«المونيتور»: إيران وروسيا في صراع الهيمنة على «إصلاح» الجيش في سوريا

كشف غياب إيران عن المشاركة في الهجوم العسكري الذي تشنه قوات النظام السوري بدعم من الطيران الروسي على إدلب عن صراعٍ طرفيه روسيا وإيران على النفوذ داخل ما تبقى من جيش النظام السوري، والأهم على عملية إعادة تشكيل جيش النظام السوري التي سيحين وقتها عاجلًا أو آجلًا.

يستعرض المحلل الروسي كيريل سيمينوف في هذا المقال الذي نُشِرَ على موقع «المونيتور» ملامح ذلك الصراع، وفرص روسيا في تحقيق نصرٍ في معركتها مع التغلغل الإيراني في مفاصل جيش النظام السوري.

غياب إيراني غامض عن إدلب
يقول سيمينوف: «إن الهجوم العسكري الجاري على إدلب – الذي تتقدمه قوات النظام السوري، بدعم روسي – قد يكون أول عملية عسكرية مهمة لا يكون للمجموعات المسلحة التابعة لإيران مشاركة فيها». إذ كانت الوحدات الهجومية الأساسية في القوات الحكومية هي الهياكل الموالية لروسيا داخل جيش النظام السوري: فرقة «قوات النمر» بقيادة سهيل الحسن، وقوات «الفيلق الخامس اقتحام» التطوُّعية التي يقودها زيد صالح.

ويرى سيمينوف أن غياب القوات التابعة لإيران عن المشاركة في المعارك الدائرة في إدلب يستدعي عددًا من التخمينات الجديدة حول الخلافات بين روسيا وإيران في سوريا.
أشارت صحيفة «الشرق الأوسط»، على سبيل المثال، إلى أن ثمة اقتراح، يُزعم أن الولايات المتحدة وإسرائيل بصدد تقديمه إلى روسيا والنظام السوري، يتضمَّن رفع العقوبات والاعتراف بحكومة بشار الأسد مقابلَ رحيل القوات العسكرية الإيرانية عن سوريا. وكان نصر الحريري، رئيس الهيئة العليا للتفاوض التابعة للمعارضة السورية، قد صرَّح لـ«الشرق الأوسط» بأنه على الرغم من وقوف روسيا إلى جوار إيران في دعم النظام، فإن موسكو تدرك أن شريكَيها – إيران والأسد – يشكِّلان عبئًا عليها، وخاصة بسبب العقوبات الأمريكية.

ومن ثمَّ فإن السبيل الوحيد، حسب الحريري، للوصول إلى الأمن والاستقرار والحل السياسي في سوريا، هو من خلال انسحاب القوات العسكرية الإيرانية.

لكن سيمينوف أشار إلى أن المسؤولين الروس أنكروا تلك التصريحات، وكذلك فعل السوريون. وقال بطرس مرجان، رئيس لجنة الشئون الخارجية في البرلمان السوري، لصحيفة إزفيستيا الروسية، إنه لن يرفض الدعم العسكري الإيراني، أو يطالب الإيرانيين بالخروج من سوريا، حتى وإن وافقت الولايات المتحدة على رفع العقوبات.

هيمنة إيران داخل جيش النظام السوري
يرى سيمينوف أن روسيا مهتمةٌ أيضًا بتقليص النفوذ العسكري الإيراني في سوريا، إلا أنها تعرف أن مثل تلك العملية ستحتاج إلى وقتٍ وجهدٍ كبيرين. علاوة على أنها تدرك أن النفوذ الإيراني راسخ الجذور في الجيش والأجهزة الأمنية السورية. وإذا لم يستبدل بالبنى التي أنشأتها إيران في سوريا أخرى مكافئة لها مواليةً لروسيا، فإن الفاعلية القتالية سوف تتضاءل بشدة.

لذلك يرى سيمينوف أن نزع النفوذ الإيراني من الأجهزة العسكرية يقتضي إعادة تشكيل تلك الأجهزة: أولًا من خلال إدماج الميليشيات التابعة للنظام، والتي تُشكِّل غالبية قوات الأسد، في جيش النظام السوري النظامي. وبعدها، ينبغي تحديث هياكل التجنيد والإدارة في تلك الأجهزة لمواكبة المتطلَّبات الجديدة.

ومع ذلك، يقول سيمينوف: «إن إيران هي الطرف الوحيد حتى الآن الذي يعمل بفاعليةٍ على إدماج الميليشيات في فِرَق الجيش النظامية. ونتيجة لذلك فإن إيران تقيم مزيدًا من العوائق التي تحول دون انفصال الكيانات التابعة لها عن جيش النظام. لذا فإنه يرى أن تقليص النفوذ الإيراني، وإن كان على المدى الطويل، وليس فورًا، يقتضي من موسكو الاستئثار بكل مبادرةٍ لإصلاح النظم الأمنية والعسكرية السورية، والدفع بأجندتها الخاصة قُدُمًا.

بيد أن روسيا ستواجه بعض التحديات الخطيرة في سبيل القيام بذلك. فحتى الآن، وفقًا لما ذَكَرَه سيمينوف، لا يوجد سوى كيانين يمكن اعتبارهما تابعين لروسيا، أو القول بإمكانية تحوُّلهما إلى موطئ قدم لموسكو في هذا الصراع، وهما: «قوات النمر»، و«الفيلق الخامس اقتحام» السابق ذكرهما.

أشار سيمينوف إلى أن «قوات النمر» هي الوحدة الأكثر فاعلية في جيش النظام السوري، وقد تمكَّنَت، من خلال الدعم الروسي، من أن تحل محل «الفرقة الرابعة المدرعة» الموالية لإيران و«حزب الله» اللبناني، كتشكيلٍ هجومي أساسي. وكانت المخابرات الجوية السورية قد شكَّلَت «قوات النمر»، في الأصل، لتكون قوة مهمات خاصة.

غير أنها تحوَّلت بعد تعزيزها بأسلحة ثقيلة، إلى وحدةٍ هجومية مميزة في جيش النظام السوري. وقد ساهمت روسيا بشكلٍ كبير في عملية التحوُّل تلك. وقوات النمر هي بالأساس مظلة رئيسية تضم تحتها لواءين، يتكوَّنان من 24 مجموعة مترابطة على نحو فضفاض، يمتلك معظمها قوى قتالية تتراوح بين سريةٍ وكتيبة.

ويستنتج سيمينوف أنه لما كان عدد جنود المشاة في وحدات قوات النمر الهجومية يكاد يبلغ الـ4 آلاف، بالإضافة إلى عددٍ غير معروف من جنود المدفعية والمدرعات، يكون الأرجح أن العدد الإجمالي للأفراد المنتسبين إليها أكبر من ذلك بكثير.

أما «الفيلق الخامس اقتحام» فيذكر سيمينوف أنه لم يصبح بعد كيانًا عسكريًا متماسكًا، رغم الآمال العريضة التي عقدها عليه الجيش الروسي. فهو يضم 25 ألف جندي، وثمانية ألوية مكونة من جنود كانوا تابعين لميليشيات حُلَّت، ومن مقاتلين موالين للنظام ما زالوا مستقلين، ولا يتبعون رسميًا للفيلق، لكنهم يأتمرون بأوامره ويعتمدون عليه في تسليحهم.

لَفَتَ سيمينوف إلى أن الفيلق أقل قدرة وكفاءة قتالية من قوات النمر، وأشار إلى تصريحٍ أدلى به مصدرٌ عسكري روسي لـ«المونيتور» قال فيه إنه خلال العملية العسكرية الجارية في إدلب اشتكى قائد «قوات النمر» سهيل الحسن إلى الروس من تدني القدرات القتالية لقوات الفيلق وافتقارها إلى المرونة.

يتألف «الفيلق الخامس اقتحام» من لواء البعث، وجنود من لواء صقور الصحراء، وفوج مغاوير البحر. علاوة على أن بعض السرايا العسكرية التي كانت قد حُلَّت سنة 2017، «دُمِجَت» لاحقًا في الفيلق. وتخضع ميليشيات «لواء القدس» القادمة من فلسطين، و«صائدو داعش» – وحدة مسلحة تتكون من مسيحيين سوريين – لقيادة الفيلق الخامس، لكنها لا تتبع له رسميًا. والتحقت باللواء الثامن التابع للفيلق مجموعةٌ من المقاتلين القادمين من الجنوب كانوا قد قبلوا شروط المصالحة مع النظام. ومن الممكن أن نشهد تشكيل لواء آخر في محافظة السويداء.

وأشار سيمينوف إلى أن روسيا تعمل بشكلٍ مباشر على تطويرٍ متعدد الجوانب لقوات النمر – تشكيلٌ من مجموعات ميدانية من عناصر جهاز المخابرات الجوية – والفيلق الخامس، الذي يتألَّف من ميليشياتٍ مختلفة. ومع ذلك فإن قوات المخابرات الجوية السورية لا تزال تحت سيطرة الإيرانيين. ومن ثمّ يرى سيمينوف أن تلك القوات لا ينبغي التعامل معها بوصفها نموذجًا لعملية إصلاح الجيش، على الأقل من جهة روسيا، ولا يجب السماح بأن تصبح نواةً للجيش السوري المستقبلي.

على خلاف روسيا، تقدِّم طهران خطة أكثر تماسكًا لإصلاح القوات المسلحة السورية، إذ ترى طهران الإصلاح إما من خلال إنشاء تشكيلات عسكرية جديدة، وإما بتوسيع الفرق العسكرية الحالية عن طريق استيعاب المجموعات غير النظامية فيها.

وضرب سيمينوف مثالًا على ذلك بنخبة قوات ماهر الأسد، الفرقة الرابعة المدرعة، التي تعمل تدريجيًا على ضم المجموعات الشيعية الفعالة إليها، سواء كانت محليةً أم عراقيةً. وقال: «إن تلك المجموعات سوف تغدو الكتائب التي ستتشكَّل منها فرق الجيش، وسيتمتَّع أفرادها بالمزايا الرسمية للعسكريين النظاميين»، مشيرًا إلى انضمام فصائل، مثل «لواء الإمام الحسين» العراقي، و«حركة النجباء» الفرع السوري من حزب الله، و«لواء سيف المهدي»، إلى الفرقة الرابعة، واندماجها بالفعل. وتُزاحِم الفرقة الرابعة المدرعة الفيلقَ الخامس على ضمِّ المقاتلين الذين وافقوا على المصالحة.

بالإضافة إلى ذلك، لَفَتَ سيمينوف إلى سعي إيران لمدِّ نفوذها إلى الحرس الجمهوري السوري. فقد ضمَّ اللواء 105 التابع للحرس الجمهوري، على سبيل المثال، «لواء أبي الفضل العباس»، إحدى الفصائل الشيعية العراقية. وشكَّل لواء شيعي آخر أساس الفرقة 30 من الحرس الجمهوري، وذلك حينما اندمجت عدة مجموعات مختلفة معًا، مشكّلةً ما يسمى بـ«قوات الدفاع المحلي» (أنشأتها إيران في حلب).

خطةٌ روسية بديلة
يختتم سيمينوف مقاله بقول: «إنَّ روسيا مع ذلك لا يزال في إمكانها تنفيذ خطةٍ بديلة. فقد قدم بعض الخبراء اقتراحًا بتشكيل ثلاث قياداتٍ عملياتية تعتمد في طواقمها على ما تبقى من فيالق جيش النظام السوري، ثم تُعطَى سلطات القيادة والإشراف المناطقية على كل القوات النظامية والميليشيات الواقعة تحت سلطتها. وينبغي في رأيه أن تُضَم تلك الميليشيات إلى الفرق النظامية».

وعلى الرغم من أنَّ إيران تعمل جاهدةً على تشكيل «حرس بريتوري» على النمط الروماني، مُكوَّن من الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة المدرعة، فإنَّها غير قادرة على فرض تلك الإصلاحات على كل قوام جيش النظام السوري. وهو ما يمنح روسيا فرصة أخذ المبادرة وتشكيل مراكز قيادة عمليات على أساس المناطق والفرق، يمكنها فرض سيطرتها على كل الميليشيات.

ويرى سيمينوف أنَّ روسيا إذا تمكنت من تنفيذ تلك الخطة، يمكنها في هذه الحالة العمل على حلّ الفصائل العسكرية الموالية لإيران، والحفاظ على تلك التي يمكن لموسكو الاعتماد عليها. ويمكن حينها استيعاب ألوية الفيلق الخامس-اقتحام في كتائب جيش النظام السوري النظامي، بوصفها تشكيلات عسكرية منفصلة موالية لروسيا. ويمكن أيضًا ضم المجموعات التكتيكية المستقلة في قوات النمر إلى قيادات المناطق المركزية؛ مما يساهم في تعزيز النفوذ الروسي في كلٍ منها.

اترك رد