فوضى سلاح في العراق … بغداد ــ أكثم سيف الدين

فتحت السلطات العراقية الباب أمام تزايد الفوضى الأمنية والجرائم في البلد، إذ منحت رخص أسلحة، تبين أن غالبيتها يذهب إلى جهات حزبية، استغلت ذلك لتسليح أتباعها، بالإضافة إلى حصول شيوخ قبائل وأبنائهم على رخص حمل سلاح، إن كان عن طريق علاقتهم أو دفع مبالغ مالية. وفتح منح السلطات العراقية للمواطنين عشرات الآلاف من رخص حيازة وحمل السلاح للمواطنين، الجدل واسعاً أمام خطورة هذا القانون، وتهديده لأمن المجتمع، فضلاً عن سوء استخدامه وإمكانية تسخيره لأغراض سياسية وحزبية، وخصوصاً بعد أن تمّ الكشف عن منح آلاف الرخص خلافاً للشروط الموضوعة في القانون.

وفي العراق يعدّ انفلات السلاح وعدم تنظيمه بقوانين محكمة، من أكبر المخاطر التي انعكست على أمن المواطنين، وأدت لوقوع الكثير من جرائم القتل، بينما ينتقد مراقبون عدم سيطرة الدولة على هذا الملف، مطالبين بإعادة النظر بقانون حيازة السلاح. يشار إلى أنّ البرلمان العراقي السابق، كان أقرّ عام 2017 قانوناً لتنظيم عملية حيازة الأسلحة، على أن تمنح السلطات رخص حملها إلى مستحقيها. يشار الى أنّ الرخص، التي تمنح لحيازة وحمل السلاح وفقاً للقانون، تشمل المسدسات الشخصية والبنادق الآلية وبنادق الصيد.
وبحسب المفتش العام في وزارة الداخلية جمال الأسدي، فإنّ “عدد رخص حيازة وحمل السلاح، التي منحتها الوزارة وفقاً للقانون، لمستحقيها من المواطنين ارتفع إلى 44 ألف رخصة”، موضحاً في تصريح صحافي أخيراً، أن “القانون حدّد شرائح مختلفة من المجتمع يحق لها الحصول على الرخصة”. وأكد أنّ “الوزارة أصدرت تعميماً نصّ على معاقبة عناصر الحواجز الأمنية ومراكز الشرطة في حال عدم قيامهم بمهام تدقيق ورصد الأشخاص، سواء المجازون بحيازة وحمل السلاح أو المخالفون للقانون”، مشيراً إلى أنّ “ظاهرة حمل السلاح تعدّ من الظواهر الشائكة التي يعاني منها المجتمع”. وأكد أنّ “الوزارة غير مسؤولة عن رخص المنتسبين إلى المؤسسات الأمنية، إذ إنّ مؤسساتهم تصدر لهم هويات خاصة بحيازة وحمل الأسلحة الحكومية وفقاً للتعليمات النافذة”.

وأكد مسؤولون في وزارة الداخلية أنّ هذا الملف أصبح من أعقد الملفات، إذ تفشّى الفساد في عملية إعطاء رخص حمل الأسلحة، مشيرين إلى أن نحو نصف تلك الرخص أعطي بشكل غير قانوني. وقال مسؤول رفيع المستوى في الوزارة لـ”العربي الجديد”، إنّ “الوزارة لم تستطع تطبيق القانون بشكل صارم، إذ إنّ الرخص تمنح بحسب العلاقات والوساطات، وخصوصاً للجهات الحزبية التي لديها علاقات داخل الوزارة، والتي استغلت ذلك بهدف تسليح أتباعها”. وأكد أنّ “هناك فقرة في القانون تسمح للمسؤولين في وزارة الداخلية بإعطاء رخص حمل سلاح لغير الفئات التي نصّ عليها القانون، فضلاً عن إمكانية إعارة السلاح الحكومي، بحسب ما تعتبره ضرورة أو مصلحة عامة”، موضحاً أنّ “هذه الفقرة تسببت بتحوير القانون، وفتح الباب أمام منح آلاف الرخص، بالإضافة إلى إعارة الأسلحة، إلى غير مستحقيها، بينهم شيوخ عشائر وأبناؤهم ومدنيون، وحتى شبان، بحجة أن أمنهم مهدد”. وأشار الى أنّ “جهات مستفيدة داخل الوزارة تستغل القانون بشكل بشع”، مؤكداً أن “الوزارة مستمرة بمنح الرخص، وهناك آلاف الطلبات التي تنظر بها الجهات الخاصة لأجل منح رخص جديدة”، مشيراً إلى إنجاز نحو 500 رخصة جديدة كل يوم.

ومن جهتها، تتابع لجنة الأمن البرلمانية هذا الملف، مؤكدة أنّ منح الرخص بشكل غير منضبط تسبب بأمور سلبية في الشارع العراقي. وقال عضو اللجنة والنائب عن البصرة بدر الزيادي، إنّ “وزارة الداخلية منحت 5 آلاف إجازة حيازة وحمل السلاح لمواطنين في البصرة من غير المستحقين لها”، مضيفاً، في تصريح صحافي، “طالبنا الوزارة عدّة مرات بعدم منح رخص حمل السلاح بشكل غير منضبط”. وأوضح أنّ “القانون حدد من يحق له الحصول على رخصة حمل سلاح “لكنّ وزارة الداخلية قامت خلال الفترة الأخيرة بتجاوز ذلك، ومنحت رخصاً لغير المستحقين”، مشيراً إلى أنّ “الكثير من الأمور السلبية حدثت في البصرة بسبب الرخص التي منحت خارج الضوابط، ونعمل حالياً على متابعة هذه الرخص من أجل سحبها وإلغائها”.

بدوره، أكد أحد شيوخ البصرة لـ”العربي الجديد”، أنّه “حصل على رخصة لحمل مسدسات شخصية له ولابنه خارج الضوابط القانونية”، موضحاً أنّ لديه “علاقة مع أحد المسؤولين في الوزارة، وقد ساعدني بالحصول على الرخصتين، على اعتبار أنّ البصرة تشهد معارك عشائرية، والأمن غير مستتب بها، وأنّ المسدس الشخصي للحماية الشخصية”. ورفض الشيخ الكشف عن اسمه أو اسم المسؤول في الوزارة خوفاً من المساءلة وسحب الرخص. وأكد أنّ “غالبية الشيوخ وأبنائهم حصلوا، عن طريق علاقاتهم أو عبر دفع مبالغ مالية معينة، على رخص حمل سلاح، على الرغم من أنهم ليسوا ضمن الفئات التي نص عليها القانون”.

وأكد مسؤولون أمنيون أنّ الكثير من الجرائم تنفّذ عبر الأسلحة المرخصة. وقال النقيب في شرطة بغداد أحمد الربيعي لـ”العربي الجديد”، إنّ “العديد من جرائم القتل نفّذت بأسلحة مرخصة”، موضحاً أنه “تم القبض على عدد من المجرمين بدوافع مختلفة، ومن خلال سير التحقيق نكتشف أنهم يملكون رخصة لحمل السلاح”، مؤكداً “أنها رخص رسمية وليست مزورة. تأكدنا من ذلك من خلال التحقيق”. كما أكد ذلك قاضٍ في إحدى محاكم بغداد، الذي قال لـ”العربي الجديد”، إنّ “الأدلة الجنائية كشفت أن العديد من الأسلحة المرخصة استخدمت في تنفيذ جرائم، وهذا ليس محصوراً ببغداد فحسب، بل في أغلب المحافظات، وقد خاطبنا وزارة الداخلية بذلك”.
وحذّر مراقبون من خطورة استمرار العمل بقانون حمل الأسلحة، مطالبين بوقفه جراء استغلاله. وقال خبير أمني إنّ “القانون استخدم كغطاء لعسكرة المجتمع وتهديد السلم فيه”، مبيناً لـ”العربي الجديد”، أن “القوانين العراقية يجب أن تكون مناسبة للوضع الأمني الذي تعيشه البلاد”. وأكد أنّ “هذا القانون تسبب بانفلات السلاح، ووصوله إلى العصابات المنظمة، وحتى إلى الجهات الإرهابية، التي تستخدمه في تنفيذ جرائمها”، مبيناً أنّ “تلك الجهات تتنقل اليوم داخل المدن العراقية بسلاح مرخص، ولا أحد يستطيع أن يعترض طريقها”. وشدّد على “ضرورة وقف هذا القانون، وإعادة النظر به، وضرورة التعاطي مع قوانين كهذه وفقاً للواقع الأمني في العراق، الذي يتطلب قوانين تحافظ على السلم المجتمعي، لا العكس”.

اترك رد