وسط حشد يميني… هل تغير انتخابات البرلمان الأوروبي شكل القارة العجوز؟

وسط أجواء من عدم اليقين، ومع اقتراب شبح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وتنامي الأحزاب القومية، (اليمين المتطرف)، يتجه نحو 500 مليون ناخب أوروبي إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في انتخابات البرلمان الأوروبي، التي تجرى في الفترة من 23 إلى 26 مايو (أيار) لاختيار ممثليهم، في انتخابات هي الأكثر تشاحناً منذ بدء الاقتراع عام 1979.

وحسب المعهد الملكي للشؤون الدولية (شاثام هاوس)، فمن المتوقع على نطاق واسع أن تفوز الأحزاب القومية (الشعبوية) بعدد كبير من المقاعد، ومع جهود واسعة يقودها شريك الائتلاف الحاكم في إيطاليا، ماتيو سالفيني، لتوحيد أحزاب اليمين المتطرف في جبهة واحدة.

وفي المقابل يقود الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون جبهة أخرى، تمثل يسار الوسط والأحزاب الليبرالية، وما بين اليمين والوسط فإن المشهد يطرح تساؤلاً بشأن عما إذا كان يجب أن نتوقع مزيداً من الاستقطاب لسياسات الاتحاد الأوروبي؟ وما التأثير الذي ستحدثه التركيبة الجديدة للبرلمان الأوروبي؟

آليات الانتخاب
يتشكل البرلمان الأوروبي من 751 مقعداً، وتتحدد نسبة كل دولة من المقاعد وفقاً لعدد سكانها، فعلى سبيل المثال تستحوذ ألمانيا على العدد الأكبر من المقاعد حالياً بـ96 مقعداً، بينما تملك كل من قبرص ومالطا وإستونيا ولوكسمبرغ أقل عدد من المقاعد بستة مقاعد لكل منها.
ومن سخرية القدر أن البريطانيين سيكونون أوائل المقترعين في 23 مايو (أيار)، إذ كان من المفترض عدم مشاركة المملكة المتحدة، التي تسعى للخروج من الاتحاد الأوروبي، فيما يعرف بالبريكست، لكن بعد فشل مفاوضات الخروج وتمديد المادة 50، ستبقى بريطانيا ثلاثة أشهر أخرى، لما بعد الثاني من يوليو (تموز)، وتشير استطلاعات الرأي إلى تقدم حزب بريكس المناهض للكتلة الأوروبية.

تختلف آليات التصويت من دولة إلى أخرى، مع شرط أن يكون عدد المقاعد، التي فازت بها الأحزاب السياسية متناسباً تقريباً مع حصتها من الأصوات، التي حصلت عليها في الانتخابات. وبمجرد انتخابهم، ينظم جميع المشرعين في مجموعات لعموم أوروبا (توجد حالياً ثمان) وفقاً لخطوط أيديولوجية عريضة.

وكانت أقوى مجموعة منذ فترة طويلة هي حزب الشعب الأوروبي (EPP)، الذي يمثل يمين الوسط، وهو تحالف يضم الحزب المسيحي الديموقراطي الحاكم في ألمانيا، وحزب الجمهوريين المعارض الرئيسي في فرنسا، وهو التحالف الأكثر تمثيلاً في البرلمان الأوروبي بعدد مقاعد 217.

أمَّا المجموعات الأخرى فهي التحالف التقدمي للديموقراطيين والاشتراكيين (S&D)، وتحالف الليبراليين والديموقراطيين من أجل أوروبا (ALDE)، ويصنف ضمن أحزاب الوسط، وتحالف GUE-NGL اليساري المتشدد، ومجموعة تحالف الأخضر الأوروبي الحر (Greens–EFA)، إضافة إلى ثلاث مجموعات تمثل القوميين والشعبويين وتحالف “المحافظون والإصلاحيون الأوروبيين” (ECR)، وهو تحالف مشكّك في أهمية الكتلة الأوروبية، ومجموعة أوروبا الحرية والديموقراطية (EFDD)، ويتزعمه السياسي البريطاني نايجل فاراج زعيم حزب الاستقلال، الذي يقود دعوات البريكست، ومجموعة أوروبا الأمم والحرية (ENF)، التي يتزعمها كل من السياسية الفرنسية ماري لوبان، وهي يمينية متشددة، والسياسي الهولندي مارسيل دو جراف، ويمثل حزب الحرية اليميني المتطرف.

محور اليمين بزعامة سالفيني
في يناير الماضي (كانون الثاني)، أطلق ماتيو سالفيني، نائب رئيس الوزراء الإيطالي ورئيس حزب رابطة الشمال اليميني المتشدد، استراتيجية للسيطرة على المؤسسات الأوروبية، معلناً إنشاء ما يسمى “محور روما – وراسو” المناهض للهجرة، وذلك بالتعاون مع بولندا. وسرعان ما رحب رئيس وزراء المجر، فيكتور أوربان، بالمبادرة التي وحدت زعماء اليمين المتطرف داخل الاتحاد الأوروبي، قائلا إنه “سيتحد مع دول مثل إيطاليا وبولندا لتغيير اتجاه الكتلة (الاتحاد الأوروبي)”.

وفي أثناء التحضير لهذا المحور أعلن ئيس الوزراء اليميني الشعبوي في بولندا، ماتيوس موراويكى، “مع سالفيني نحن في نفس الصفحة فيما يتعلق بالعديد من المسائل الأوروبية”.

وأشار إلى “التمييز” ضد بولندا من قبل بروكسل، ودعا المستشار اليميني في النمسا، سيباستيان كورتز، العام الماضي، إلى تشكيل “محور” مناهض للهجرة مستخدماً نفس اللغة.

ومجدداً هذا الأسبوع، احتشدت أحزاب قومية ويمينية متطرفة من شتى أنحاء أوروبا بقيادة سالفيني، متعهدة بإعادة تشكيل القارة الأوروبية بعد انتخابات البرلمان الأوروبي.

ويشعر سالفيني، زعيم حزب الرابطة، بالثقة في أن تحالفه الذي تشكل حديثاً سيفوز بعدد قياسي من المقاعد في الانتخابات، مما سيمنحه صوتاً قوياً في تحديد كيفية إدارة الاتحاد الأوروبي المؤلف خلال السنوات الخمس المقبلة.

وفي تجمع أمام الكاتدرائية القوطية في مدينة ميلانو الإيطالية، شاركت أحزاب من 11 دولة من بينها حزب التجمع الوطني الفرنسي وحزب البديل من أجل ألمانيا وحزب الحرية الهولندي المناهض للإسلام.

هذا المشهد من اتحاد أحزاب اليمين المتطرف، وصفته مارين لوبان زعيمة حزب التجمع الوطني، بأنه “لحظة تاريخية”، متوقعة أن يصبح التحالف الجديد ثالث أكبر تكتل في البرلمان الأوروبي المقبل بعدما حلّ اليمين المتطرف في المركز الثامن في الانتخابات السابقة.

وحسب دراسة للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، فإن الأحزاب القومية والشعبوية المناهضة للكتلة الأوروبية ربما تصبح ثاني أكبر مجموعة في البرلمان بنسبة مقاعد تصل إلى 35%، إذ ستكون القوة متوازنة بين الكتلة اليسارية وحزب الشعب الأوروبي، وتلك الأحزاب الشعبوية. ومن ثم فإن هذا السيناريو يولي أهمية كبرى للتعاون بين القوى الموالية للكتلة الأوروبية خارج حدود الجماعات السياسية التقليدية.

محور ماكرون – ميركل
هذه التوقعات جنباً إلى جنب مع المكاسب، التي حققتها أحزاب اليمين المتطرف والشعبويين على صعيد الانتخابات المحلية في أنحاء أوروبا، دفعت الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، للتحذير مباشرة وعلانية ممن يعتبرهم خطراً يهدد بتدمير أوروبا، داعياً إلى تشكيل ائتلاف تقدمي كبير. وهو على الأغلب نفس مضمون تصريحات المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، هذا الأسبوع، التي دعت فيها المسؤولين السياسيين الأوروبيين إلى الوقوف “بشكل قاطع” بوجه “التيارات التي تريد تدمير أوروبا”.

وبلغ مناخ التشاحن السياسي، إلى حد اتهام ماكرون “الأحزاب القومية بالتواطؤ مع أطراف أجنبية”، بهدف “تفكيك أوروبا”، مشيراً بالتحديد إلى ستيف بانون المستشار “اليميني المتشدد” السابق للرئيس الأميركي.

وأشار ماكرون، في تصريحات إلى صحف فرنسية، “لا يمكننا إلاّ أن نشعر بالقلق. ينبغي على المرء أن لا يكون ساذجاً، لكنّي لا أخلط بين الدول وبعض الأفراد، حتى إذا كانوا مجموعات ضغط أميركية أو أوليغارشيين روساً قريبين من الحكومات”.

وقال دبلوماسي أوروبي، رفيع في القاهرة، لـ”إندبندنت عربية”، إن “الحكومات الأوروبية، وعلى رأسها الحكومات في فرنسا وألمانيا تعمل على مكافحة التطرف اليميني”.

وأشار إلى “أن أحزاب الوسط المعتدل يقع عليها عاتق تشكيل محور يحول دون التطرف سواء نحو اليمين أو اليسار”.

وأضاف “أن قضايا عديدة، على رأسها أزمة اللاجئين والتدفق الجارف الذي شهدته أوروبا، خصوصاً عندما تقع حوادث يتورط فيها مهاجرون، ربما تمثل عاملاً مهماً في منح دفعة لأحزاب اليمين وتلك المعادية للمهاجرين”.

ومع ذلك، يرى الدبلوماسي الأوروبي أن “استطلاعات الرأي ليست دائماً صادقة، وهناك مواطنون لا يعبرون عن وجهة نظرهم الحقيقية في الاستطلاعات”.

اترك رد