استمرار الجدل حول المقاتلين الفرنسيين في العراق: محاكمات سريعة ورفض لأحكام الإعدام

تتوالى أخبار المقاتلين الفرنسيين المتهمين بالانتماء إلى تنظيم “داعش” الإرهابي، الذين تُصدر المحاكم العراقية في حقهم أحكاما بالإعدام، بعد محاكمات سريعة، وقد بلغوا، 9 أشخاص، فيما تحدث سكرتير الدولة لدى وزير الداخلية الفرنسي، لوران نونيز، يوم أمس الأحد، عن نحو 15 آخرين ينتظرون دورهم للمحاكمة.
وإذا كانت السياسة الفرنسية في التعامل مع هذه القضية واضحة، وتكمُن في الاعتراف بنزاهة القضاء العراقي وسيادته في محاكمة من ارتكبوا فظاعات في أرضه، إلاّ أن سرعة القضاء العراقي في التخلص من هؤلاء عبر محاكمات سريعة، مع إصدار أحكام بالإعدام بالجملة بدأ يثير قلقا كبيرا في فرنسا.

وعلى الرغم من تأكيدات مسؤولين فرنسيين كبار، على رأسهم وزير الخارجية، جان إيف لودريان، بأن المحاكمات كانت “مُنصفة”، وطمأنة نونيز، مواطني بلاده، بأن فرنسا تقدم خدمات قنصلية ومحامين لهؤلاء المقاتلين الفرنسيين، إلا أن التفاؤل الحكومي لا يقنع المحامين المرتبطين بهذا الملف غير المسبوق، الذي تَقبل فيه فرنسا أن يحاكم بلد آخر مواطنيها ثم تصر على عدم استعادتهم لقضاء محكوميتهم في بلدهم.

ويبدو أن المسؤولين الفرنسيين في ورطة كبيرة أمام الرأي العام، على الرغم من أن أغلبية الفرنسيين لا تريد عودة هؤلاء “الأبناء الضالين”، خصوصا وأنهم محكمون بالإعدام، وهو حكمٌ ألغته الدولة الفرنسية منذ 1977. وهذا الحرج الرسمي هو ما تحدثت عنه الناطقة باسم الحكومة، سيبيث ندياي، أمس الأحد، من أن الأحكام القاسية تثير قلق أعلى المستويات في فرنسا، في تلميح إلى رئيس الجمهورية، إيمانويل ماكرون.

لكن المحامين لا يتفقون مع توصيف وزير الخارجية للمحاكمات بأنها عادلة ومنصفة، فالمحامية ماري دوزي، التي تدافع عن عائلات من يُحاكَمون في العراق، تنتقد عدم اطلاع المحامين على التحقيق. وهو موقف يؤكده المحامي نبيل بُودي، الذي يستحضر عدم معرفة المحامين للتهم الموجهة لهؤلاء المعتقلين، إضافة إلى استحالة اللقاء بالمعتقلين قبل المحاكمة.
كما أن محامين فرنسيين لم يستطيعوا حضور المحاكمات، بسبب تأخر إعلامهم بموعدها، وهو يجعل الحصول على التأشيرة العراقية في وقتها مستحيلا.

بل ويتحدث محامون عراقيون، ومن بينهم المحامي الذي رافع عن الفرنسية ميلينا بوغدير، التي صدر في حقها حكم سنة 2018 بالمؤبد، عن تلقي تهديدات من طرف قسم مكافحة الإرهاب العراقية، حين حاول لقاء موكلته قبل المحاكمة.

ويعيب محامون عراقيون آخرون على ظروف المحاكمات التي تنتفي فيها شروط العدالة والإنصاف، إذ إن بعضهم اكتشف الملف يوم المحاكمة، وكانت مرافعته قصيرة.

كما يبدو أن العدالة العراقية في عجلة من أمرها، إذ لم تتجاوز جلسة محاكمة فرنسيين اثنين، يوم الأحد، ساعة واحدة من الزمن، سمح فيها للمتهَمَين بالتحدث خلال بضع دقائق، فقط، و”لا تكلف نفسها عناء التواصل مع الضحايا، واستحضارهم كشهود”، كما تؤكد منظمة “هيومن رايتس ووتش”. إضافة إلى أن القضاة العراقيين لا يعيرون انتباها لاحتجاجات المتهمين بسبب اعترافات، يؤكدون أنها انتُزعت منهم بالقوة والتعذيب، ومنها تواجد بعضهم في العراق، وخاصة في الموصل، وهو ما ينفيه المعنيون، قطعا. وعلى قاعدة هذا التواجد المفترض في العراق، صدر الحكم بالإعدام.

وأمام الصمت الرسمي الفرنسي على “تجاوزات” القضاء العراقي، واحتجاجا على صدور الأحكام بالإعدام في حق هؤلاء المتهمين، أصدر 44 محاميا فرنسيا بيانا، اليوم الاثنين، دانوا فيه عدم تحرك الدولة الفرنسية أمام ما يحدث. وأكد البيان أن تنفيذ هذه الأحكام، بل وحتى السماح بالنطق بها، يعتبر “مُخالفاً لنظامنا العمومي، ويُعادل الرد على البربرية بعقوبة نحظُرها، بشكل قاطع”.

وانتقد البيان وضعية الفخ الذي وقعت فيه فرنسا، منذ سنتين، بسبب خطاب شدد على أن “بلدنا سيفعل كل ما باستطاعته حتى لا يعود مواطنوه إلى بلدهم، بل وأيضا على محاكمتهم في عين المكان”، وهو ما يعني أن “فرنسا لم تشأ استعادة مواطنيها، مفضِّلةً تعريضهم لعقوبة الإعدام ولمحاكمات سريعة، نعرف أنها تتجاهل، بشكل خطير، حقوق الدفاع”. وذكّر البيان بأن “عقوبة الإعدام معاملة غير إنسانية وحاطة بالبشر”.

واستحضر البيان تصديق فرنسا على المعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان، التي تنص على أن حكم الإعدام تم إلغاؤه في كل المناسبات. وحذّر البيان من أن تنفيذ هذه الأحكام سيكون “إهانة كبرى لشرف بلدنا”، لأنه “حيث ينتشر حكم الإعدام تهيمن البربرية. وفي كل مكان يندُرُ فيه هذا الحكم، تسود الحضارة”.

وتحدث البيان عن حملات نظمت في فرنسا، في الماضي، لمساعدة مواطنينا المحكوم عليهم بالإعدام، خاصة في إندونيسيا والمكسيك، وعبّر عن القلق من احتمال استثناء سجناء العراق من الدعم. ثم اعتبر البيان أن “جعل اغتيالٍ قانوني، محرّمٍ في معظم بلدان العالم، باستثناء السعودية والعراق والصين وأميركا، ممكناً، سيترك وصمة لا تمّحى على ولاية إيمانويل ماكرون”. ولم ينس البيان أن يذكّر، في الأخير، بأنه خلال سنوات وعقود، انتكست صورة فرنسا في العالم: “صورة فرنسا، بلد الأنوار، البلد الرائد، في شمولية حقوق الإنسان”.

اترك رد