مشاجرة».

هذا هو السبب وراء رفض فرانسوا هيسبورج، الخبير الفرنسي في مجال الردع والانتشار النووي، الحجة القائلة بأن آيات الله الذين يسيطرون على إيران متعصبون دينيون، ولا يمكن الاعتماد عليهم في التصرف بعقلانية. وبينما لا يمكن الشك في كراهيتهم للدولة اليهودية، ولا إغفال جهودهم لإلحاق الأذى بها في أي فرصة، إلا أنهم لم يهرعوا إلى خطوات غير منطقية ضد إسرائيل منذ الصعود إلى السلطة في عام 1979.

صحيح أن احتكار إسرائيل المستمر منذ أربعة عقود لامتلاك القدرة النووية في الشرق الأوسط سينتهي عندما تحصل إيران على القنبلة. ومع ذلك، لن يتغير ميزان القوى العسكري في المنطقة -حسبما كتب بروس ريدل في «بروكنجز»– لأن إسرائيل ستستمر في التفوق العسكري على جميع أعدائها، بدعم من القوة العظمى الوحيدة في العالم، الولايات المتحدة.

هل تنقل إيران التكنولوجيا النووية إلى حلفائها؟
رغم الصبغة الدينية التي تهيمن على الخطاب الإيراني، إلا أن الحكومة الإيرانية لا تستخدم العنف المسلح لأسباب أيديولوجية، ولا تدعم الحركات المسلحة بدافع عاطفي، بل بحسابات التكلفة والفوائد؛ بهدف الحفاظ على الردع في مواجهة التهديدات الأمريكية والإسرائيلية، وترسيخ نفوذها في الشرق الأوسط أو توسيعه. ويستبعد تقرير «راند» أن تبسط إيران المسلحة نوويًّا مظلة ردعها النووي لتشمل مجموعات مسلحة خارجية مثل حزب الله أو حماس؛ ذلك أن وكلاء إيران أو حلفاءها في الخارج لديهم مصالح متباينة عن مصالح طهران، خاصة الجماعات العربية السنية مثل حماس.

الأبعد من ذلك، لا توجد الكثير من الأدلة التي تشير إلى إمكانية وصول العناصر المارقة بسهولة إلى الأسلحة النووية الإيرانية، حتى لو انهارت الجمهورية الإسلامية. لكن رغم استبعاد أن تزود طهران الجماعات غير الإيرانية خارج الجمهورية الإسلامية بالأسلحة أو التكنولوجيا النووية، فإن هذه المجموعات المسلحة ستصبح أكثر ثقة في مواجهة إسرائيل إذا علمت أن داعمها الإيراني بات يمتلك أسلحة نووية.

يستشهد موقع «المكتبة الافتراضية اليهودية» على مخاطر أوسع بتصريح الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) 2005: «إيران مستعدة لنقل المعرفة النووية إلى الدول الإسلامية إذا احتاجت إليها». وكرر المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي، التهديد بالانتشار بعد عدة أشهر عندما أخبر الرئيس السوداني أن «القدرة النووية الإيرانية هي مثال على قدرات بلادنا العلمية المتنوعة، جمهورية إيران الإسلامية مستعدة لنقل تجربة علمائها ومعرفتهم التكنولوجية».

وأشار الرئيس السابق بيل كلينتون إلى أنه «كلما زاد عدد الأسلحة التي تمتلكها، زادت المواد الانشطارية التي بحوزتك، وزاد تعرضها للسرقة أو البيع أو مجرد نقلها إلى إرهابيين، حتى لو لم توافق الحكومة (الإيرانية) على ذلك مباشرة»، حسبما ورد في برنامج بيرس مورغان، يوم 25 سبتمبر 2012.

لكن.. هل تسعى إيران إلى امتلاك السلاح النووي حقًّا؟
لكن وسط هذا الفزع، يجادل الخبير النووي الفرنسي فرانسوا هيسبورج بأن طهران ليست حريصة على عبور العتبة النووية، ورجح خلال «المؤتمر السنوي لدراسات الأمن القومي» في تل أبيب مطلع عام 2016 ألا تسعى إيران إلى فعل ذلك حتى بعد انتهاء صلاحية الاتفاق النووي بعد 15 عامًا. ويوضح هيسبورج، الذي يرأس «المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية» في بريطانيا ومركز جنيف للسياسة الأمنية، أن النظام الإيراني يفضل تجنب مختلف أنواع الصداع الناتجة من تشغيل برنامج نووي عسكري، وأبرزها العقوبات الدولية، ناهيك عن أن البقاء بعيدًا عن النادي النووي يمنح إيران مرونة أكبر لشن حرب تقليدية.

يضيف هيسبورج الذي كان مستشار الأمن الدولي لوزير الدفاع الفرنسي في الثمانينيات: «لقد أوضح الإيرانيون وجهة نظرهم، أظهروا أنه في ظل ظروف معينة يمكن أن يصبحوا قوة نووية. هذا له قيمة في حد ذاته. إنه يوفر شكلًا من أشكال الردع، بمعنى: لا تعبث معي. صحيح أنني لست قوة نووية، لكن يمكن أن أصبح قوة نووية غدًا، فاحترس. في الوقت الحالي، هذا أكثر من كاف للإيرانيين. الأسلحة النووية تمنحك الردع، لكنها تغلّ يديك أيضًا إلى حد ما».

يستشهد هيسبورج بإسرائيل باعتبارها تمثل الاستثناء لهذه القاعدة؛ بفضل سياسة الغموض النووي، التي كان بإمكان إيران اتباعها لولا اكتشاف منشأة تخصيب اليورانيوم السرية في ناتنز في عام 2002. ويضيف: «أعتقد أن نية إيران كانت استنساخ النموذج الإسرائيلي. كانت الفكرة تتمثل في تشغيل برنامج خفي لإنتاج سلاح نووي بهدوء، ثم جعله معروفًا بما فيه الكفاية ليضعه الآخرون في الاعتبار، بينما تقول في الوقت ذاته: (ليس لدينا أسلحة نووية). كان بإمكانهم أن يديروا الأمر على الطريقة الإسرائيلية، لكنهم لم يفلتوا بذلك».

يؤكد هايسبورج، الذي بدأ في التعامل مع قضايا عدم الانتشار النووي في أواخر السبعينيات أثناء عمله في وزارة الخارجية الفرنسية، أن القليل من الدول قادرة على إطلاق برنامج سري، أو راغبة في المخاطرة بفرض عقوبات في حالة الكشف عن مثل هذا المسعى السري. «إذا كنت مصريًّا -على سبيل المثال- فما الذي تفضله: برنامج نووي سري، أو فقدان الدعم أمريكي».

أما إذا فاجأت إيران العالم بتجربة نووية غير متوقعة، كما فعلت الهند في عام 1998، سيصاب المجتمع الدولي بالصدمة، وربما يفرض مزيدًا من العقوبات على إيران. لكن قد يصبح من المستحيل معرفة ما إذا كانت إيران قد بدأت في صنع القنبلة النووية، حسبما أشارت ديبورا ماكنزي في مجلة «نيو ساينتست». وإذا بدأت إيران في بناء ترسانتها النووية دون اختبار، أو اعتراف علني بأنها تجاوزت العتبة النووية، كما يُعتَقَد أن إسرائيل فعلت في الستينيات، فسيكون رد الفعل العالمي أبطأ.

 

اترك رد