أكثر من مجرد وزارات شاغرة في العراق …مشرق عباس

أن تفشل القوى السياسية العراقية في إكمال كابينة عادل عبد المهدي الوزارية بعد عام من الانتخابات، ليس أمراً غريباً، وأن تمضي الحكومة ربما إلى نهاية عمرها من دون انتخاب وزراء للداخلية والدفاع والعدل والتربية، ليست مفاجأة، بل ترجمة حقيقية لمستوى الاستهتار السياسي الذي ما زال ينظر إلى الدولة كـ”وليمة”.

سيقول البعض، وهم صادقون، في حال تم اختيار الوزراء أم لم يتم سيان، فمعظم الوزراء في العراق من ضمن مهامهم الأساسية استثمار إمكانات وزاراتهم لخدمة أحزابهم أو رد الدين للأطراف التي رشحتهم، وعدم الاتفاق يعني أن الصفقة ما زالت غير مكتملة، والأمور تسير في نهاية المطاف، بالوزير أو من دونه، إلى حين الاتفاق على صاحب الحظ السعيد.

وبالطبع ليس ثمة مفارقة أن تنشغل القوى السياسية عن الاختناق الذي قاد إليه صراع الوزراء بصفقة دسمة أخرى تخص وكلاء الوزارات وقادة الجيش والقوى الأمنية والسفراء والمدراء العامين، فيغدو من الطبيعي الاتفاق على وكيل لوزارة التربية مثلاً من دون الاتفاق على وزيرها!.

ولأن هناك من يريد اقناعنا بأن لا شيء يستدعي التوقف عنده، ولا شيء يستحق النقاش حوله، تمر مرور الكرام، أخبار عن رفض هيئة “المساءلة والعدالة” التي ورثت ملف اجتثاث البعث أسماء 6 مرشحين من القيادات العسكرية والأمنية لتولي وزارتي الدفاع والداخلية سبق وقدمهم عبد المهدي لتدقيق أسمائهم، والأدهى أن من بين الأسماء المطروحة الفريق عبد الغني الأسدي وهو قائد قوات جهاز مكافحة الإرهاب للسنوات الماضية، واعتبر شعبياً من أبطال حرب القضاء على تنظيم “داعش”!

عملياً، إن القوى السياسية التي رشحت الأسدي وباقي الضباط كانت تعرف مسبقاً أنهم سيتعرضون للإبعاد والرفض بدعوى “اجتثاث البعث”، ولو أرادت فعلاً تمرير أحدهم لما تم رفضه في الأساس، لكنها لعبة مختبرة مع الأسماء المقبولة شعبياً والمرفوضة سياسياً التي تكون في العادة معبراً إلى الأسماء المنتقاة، والاحتفاء لاحقاً بالممارسة الديموقراطية ونتائجها وأدواتها، بعد الالتفاف على أمراضها وسرطاناتها.

ويمكن تفهم لامبالاة الأحزاب السياسية في تطويل لعبة شد الحبل هذه إلى حين نيل مرادها، لكن إصرار رئيس الوزراء عادل عبد المهدي على مجاراة هذه اللعبة وعدم وضع حد لها بالمواجهة المباشرة مع البرلمان وأحزابه وأمام الرأي العام غير مفهوم أبداً.

لقد أشر عبد المهدي عبر فترة اعتكافه السياسي التي سبقت اختياره لرئاسة الحكومة إلى واقع الابتزاز السياسي الذي تمارسه الأحزاب ضد رئيس الوزراء، ودعا مراراً إلى تغليب المصلحة الوطنية على مصالح الأحزاب مهما كان ثمن ذلك على المتصدين للمسؤولية، ومع هذا فإنه يفترض اليوم أن اللوم سيقع على الأحزاب لا عليه شخصياً، في هذا الوضع غير المقبول لحكومته.

أن يكون العراق بحاجة في هذه المرحلة الخطرة من تاريخ العملية السياسية، ووسط المخاطر الإقليمية المحيطة، إلى الهدوء والتكاتف السياسي، أمر في غاية الأهمية، لكن ذلك لا يجب أن يكون على حساب التسليم للأحزاب والخوف من ردود فعلها.

في السياسة هناك دائماً قراءات للفرص السانحة، وعلى عبد المهدي الذي تحمل مسؤولية السلطة التنفيذية إجادة قراءة هذه الفرص إذا كانت تصب في المصلحة الوطنية.. عليه التقدم للبرلمان سريعاً بأسماء وزراء يختارهم شخصياً ويتحمل مسؤوليتهم، وأن يوقف مهزلة المشاورات الماراثونية مع الأحزاب السياسية، وأن يحتمل معارضتها ويكشف للناس سبب اتخاذه لموقفه هذا.

ربما ستقود هذه الخطوة الجريئة إلى مطالبات حزبية بإسقاط الحكومة الحالية، وربما ستعمل الماكنة الإعلامية الهائلة للأحزاب على تسقيط عبد المهدي وتجريمه ولن تتوان عن اتهامه بالعمالة والخيانة، وربما يتم استقدام تهمة “البعث” بحقه من أعماق صفحات التاريخ الحديث، وقد يتكالب عليه المتكالبون لسحب الثقة منه حتى، لكنه سيكون قد أوفى بوعده لشعبه بأن يخوض معارك عادلة، وهذه المعركة ستكون الأكثر عدلاً في تاريخه، بعد أن حفلت الشهور الماضية بفيض من روائح الفساد والصفقات في ملف تقاسم الأحزاب لمؤسسات الدولة ومشاريعها وسياساتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.