لماذا لا تزال الحرب العراقية الإيرانية تطارد المنطقة؟

أعاد موقع “ناشيونال إنترست” نشر مقال (نشر أول مرة عام 2014) للمحلل المتخصص في الشأن الإيراني في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، بنهام بن تالبلو، يقول فيه إن الصراع الذي لا يزال يشغل كثيرا من النخبة التي تحكم إيران لا يعار له أي اهتمام في أمريكا.

ويقول تالبلو في مقاله، الذي ترجمته “عربي21″، إنه “على مدى السنوات رأينا تذكرا لانقلاب 19 آب/ أغسطس 1953 ضد رئيس الوزراء محمد مصدق، والمقالات حول الثورة الإسلامية عام 1979 كانت دائما حاضرة، لكن تاريخ 22 أيلول/ سبتمبر 1980 -عندما قام رئيس العراق صدام حسين بغزو إيران- لم يحظ بتلك الأهمية بالنسبة للمهتمين بالشأن الإيراني، ناهيك عن المهتمين بالسياسية الخارجية بشكل عام في واشنطن”.

ويرى الباحث أن “هذا خطأ، فليس هناك حدث واحد صاغ الأيديولوجية الثورية الإيرانية والسياسة والنظرة للمجتمع والأمن أكثر من الحرب الإيرانية العراقية”.

ويسرد تالبلو أربعة أسباب لكون هذا الصراع لا يزال مهما، ولكون إهمال الغرب لإرث تلك الحرب سيكلفه، على النحو الآتي:

فكر إيران الثوري لا يزال مستمرا

ويقول الكاتب إن “آية الله خميني صاغ الحرب مع العراق على أنها حرب مقدسة، وأطلق عليها لاحقا (الدفاع المقدس)، وشكلت الحرب للقيادة الإيرانية بعدا أيديولوجيا، إلى درجة أنها مسحت الحدود القومية، فقسمت العالم إلى خير وشر، بالإضافة إلى أنها استخدمت الصيغ المعادية لأمريكا التي استخدموها ضد الشاه، وأعلن الخميني أن (صدام حسين الذي يهاجمنا نيابة عن أمريكا، وعندما نرد عليه فإن ذلك لا علاقة له بالشعب العراقي الذي هو أخ لنا)، وما ميز تلك الحرب دعم أمريكا لها، والاعتقاد (الخاطئ استراتيجيا) بأنها ستحظى بالدعم الشعبي”.

ويبين تالبلو أن “صدى تفكير الخميني يظهر بوضوح في أقوال الزعيم الروحي الحالي لإيران، علي خامنئي، الذي يقول إن أمريكا هي (التي أعطت الضوء الأخضر لصدام) للهجوم على إيران، وبالنسبة لخامنئي فإن التآمر الأمريكي حاضر دائما، وللأسف فقد ثبتت صحة فكرة تأييد أمريكا للعراق، التي أتت في وقت لاحق في فترات محددة من الحرب”.
ويشير الباحث إلى أن “الخميني أراد أن تنتقل الثورة إلى خارج إيران، فطلب من الشعب العراقي أن (يثور على الشخص الذي وقف الآن ضد الإسلام).. ومن هنا جاءت فكرة (تصدير الثورة)، وعاشت هذه الفكرة منذ مولد حزب الله في لبنان، التي تعود لتلك الفترة، إلى يومنا هذا، ففي خطاب حديث لقائد الحرس الثوري الجنرال محمد علي عزيز الجعفري، قال إن مهمة الحرس الثوري وفيلق القدس هي (مساعدة الحركات الإسلامية، والقيام بثورة إسلامية، ولمساعدة المقاومين المقموعين في أنحاء العالم)”.

ويقول تالبلو: “باختصار، فإن الحرب الإيرانية العراقية مهدت الطريق لعولمة الثورة الإيرانية، التي لا بد أن تنتشر، ويدافع عنها بالقنابل والرصاص”.

السياسة، أو الحرب الإيرانية العراقية بأساليب أخرى

ويلفت الكاتب إلى أن “كبار السياسيين والعسكريين في إيران صنعوا أمجادهم في ساحات تلك الحرب أو غرف القيادة الخلفية، فمثلا قائد الحرس الثوري الجنرال قاسمي سليماني، أدى دورا مهما في تلك الحرب، وآية الله رفسنجاني، الذي أصبح رئيسا لإيران بعد الحرب (1989-1997)، تجد في مذكراته المختلفة عن إدارة تلك الحرب وأثرها على الصراعات الفصائلية الداخلية، التي لا تزال موجودة إلى اليوم، وكل رئيس إيراني منذ ذلك الحين كان قد أدى دورا ما في تلك الحرب ما عدا محمد خاتمي، فمحمد أحمدي نجاد شارك في المعارك، وكذلك الرئيس الحالي حسن روحاني، الذي تبوأ عدة مناصب، مثل قائد الدفاع الجوي الإيراني، وعمل في المجلس الأعلى للدفاع خلال الحرب، وتقول الشائعات إنه كان عين وأذن رفسنجاني على الحرس الثوري أيضا”.

ويجد تالبلو أنه مع أن الخميني قبل على مضض بوقف إطلاق النار المقترح من مجلس الأمن، إلا أن ذلك كان بداية لحرب داخلية، وذلك مضافا إليه وفاته بعد عام، قسم النخبة السياسية إلى قسمين حول المشاركة في النظام العالمي القائم (خاصة ما يتعلق بشركات النفط) أن يتحاشوا ذلك، ولو نظرنا إلى ذلك الانقسام لوجدنا أنه بين فريقين، فريق تعلم من أخطاء الحرب، وفريق بقي يصر على مضاعفة الجهد في الاتجاه ذاته”.

ويرى الباحث أن “الحرب الإيرانية العراقية لا تزال دائرة بشكل معين، لكن بدل السلاح بالأقلام، التي تهاجم بعضها لسجلاتهم في الحرب، ولا تزال عناوين الصحف في إيران تشير إلى الحرب بشكل يومي تقريبا، ويؤدي ما يريد فيها من كشوف جديدة إلى التغيير، ولا تزال المبارزات السردية وإرث تلك الحرب مستمرا، ولذلك آثار سياسية حقيقة في الغرب”.

لا يزال إرث الحرب الاجتماعي في إيران مهما

ويفيد تالبلو بأنه “عادة ما ينظر المسؤولون الإيرانيون إلى فترة الحرب بشيء من الحنين، ويستخدمونها تأييدا أو استشهادا في كلامهم، ومن منظور النظام فإن الأمر مفهوم، وكان الخميني حيا وقتها، وقادرا على توجيه الشعب إلى التضحية، والطلب منهم أن يتحملوا المعاناة لأجل الثورة، وفي الوقت الذي كان فيه الجميع متحدين ضد العدو الخارجي قامت الجمهورية الإسلامية بالقضاء على المعارضة السياسية في الداخل”،

ويجد الكاتب أنه “بالنظر عن كثب إلى هذه الفترة تجد أن هناك معاناة بشرية كبيرة، وقدم المجتمع تضحيات كبيرة، ولا تزال مقابر مثل (جنة الزهراء) شاهدة على حجم التضحيات، ولا يزال المسؤولون الإيرانيون يحاولون استعادة روح التضحية والاستشهاد التي تجاوزها المجتمع من خلال تغريداتهم”.

وينوه تالبلو إلى أن “فترة ما بعد الحرب قد شكلت تحديا كبيرا لتلك السردية، فالقيم الثورية التي وضعت إيران في خلاف مع الشرق والغرب في نهاية الحرب الباردة لم يتم التخلي عنها بعد، وفي مواجهة التغير في الأجيال يقوم الزعماء الإيرانيون، مثل رئيس الأركان سيد حسن فيروز أبادي، بالإشادة بالحرب، فيقول: (يجب أن يبقى الدفاع المقدس حيا إلى الأبد مثل الثورة الإسلامية)، وقامت إيران بإنشاء المتاحف التي تضم تضحيات الذين شاركوا في تلك الحرب”.

ويبين الباحث أنه “لمعرفتهم بالآراء المختلفة لدى الشعب الإيراني، خاصة الشباب، سعى المسؤولون لاستخدام الحرب الإيرانية العراقية لتشجيع (الوحدة).. ولا غرابة أن تحمل الصحيفة الرسمية (كيهان) عنوانا نقلته عن القائد علي فاضلي يقول: (الدفاع المقدس كان أفضل فترة تاريخية في حياة الجمهورية الإسلامية)”.
ويقول تالبلو: “حتى خامنئي وضع ثقله، وقال: (بالرغم من عظم التضحيات الدنيوية والروحية في الحرب التي فرضت علينا، إلا أن ما حققته الأمة الإيرانية خلال ثماني سنوات من الدفاع المقدس كان عظيما، مقارنة مع التضحيات)، ومن بين هذه الإنجازات هي تحويل الحرب إلى (ثقافة)، إلى شيء يستحق أن يعاش ويلوح به على مستوى الشارع (لمحاربة العقوبات) ولمحاربة تهديدات مثل (الغزو الثقافي)”.

عقيدة الأمن الإيرانية: مقدسة ودفاعية

ويبين الكاتب أنه “بالنسبة لإيران بقيت الحرب الإيرانية العراقية تحمل دروسا عسكرية قاسية، فقد أبرزت جوانب كثيرة من العجز العسكري التقليدي والقيادة والضبط، بالإضافة إلى التوتر بين الجيش والمدنيين، وخلال الحرب اختزلت هجمات الإيرانيين ضد العراقيين ما تستطيع البسالة والحماسة أن تحدثه ضد الجيوش الأكثر تقدما تكنولوجيا”.

ويقول تالبلو: “إن حققت إيران انتصارات تكتيكية، مثل احتلال شبه جزيرة الفاو، فإن ذلك كان قصيرا، حيث واجهت الهجمات الكيماوية من العراق، وواجهت طائرات سوبر إتندارد مسلحة بصواريخ إكسوسيت، بالإضافة إلى البحرية الأمريكية في الخليج”.

ويستدرك الباحث بأنه “بالرغم من الإخفاقات في ساحة المعركة، إلا أن إيران تسوق سجل حربها على أنه كان كافيا لردع خصومها، وحرمانهم إمكانية غزو إيران أو ضربها”.

ويشير تالبلو إلى أن “هذا التفكير يعكس قول حسن رحيمبور أزغادي من المجلس الثوري الثقافي الأعلى: (لو لم تكن هذه الثماني سنوات لكانت هناك عشر حروب فرضت علينا، وهذه الحروب ذاتها التي بدأوها في لبنان وسوريا والعراق، كانوا سيبدأونها في إيران.. إن الدفاع المقدس هو الذي جعل العدو لا يجرؤ على مهاجمتنا)، ومع أن ذلك قد يبدو مبالغة، إلا أن الجمهورية الإسلامية لا تزال تجني أرباحا في مجال الردع”.

ويعتقد الكاتب أنه “من منظور استراتيجي، فإن الحرب الإيرانية العراقية تضخم في إيران حتى أنها تشبه (بحرب عالمية ثالثة)، ومع مرور الوقت استحوذ على إيران استنباط الدروس من الحرب، مثل الإشادة بمفهوم (الاكتفاء الذاتي) خلال الحرب بصفته (إنجازا عظيما)، ثم إن إيران ذهبت إلى الاستثمار في إمكانيات غير تقليديه وأدوات للحرب غير المتكافئة، وبحسب لجنة الأمم المتحدة الخاصة لنزع أسلحة الدمار الشامل في العراق، فإن صدام استخدم 63% من صواريخه ضد إيران، ما حدا بإيران لتطوير صواريخها، ولا يزال الإعلام الحكومي يتغنى بضابط الحرس الثوري الذي قام بعملية “هندسة عكسية” لصواريخ سكود العراقية”.

ويؤكد تالبلو أن “كل ناحية من تصرفات إيران التي تزعج أمريكا تعود جذورها إلى الحرب الإيرانية العراقية، وهذا ينطبق على الإرهاب في لبنان، وكراهية السعودية والقوارب السريعة في الخليج، ودعم المقاومة ضد إسرائيل”.

ويختم الباحث مقاله بالقول: “اليوم إيران تدعم نظام الأسد في سوريا؛ لأن حافظ الأسد هو الذي كان يدعمها خلال الحرب، كما تعلمت إيران من الحرب أن من يحكم العراق يهم، ولذلك فستبقى تتدخل في العراق في المستقبل المنظور”.

لقراءة النص الأصلي اضغط

اترك رد