«نيويورك تايمز»: حلفاء السعودية يسقطون واحدًا تلو الآخر

قبل أسبوع، دعا خبيرٌ في الأمم، من خلال تقرير أعدَّه، إلى إجراء تحقيق في دور وليّ العهد السعودي محمد بن سلمان في قتل الصحفي السعودي المعارض جمال خاشقجي، وقد أعادت هذه الدعوى قضية خاشقجي إلى الواجهة مرةً أخرى.

في هذا المقال المنشور في صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، يناقش الباحث السياسي البريطاني ديفيد ويرينج علاقة المملكة بالدول الغربية، وكيف جعلت قضية خاشقجي الدعم الذي تتلقاه المملكة من هذه الدول على المحك.

يعتقد ويرينج أن الأسبوع الماضي مرَّ ثقيلًا على النظام السعودي الملكي، إذ أنه في يوم الأربعاء الماضي، 26 يونيو (حزيران)، أصدر خبيرٌ من الأمم المتحدة تقريرًا يدعو إلى إجراء تحقيق في دور ولي عهد المملكة السعودية، محمد بن سلمان، في اغتيال الصحفي جمال خاشقجي.

وفي اليوم التالي في واشنطن، صوَّت مجلس الشيوخ على وقف مبيعات الأسلحة التي تُقدَّر بمليارات الدولارات، وهذا القرار هو الأحدث في سلسلة جهود يبذلها الكونجرس لوقف الدعم الأمريكي للحرب التي تقودها السعودية في اليمن. في ذات اليوم، في لندن، قضت محكمةٌ بأن بريطانيا تصرَّفت بشكلٍ غير قانوني في الموافقة على تصدير الأسلحة إلى المملكة السعودية.
يرى ويرينج أن هذه الأحداث كانت بمثابة صدمات عنيفة، وتدل على أن ثمة أزمة سياسية متفاقمة لا تزال نتيجتها غير مؤكَّدة، إذ تمتَّعت المملكة السعودية بحماية القوى الأطلسية منذ تشكُّلها، لكن العلاقات الأنجلو أمريكية مع آل سعود ربما قد تواجه الآن عاصفة عاتية، إذ سيصعب استمرار هذه العلاقة سياسيًا، لا سيما بعدما بدأ منطقها الاستراتيجي الأساسي يتهاوى.

يتساءل ويرينج: كيف وصل الأمر إلى ذلك؟ ويجيب: تواطأ حدثان لتشويه سمعة المملكة، وإضعاف الدعم العابر للمحيط الأطلسي الذي تعتمد عليه.

الأول هو الحرب الكارثية في اليمن. تُعرف حقائقها جيدًا، ومع ذلك فهي تستحق التكرار. يشير ويرينج إلى أن هناك تقارير قدَّمها خبراء إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، تفيد بأن التحالف الذي تقوده المملكة مسؤولٌ عن غالبية قتلى الحرب، الذين يُعَدُّون بعشرات الآلاف، واستهداف المدنيين بشكلٍ ممنهج وعلى نطاقٍ واسع. ويُعَدُّ حصار التحالف لليمن هو السبب الرئيسي لما هو الآن أسوأ أزمة إنسانية، إذ يُعتَقَد أن أكثر من 85 ألف طفل رضيع مات من الجوع منذ 2015، حسبما أشار ويرينج.

وفقًا للكاتب، كانت واشنطن ولندن عاملين مساعدين للمجزرة، بتقديمهما مساعدة أساسية لم تكن عمليات القصف لتتم من دونها. ويرى أن الدفاع عن إمدادات الأسلحة، التي كانت دائمًا سمةً أساسية في علاقات الغرب بالرياض، أصبح مهمة شبه مستحيلة مع تزايد تقارير الإدانة.

الحدث الثاني هو القتل المُروِّع لجمال خاشقجي، الذي يُعتَقَد أنه نُفِّذَ بأمرٍ صدر من رأس الحكومة السعودية. يلفت ويرينج إلى أنه في الأشهر التي سبقت الجريمة، انشغل الأمير محمد بتقديم نفسه في صورة إصلاحي تنويري، ومع أن ذلك -كما يرى ويرينج- لم يكن ليُصدق أبدًا، في حين أضفى الكثيرون في واشنطن ولندن بعض المصداقية عليه. وبحسب تقدير ويرينج، فقد تركت جريمة إسطنبول (إلى جانب القمع المشدد للمعارضة في المملكة) صورة «الإصلاحي» في حالةٍ يرثى لها، وصوَّرَت ولي العهد رمزًا للقسوة والطيش وسوء الحكم.

وفي الولايات المتحدة، يرى ويرينج أن هناك اتجاهين رئيسيَّين من المعارضة داخل الكونجرس، للوضع الراهن للتحالف مع المملكة. يتكوَّن الأول من ديمقراطيين وبعض الجمهوريين، ملتزمين بالعلاقة الأساسية، لكنهم قلقون من أن سوء إدارتها من الرئيس ترامب والأمير محمد يجعل من الصعب الحفاظ عليها سياسيًا، ويريدون حل مصادر الأزمة الحالية، وليس مفاقمتها، ما يعني نهايةً سريعة لحرب اليمن، وتحقيقًا مقبولًا حول مقتل خاشقجي.

أما الاتجاه الآخر، فيُجسِّده ويرينج في اليسار الناشئ داخل الحزب الديمقراطي، ويضم أمثال السيناتور بيرني ساندرز والنائبة إلهان عمر، ويعبر عن مخاوف أعمق حول الدعم الأمريكي للمملكة، وهدفهم هو التغيير الجوهري في السياسة، ليس الحفاظ على العلاقة الأساسية. علاوة على أنه، في وجهة نظر ويرينج، لا يمكن استبعاد احتمالية ظهور جيل أصغر سنًا وأكثر تعددية من المصوتين يتحدّون السياسة المتبعة.
يعتقد ويرينج أنه رغم تآلف الأطراف لتكوين معارضة مؤثرة، اضطر البيت الأبيض إلى الاعتماد على إصدار أوامر تنفيذية للتغلُّب عليها، لافتًا إلى أن دعم واشنطن الكامل للمملكة مستمر إلى الآن على كلِّ حال، لكنه يظل غير مضمون.

ويعتقد الكاتب أنه إذا أصبح العالم جادًا أخيرًا في بحث أزمات المناخ، سيتعيَّن على نسبةٍ كبيرة من احتياطي النفط الحالي أن تبقى دون استخراج، ما يحرم السعوديين من مراكمة الأصول المالية. ويشير إلى أنه طالما أن النفط هو شريان الحياة للاقتصاد العالمي، تظل السيطرة الاستراتيجية على الاحتياطي الرئيسي في الخليج هي مصدر رئيسي للقوة في النظام العالمي. ويلفت إلى أن ثروات البترودولار، التي تولِّدها مبيعات النفط، تُشكِّل مصدرًا مربحًا للاستثمارات وصفقات الأسلحة، فإذا ما تخلص العالم من النفط، سيكون من الصعب إيجاد سبب لاستمرار الدعم لدولة استبدادية تتناقص ثروتها، وستعتبر علاقتها مع واشنطن مُكلِّفة سياسيًا. وبالقدر نفسه يرى ويرينج أنه ربما يؤدي التغير المناخي إلى قلب السياسة الخارجية.

وفقًا لويرينج، تتكشَّف ديناميات مماثلة في بريطانيا، الحليف الغربي الرئيسي الآخر للرياض. لم يمنع الحكم الصادر عن المحكمة الأسبوع الماضي جميع عمليات نقل الأسلحة، واستأنفت الحكومة على الحكم، لكنه أعاق هذه الصادرات بفاعليةٍ في الوقت الحالي، وهو أمرٌ يراه ويرينج مهمًا بالنظر إلى أهمية الطائرات البريطانية في القصف الذي يقوم به التحالف، ومركزية مبيعات الأسلحة في العلاقة البريطانية مع المملكة.

يرى ويرينج أن الأهم من ذلك هو أن حزب العمال البريطاني يمرُّ بعملية تغيير مؤلمة لكنها دقيقة ومحددة، أشبه بما يحدث داخل الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة. إذ تنتقد القيادة باستمرار سجل حقوق الإنسان للنظام في اليمن، وتهمِّش المشرعين من حزب العمال المؤيدين للمملكة. ويشير ويرينج إلى أن هذه القيادة مدعومةٌ بعضويةٍ حزبية واسعة، وتلتزم باتجاهٍ جديد في السياسة الخارجية البريطانية.

يعتقد ويرينج أن الروابط الاستراتيجية بين القوى الأطلسية وآل سعود نجت من العديد من الأزمات على مرِّ السنين، وأنها ربما تحاول البقاء لعقدٍ ثانٍ، ويرى أن التهديدات الوجودية واضحة الآن، وأنه إذا كانت لدى أيِّ أحدٍ في الرياض أو واشنطن أو لندن خطةٌ جادة للحفاظ على الوضع الراهن، فإنهم يبقونها سرًا مشددًا.

يرى ويرينج كذلك أن الجهود السعودية الأخيرة للبقاء على صلةٍ وثيقة بالبيت الأبيض كانت ناجحةً بلا شك. مع ذلك، قد تندم المملكة على المراهنة بكل شيء على رئاسةٍ تبدو أكثر تمثيلًا للجوانب الأقبح في التاريخ الأمريكي من مستقبله. فيما يُرجِّح ويرينج أن النظام السعودي سوف يخاطر في السنوات المقبلة بأن يجد نفسه خاسرًا المال والأصدقاء والوقت.

اترك رد