دور الأيتام في العراق: قصص مأسوية يفاقمها الإهمال الحكومي … بغداد ــ محمد الملحم

لا خطوات حقيقية نحو برامج حكومية لرعاية الأيتام في العراق، رغم استمرار ارتفاع أعدادهم مع كل موجة عنف تعصف ببلاد الرافدين، إذ بلغت وفق تقارير برلمانية وحكومية سابقة أكثر من 5 ملايين يتيم بعموم مدن البلاد، بل حتى دور الأيتام لا تزال معدودة على رؤوس الأصابع، ومنها ما يعود تاريخ بنائه إلى خمسينيات القرن الماضي.

دار رعاية الأيتام في بغداد، أو دار رعاية براعم الأطفال، واحدة من بين هذه المؤسسات، وقد أُسست في عام 1957 برعاية الملكة عالية بن الحسين زوجة الملك غازي، ووالدة الملك فيصل الثاني إبان الحكم الملكي في العراق، بحسب الباحث الاجتماعي الأقدم معمر حافظ.

ويوضح حافظ لـ “العربي الجديد”، أنه “في بغداد أربع دور لإيواء الأيتام، دار مختلطة وفيها المستفيدون إلى عمر 6 سنوات، وداران للبنات وأخرى للذكور، وفي كل محافظة من محافظات العراق هناك دار حكومية لإيواء الأيتام، أي إن مجمل عدد دور الإيواء لا يتجاوز 20 داراً”.

ويبيّن أن “الطاقة الاستيعابية مثلاً لدار براعم الصليخ هي 100 مستفيد، لكن عدد المستفيدين من الدار الآن هو 60 يتيماً فقط، يحظون برعاية كاملة، صحّية ودراسية، إلى أن يبلغوا من العمر 18 عاماً، يحق لهم البقاء بسبب الدراسة، لكن يسقط عنهم هذا الحق بعد هذا العمر، ومنهم من يحظى بفرصة العمل في الدار بشكل طوعي”.

ويوضح المتحدث أنّ جرائم الإرهاب والتفجيرات التي حدثت في بغداد، كانت سبباً في دخول عدد من الأيتام إلى هذه الدار، بعد أن فقدوا الأب والأم، أو أحدهما، مناشداً الحكومة العراقية، أن تفتح للمستفيدين من دور رعاية الدولة من الذكور والإناث درجات وظيفية خاصة، لإكمال مسيرتهم الحياتية بعد 18 عاماً بدل أن يتركوا مجدداً عرضة للشارع.
ويقول الباحث الاجتماعي في دار رعاية أيتام الصليخ في بغداد مصطفى محمد، لـ”العربي الجديد”: “نستقبل في دار رعاية البراعم من 6 سنوات إلى 18 عاماً، ويتم ذلك وفق قرار من القاضي”.

ويضيف محمد: “أصبح الفقر عاملاً آخر يجعل المعوزين والفقراء، يلجؤون إلى دار رعاية الأيتام ويودعون أبناءهم فيها، خوفاً عليهم من الانحراف في الشارع بسبب الجوع والحرمان، أو ازدياد حالات الطلاق وتمزق الأسرة بسبب الفقر، أي إن الفقر عامل جديد طرأ على مجتمعنا يزيد من نسبة المحتاجين إلى خدمة دار رعاية الأيتام حتى بوجود الأبوين”.من جهته، يقول قاسم تتر الموظف في دار رعاية براعم الصليخ لـ”العربي الجديد”: “نقدم الرعاية الأسرية والصحية والاجتماعية للأيتام، من دراسة وترفيه وكافة المستلزمات الحياتية، ونهتم بوضعهم الدراسي أولاً، لنضمن لهم مستوىً ثقافياً وفكرياً ومساعدتهم في تأمين مستقبلهم”.

ويضيف تتر: “يحتاج المستفيد من الدار إلى مكان يلهو فيه، وخصوصاً أن أعمارهم تحتم عليهم اللعب ولنا ساحة كبيرة مهملة في الدار ناشدنا المسؤولين لإصلاحها وتجهيزها لهذا الغرض، ولم نلق غير الوعود، علماً أن رئيس الوزراء السابق زار الدار ولفتنا عنايته إلى ذلك، ولليوم لم نر على أرض الواقع شيئاً”.
ويتمنى الطفل المستفيد من الدار علي يقضان أن يكون ممثلاً مشهوراً، ويقول لـ”العربي الجديد”: “أتلقى هنا عناية جيدة ويرعاني كل الموجودين في الدار وكل الأطفال الآخرين إخوتي، وتزورني أمي دائماً لتطمئن إلى صحّتي وكيف أقضي يومي في الدار”.

من جهته، يقول علي ناصر المستفيد من الدار: “نحن نعيش هنا بخير والحمد لله، لكن بعد عمر 18 سنخرج إلى الشارع، ويمكن أن نتزوج وننجب أطفالاً ونودعهم بسبب الفقر في الدار كحالتي، نحتاج إلى النظر في قضيتنا والحصول على تعيين في الدولة للخلاص من الفقر”.

وكانت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، قد أعلنت في وقت سابق من هذا العام، أن عدد الأطفال الأيتام في العراق يقدر بخمسة ملايين طفل من مجموع نحو 140 مليون يتيم في العالم، وأوضحت اليونيسف في تقرير لها أن 5 في المائة من أيتام العالم موجودون في العراق.

وأقر مسؤول بوزارة العمل والشؤون الاجتماعية في العراق، بأن الفساد أحد أسباب تآكل الرعاية الخاصة بالأيتام.

وأضاف في حديث لـ”العربي الجديد”، بعد أن طلب عدم ذكر اسمه، أن البلاد بحاجة إلى ما لا يقل عن ألف دار إيواء أيتام لسحب كل الأطفال من الشوارع، وضمان عدم انحرافهم وبناء مستقبل آمن ومحترم لهم، لافتاً إلى أن منحاً مالية ومساعدات دولية تبخرت في السنوات الماضية، والحكومة لا تمتلك رؤية عن كيفية معالجة المشكلة الاجتماعية الأولى في البلاد.

وتابع: “دور الأيتام فيها قصص مأسوية قد لا نصدقها حتى بالأفلام، لكن بالشارع هناك قصص أكثر رعباً ووجعاً، وستكون أشدّ ما إن يكبروا بلا تعليم ولا مستقبل واضح”.

 

اترك رد