الإعلان عن زيارة البابا للعراق يثير ردود فعل ايجابية واسعة

بقلم سعد سلوم – بغداد ـ أثار إعلان قداسة بابا الفاتيكان فرنسيس عزمه على زيارة العراق في العام المقبل، توقّعات إيجابيّة مختلفة لدى أوساط عراقيّة عديدة، لا سيّما أنّها المرّة الأولى التي يربط بها البابا زيارته، في وقت محدّد معلن عنه رسميّاً.

ولقد أخذ تأكيد أهميّة الزيارة زخماً بعد زيارة رئيس جمهوريّة العراق برهم صالح للفاتيكان وتشجيعه قداسة البابا على زيارة العراق. يضاف إلى ذلك، تعيين بطريرك بابل على الكلدان مار روفائيل الأوّل ساكو كاردينالاً في الفاتيكان، الأمر الذي يعدّ مؤشّراً على شغل] العراق ومستقبل المسيحيّين فيه حيّزاً في تفكير البابا الحاليّ.

ومن المتوقّع أن يشمل جدول زيارة فرنسيس مدينة أور التاريخيّة في جنوب العراق، حيث ولد النبيّ ابراهيم. وبذلك، ستعدّ هذه الزيارة حدثاً رمزيّاً فائق الأهميّة يؤكّد عامل الوحدة بين العراقيّين على اختلاف انتماءاتهم الدينيّة، إذ يعدّ النبيّ ابراهيم أبا الأنبياء جميعاً في السرديّات اليهوديّة والمسيحيّة والإسلاميّة، الأمر الذي يبعث الأهميّة الروحيّة الاستثنائيّة لهذا المكان المقدّس لدى الأديان الكبرى في الشرق الأوسط.

وكان فرنسيس أعلن عن نيّته زيارة العراق خلال العام الجاري من دون تحديد وقت محدّد، ولكن تمّ إلغاؤها لأسباب أمنيّة، الأمر الذي أثار خيبة أمل كبيرة لدى العراقيّين.

أراد البابا الراحل يوحنا بولس زيارة مدينة أور العراقية القديمة في عام 2000، والتي كانت الخطوة الأولى من ثلاث مراحل حج إلى العراق ومصر وإسرائيل. ولكن، لم تتم الزيارة مع انهيار المفاوضات مع الحكومة العراقية آنذاك في عهد صدام حسين.

والمثير للانتباه تجاوز ردود الفعل الايجابيّة الأوساط المسيحيّة لتشمل الأوساط الإسلاميّة أيضاً.

ويرى مدير دار العلم للإمام الخوئي في النّجف الأشرف سماحة السيّد جواد الخوئي أهميّة الزيارة التاريخيّة للبابا كعامل داعم بالنّسبة إلى صنّاع السلام والمشتغلين في قضايا الحوار الإسلاميّ – المسيحيّ في العراق، مؤكّداً ضرورة أن تعمل الزعامات الدينيّة الداعية إلى السلام والمحبّة تحت مظلّة واحدة، سواء أكانت زعامات إسلاميّة أم مسيحيّة.

وأبدى جواد الخوئي، وهو حفيد أبو القاسم الخوئي المرجع الروحيّ الأعلى للشيعة في العالم، رغبته في أن يزور البابا النّجف الأشرف الذي يعدّ بمثابة فاتيكان الشيعة، ويلتقي بالمرجع الدينيّ الأعلى الحاليّ السيّد علي السيستاني، إذ وجد الخوئي أوجه شبه كثيرة بين علي السيستاني المرجع الروحيّ الأعلى للشيعة والبابا فرنسيس المرجع الروحيّ الأعلى للكاثوليك في العالم من ناحية سعيهما إلى إرساء السلام العالميّ وروحانيّتهما العالية. كما وجد مشتركات بين الفاتيكان والنّجف، وختم حديثه بالقول: “أتمنّى أن أشاهد قداسة البابا فرنسيس يتمشّى في شوارع النّجف ويزور آيات الله في منازلهم المتواضعة، وهي سمة امتاز بها قداسة البابا أيضاً، الذي اشتهر بتواضعه وتميّز بها عن أسلافه”.

وقال عبد الوهاب السامرائي، امام جامع الامام الاعظم أبو حنيفة في بغداد وعضو مجمع الفقهاء في العراق، للمونيتور: “نحن العراقيون جميعًا نعتقد أن زيارة البابا للعراق بها عدة رسائل. أولاً ، إنه دعم روحي من أعلى زعامة مسيحية لجميع العراقيين، بمن فيهم المسلمون، بعد الوضع الصعب للغاية الذي مر به العراق في الماضي. ثانياً، إنها مساهمة كبيرة في تجربتنا للتعايش والتسامح الديني. ثالثًا، إنها رسالة للعالم أن العراق يتقدم بشكل ملحوظ وأنه مليء باللطف والخير بين جميع مكوناته، بما في ذلك المسيحيين والمسلمين.

وأضاف “المسيحيون هم تاريخ العراق، ولقد كانوا هنا في العراق قبل المسلمين”، معربًا عن أمله في أن “تتم زيارة للبابا مع الزعماء الدينيين السنة في بغداد”.

من جهة ثانية، أبدت جهات دينيّة مسيحيّة رفيعة المستوى تحفّظاً عن الإدلاء بجهودها أو تحضيراتها لهذه الزيارة، إذ تعدّ الاستعدادات للزيارة جزءاً من الديبلوماسيّة الصامتة التي تكمن جدّيتها وفعاليّتها في العمل بعيداً عن الأضواء والضغوط المرتبطة بزيارة على هذا المستوى من الأهميّة للمنطقة.

في هذا السياق، قال مار روفائيل الأوّل ساكو: “من السابق لأوانه الكشف عن تفاصيل الزيارة والاستعدادات لها، لكنّها بالتأكيد تمثّل علامة أمل للعراق خصوصاً، والمنطقة عموماً، في أوقات عصيبة يمرّ بها المسيحيّون في سوريا والعراق ومناطق أخرى من الشرق الأوسط”.

أمّا على صعيد إقليم كردستان العراق، فإنّ الإعلان عن الزيارة يحظى باهتمام رسميّ عالي المستوى، لا سيّما بعد زيارة الزعامات الكرديّة في الإقليم لحاضرة الفاتيكان مثل زيارة رئيس الإقليم السابق مسعود برزاني وزيارة الرئيس الحاليّ للإقليم نيجرفان برزاني كجزء من جهد ديبلوماسيّ رفيع المستوى لبناء علاقة مع الكرسيّ الرسوليّ في الفاتيكان.

وفي حديث مع “المونيتور”، قال مدير دائرة المسيحيّين في وزارة الأوقاف والشؤون الدينيّة في الإقليم خالد البير: “إنّ طلب زيارة البابا للإقليم تمّ من قبل كلّ الزعامات السياسيّة الكرديّة في زيارتها للفاتيكان، كما من قبل ممثّلي الإقليم في الفاتيكان، ومنّي شخصيّاً خلال لقاءاتي مع قداسة البابا في أكثر من مناسبة”.

أضاف: إنّ الزبارة، إذا شملت الإقليم فستعدّ “حدثاً تاريخيّاً”، لا سيّما بعد أن فتح الإقليم أبوابه للنازحين من الأقليّات الدينيّة، منها ١٣٨ ألف مسيحيّ نزحوا إلى محافظات الإقليم بعد اجتياح “داعش” الموصل وسهل نينوى.

وأكّد تطلّعه لزيارة البابا لبلدات المسيحيّين في سهل نينوى، الذي أخذ النازحون المسيحيّون بالعودة إليه أخيراً. ويمكن للزيارة أن تكون ذات أثر عميق على الوجود المسيحيّ ودوامه في مناطقه التاريخيّة التي شهدت فظائع خلال سنوات احتلال “داعش” محافظة نينوى.

وقد تعدّ زيارة البابا بمثابة فرصة نادرة لجذب الانتباه لما يحتويه العراق من عناصر تنوّع تعدّ عامل قوّة تؤهّل البلاد كعاصمة للحوار الدينيّ في المنطقة، في وقت تشهد فيه الأخيرة انقسامات إثنيّة عميقة بسبب السياسات الطائفيّة السائدة في الشرق الأوسط في الأعوام الماضية، وميراث الصراع العربيّ – الإسرائيليّ خلال العقود السابقة، وأخيراً تهديد الوجود المسيحيّ الذي يتعرّض للانقراض في دول الإقليم بعد غزو “داعش” سوريا والعراق. وتقدّم عناصر القوّة الناعمة إلى العراق من تنوع ثري، مرجعية موحّدة لكلّ مكوّنات المجتمع، في ضوء التراث الدينيّ المشترك الذي تضمّه بالنّسبة إلى أتباع الأديان الـ3 الكبرى.

واختتم رئيس مؤسّسة “أديان” في لبنان الأب فادي ضو حديثه مع “المونيتورّ بفكرة قريبة من هذا المعنى، إذ قال: “إنّ تشجيع زيارة البابا للعراق جمعت جهوداً إقليميّة ووطنيّة في التنسيق مع سائر المعنيّين، لا سيّما في الدوائر الفاتيكانيّة، قناعة منّا في لبنان والعراق ودول أخرى في المنطقة بأهميّة النسيج الاجتماعيّ المتنوّع في الشرق الأوسط، لا سيّما في العراق الذي يعدّ مهداً للديانات الإبراهيميّة، وتأكيداً على دوره كمركز للانفتاح على التنوّع الدينيّ والإثنيّ واللغويّ في المنطقة، ولتبديل الصورة التي ألصقت به بفعل جرائم داعش كمكان طارد للتنوّع”.

وأخيراً، لا شكّ في أنّ هذه الجهود العابرة للحدود والإثنيّات تعدّ خطوة أساسيّة لتعزيز مستقبل أفضل لشعوب سائر دول المنطقة.

اترك رد