مجلس الحكم الانتقالي في ذكراه الـ16.. أحزاب أكثر ومحاصصة أكبر

تأسس مجلس الحكم العراقي في العام 2003، بقرار صادر عن سلطة الائتلاف المؤقتة في العراق بقيادة الولايات المتحدة ممثلة في الحاكم الأميركي بول بريمر. وقضى القرار بتعيين 25 عضوا في هذا المجلس مثلوا معظم الطوائف والاتجاهات السياسية والدينية والعرقية الموجودة في العراق. وقامت سلطة الائتلاف بتحديد مهام ومسؤوليات هذا المجلس، والتي من بينها تعيين الوزراء المؤقتين، والعمل بالتنسيق مع سلطة الائتلاف على رسم السياسات العامة للبلاد، وتحديد الموازنة العامة للدولة، إضافة إلى وضع الإجراءات اللازمة لإنشاء دستور للعراق الجديد.

وفي مثل هذه الأيام قبل نحو 16 عاما، تحديدا في 24 أيار 2003، كانت سلطة الائتلاف المؤقتة التي شكلتها الولايات المتحدة في العراق عقب غزوها البلاد، قد بدأت مهمة تشكيل ما أطلق عليه رسميا “مجلس الحكم الانتقالي” (مجلس الحكم العراقي)، وذلك بعد أيام من تسمية الأميركي بول بريمر حاكما مدنيا على العراق، حينها لم يكن هناك سوى 13 كتلة سياسية أتى أغلبها مع الأميركيين من خارج البلاد، أو انسابت إلى العراق من إيران. اتخذت تلك الكتل أشكالا مختلفة بين حزب وحركة وتجمع، مثل حزب الدعوة الإسلامية، والحزب الإسلامي العراقي (الجناح السياسي لحركة الإخوان المسلمين في العراق)، والمجلس الإسلامي الأعلى، والمؤتمر الوطني وحركة الوفاق الوطني، والحزب الشيوعي العراقي، والحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب الاتحاد، إلى جانب شخصيات أخرى تم اختيارهم كممثلين عن المكونات العراقية الإثنية والقومية في هذا المجلس، الذين عادت وتراجعت أدوار معظم من شارك فيه وتوفي قسم منهم، مثل عز الدين سليم، وجلال الطالباني، وعقيلة الهاشمي، وأحمد الجلبي، وسلامة الخفاجي، وعبد العزيز الحكيم.

“مجلس الحكم الانتقالي يعتبر أول عنصر مكرس للمحاصصة الطائفية في العراق بعد عام 2003، إثر اعتماده المداورة الطائفية في رئاسته الشهرية”.

مرة يكون الرئيس سنيا ثم شيعيا فكرديا، وتم استبعاد المسيحيين ومكونات عراقية أخرى من رئاسته من قبل الأميركيين. وتوالى على رئاسة المجلس كل من محمد بحر العلوم، ثم إبراهيم الجعفري، فأحمد الجلبي، وإياد علاوي، وجلال الطالباني، وعبد العزيز الحكيم، وعدنان الباجة جي، ومحسن عبد الحميد، ومسعود البارزاني، وعزالدين سليم، وغازي الياور، قبل الإعلان عن حله رسمياً في الأول من تموز 2004، بعد تشكيل الحكومة العراقية المؤقتة برئاسة إياد علاوي، واختيار غازي مشعل عجيل الياور رئيسا للجمهورية.
“أحد أبرز مشاكل العراق هو استمرارية روحية المحاصصة الطائفية التي ثبتها مجلس الحكم”

وعلى الرغم من استمرار المجلس لأقل من عام واحد، إلا أنه ما زال يعتبر النواة الأولى للعملية السياسية الحالية في العراق، التي باتت تضم أكثر من 230 حزبا، في آخر تحديث على قائمة الأحزاب من قبل مفوضية الانتخابات العراقية مطلع نيسان الماضي.

وقال عضو الحزب الشيوعي العراقي أحمد الصقلاوي، إن “مجلس الحكم أساس لما يشهده العراق اليوم، فإصلاح العملية السياسية في البلاد يجب أن يكون جذرياً، بمعنى أن نعود لأصل المشكلة ونصلحها، فمن جاء بهم الأميركيون لا يهتمون بالعراق”.

وأضاف، أن “الأميركيين دعموا الأحزاب الإسلامية الطائفية ودفعوها لتسلم السلطة بالبلاد، وكشيوعيين خصوصا ومدنيين عموما لدينا تجربة سيئة بهذا الأمر، فقد تأكدنا منذ عام 2003 خلال مشاورات جمع القوى العراقية لتأسيس هذا المجلس، أن الأميركيين لا يرغبون سوى بالقوى الدينية وأزاحوا الآخرين عن الصورة، تحديدا الحزب الشيوعي، بسبب فكرة ساذجة بمخيلتهم عن الشيوعيين في العراق تعود لفترة الخمسينيات وعلاقتهم بالاتحاد السوفييتي، أو لاعتقادهم بأن المدنيين في العراق نسخة أخرى من حزب البعث”.

ولفت الصقلاوي إلى أن “أحد أبرز مشاكل العراق اليوم هو أن روحية مجلس الحكم مستمرة حتى الآن، على الرغم من حله عام 2004، وهي روحية المحاصصة الطائفية البشعة التي دفع العراقيون ثمنها شلالات من الدم ومئات المليارات من الدولارات التي نهبت واستقرت بالخارج”.

ورصد مراقبون عراقيون في هذا الإطار الإعلانات المتكررة من قبل مجلس المفوضين في المفوضية المستقلة للانتخابات للعراق، حول إشهار أحزاب جديدة بين فترة وأخرى، والإعلان عن اعتمادها رسميا من قبل مفوضية الانتخابات، التي أكدت في آخر بيان لها، في نهاية شهر إبريل الماضي، منحها إجازة تأسيس حزب جديد استنادا إلى قانون الأحزاب والتنظيمات السياسية رقم (36) لسنة 2015. وأكدت المفوضية أنّ “مجلس المفوضين يواصل النظر في طلبات تسجيل الأحزاب التي استكملت إجراءات التسجيل، لغرض منحها إجازات التأسيس”.

ووفقا لعضو في مجلس أمناء مفوضية الانتخابات، فإن “الأحزاب العراقية ما زالت تتوالد، وقد ترتفع قبل الانتخابات المحلية المقبلة نهاية العام المقبل إلى 270 حزباً وحركة وتجمعا سياسيا. وهو ما يعني أن عدد الأحزاب والحركات السياسية في البلاد زاد منذ أول اجتماع لمجلس الحكم الانتقالي عام 2003 ولغاية الآن إلى أكثر من 20 ضعفاً”.

“القالب العام للعملية السياسية الذي أوجده الأميركيون، سمح بتكاثر الأحزاب الطائفية والقومية وتراجع الأحزاب اليسارية”.

وكانت الانتخابات التشريعية الأخيرة التي شهدتها البلاد منتصف العام الماضي، وهي الرابعة منذ الغزو الأميركي ـ البريطاني للبلاد عام 2003، شهدت مشاركة 204 أحزاب سياسية من أصل 237 موجودة في العراق حالياً. ونجحت تلك الأحزاب في تسجيل تحالفات وقوائم بلغ عددها 86 تكتلاً انتخابيا.

وكشف العضو ذاته أن “ارتفاع عدد الأحزاب في العراق كان سيكون أمرا جيدا لو كانت جديدة أو تشكلت من داخل العراق، لكن الذي يحدث هو أن أحزاب مجلس الحكم تتناسخ”.

ورأى أن “القالب العام للعملية السياسية في العراق الذي أوجده الأميركيون، سمح بتكاثر الأحزاب الطائفية والقومية وتراجع الأحزاب اليسارية في البلاد. والعراقيون يدفعون ثمن ذلك كل يوم، إذ دخل البلاد أكثر من ألف مليار دولار بين عامي 2003 و2019، وما زالت من دون كهرباء ولا ماء ولا مستشفيات أو مدارس والفقر يتضاعف والبطالة تنهك الأسر. ولم تغن تلك الأحزاب الشارع إلا بالشعارات”.

واعتبر أن “المفوضية مجبرة على اعتماد أي حزب جديد ما دام متوافقا مع قانون الأحزاب لعام 2015 النافذ بالبلاد”.

بدوره، اعتبر النائب عن كتلة صادقون، أحمد الكناني، أنه “يجب على مفوضية الانتخابات أن تراعي الضوابط لتسجيل الأحزاب والتنظيمات السياسية، وتراعي أيضا الكم الهائل من الأحزاب في البلاد”، مضيفا أن “هذا العدد الكبير سيسبب فوضى في البلاد”.

وأكد أنه “لا يوجد في أغلب الدول الديموقراطية في العالم أكثر من 10 أحزاب”، مشيرا إلى أن “هذا العدد الهائل يجب أن يوضع له حد، لكونه يربك المشهد السياسي، وإن كان ذلك مباحا قانونيا ودستوريا من باب الحريات الحزبية”.

ولفت إلى أن “الأحزاب الفعالة هي ممثلة بالعملية السياسية والبرلمان، أما الأخرى فتحتاج إلى تنظيم”.

أما النائب عن تحالف الصدر (سائرون) سلام الشمري، فقال إن “أغلب الأحزاب المسجلة في البلاد هي حبر على ورق”، مضيفا أن “أكثر الأحزاب شكلت اليوم لمجرد التثبيت السياسي والدخول في العملية السياسية وما شابه ذلك”.

ونوه إلى أنه “هناك أحزاب وفئات عدة، منها من كان منتميا إلى حزب كبير وانشق منه، ومنها من أسس حزبا منفصلا، لكن البرلمان اليوم أصبح بحزبين وكتلتين كبيرتين حتى يعمل لخدمة الصالح العام”.

وأشار إلى أن “البرلمان كان يضم تكتلات وأحزابا عدة، واليوم اتحد جميع أعضاء البرلمان وانضوت كل القوى تحت الحزبين”.

“مراقبون ينتقدون قانون الأحزاب العراقي، الذي أقره البرلمان عام 2015، والذي أتاح الفرصة لفوضوية تشكيل الأحزاب”.

وقال الخبير السياسي، عادل الخزرجي،، إن “قانون الأحزاب العراقية لم يضع حدودا صارمة لفوضوية تشكيل الأحزاب، بل ترك الحبل على الغارب، وأفسح المجال واسعا لكل من أراد تشكيل حزب”.

وأوضح: “كما سمح القانون للأحزاب بأن تنضم لكتل سياسية معينة أو تنفك عنها بإراداتها”، مبينا أنه “لا يمكن القبول بهذه الفوضوية بتشكيل الأحزاب، وأنّ هذه الحالة ستدفع باتجاه تجاوز عدد الأحزاب الـ300 حزب، في وقت من الأوقات، فنصبح أكبر دولة بالعالم في عدد الأحزاب”.

وحذر من خطورة تلك الأحزاب على الوضع الأمني والسياسي في البلاد، معتبرا أن “أغلبها تأسس على مبادئ طائفية وعنصرية وقومية، ويعمل على كسب أعضائه وفقاً لتلك المبادئ”.

وكان البرلمان أقر القانون رقم 36 لسنة 2015، وهو أول قانون للأحزاب في العراق بعد عام 2003، إلا أن هذا القانون تعرض لانتقادات كبيرة بسبب عدم قدرته على الحد من ارتباط بعض الأحزاب بالخارج، فضلا عن استمرار غموض مصادر تمويلها، وفقا لموقع “العربي الجديد.

اترك رد