صيفٌ ساخنٌ .. نُذر حرب أو صفقة … علاء أبو عامر

“سنكون أمامَ صيفٍ ساخنٍ”، عبارة أطلقها، قبل أيام، الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، زياد النخالة، ولفتت أنظارَ المتابعين، والسؤال الذي طُرح حينها: هل هي مُرتبطة بالأوضاع في قطاع غزّة، أم أنّها تتجاوز ذلك إلى الصراع الأميركي الإيراني المُرتقب؟
على جبهةِ المواجهة الإيرانية الأميركية، الّتي مسرحُها منطقتنا، تفيد المؤشرات بأن مرحلة الصَلف والغطرسة الأميركيتين، وما يقابلهما من عنادٍ إيراني، لن تنتهي بصفقة ودّية، فالمُعطيات الحالية تقول إنّ الإيرانيين غير جاهزين لها، وفق شروط الرئيس دونالد ترامب التعجيزية. ولكن الإيرانيين، في تحدّيهم الولايات المتحدة وحلفاءها، ليسوا متُلهفين للحربِ، فهي مُدمرة لهم ولغيرهم، والذكيُ يسعى إلى تجنب الحرب، ويجعلها آخر خياراته. والظن أنّ الحرب ليست خيارًا بالأساس في استراتيجيتهم، فهم يريدون الربح لا الخسارة، حيث لديهم حلفاء أصغر منهم، يستطيعون الاعتماد عليهم في تنفيذ تكتيكاتٍ مؤذيةٍ للحلفِ المضادّ لهم. وعليه، يبعثون رسائل ذات طابعٍ عسكري من خلال هؤلاء الحلفاء. ولن تكون الغارة الحوثية في ميناء الفجيرة في خليج عُمان، وهجوم الطائرات المسيرة في الرياض، حيث محطات لضخ النفط، عمليات يتيمة؛ وقد شلت الغارة الحوثية بسبعٍ من الطائرات المسيرة صادرات النفط السعودية مؤقتًا، وأدّت إلى ارتفاع أسعار النفط. وعندما يتعلقُ الأمر بشلِّ صادرات النفط السعودي، والخليجي بشكل عام، فهذا يُدلي برسالة إيران إلى الولايات المتحدة وأوروبا والإقليم، مفادها بأنه إذا منعتمونا من تصدير النفط، فلن يُسمح لأحدٍ آخر في المنطقة بذلك أيضًا.
تحدٍّ إيراني مبدئي، يُشير اليوم، كما كان ذلك معلومًا، وقبل حادثتي الرياض والفجيرة، إلى أنّه إذا اندلعت الحرب بين إيران والولايات المتحدة، سيدفعُ الجميع الثمن، لا إيران وحدها، بل ستتحول المنطقة كلها إلى كتلةِ لهبٍ؛ اليمن، لبنان، فلسطين، العراق، سورية، أفغانستان، ودول الخليج والكيان الصهيوني.. وغيرها.
إيران في واقعها الحالي، ليست عراق صدام حسين. هي قوة إقليمية عظمى، تُهيمنُ على معظم منطقة الشرق العربي، وما شوهد خلال اليومين الماضيين ما هو إلا بروفة صغيرة، تدلُ على هشاشة أمن بعض دول الخليج ودفاعاتها، إذ كيف يُفسّر هذا الاختراق؟ وكيف تطيرُ طائرات مُسيرة صغيرة الحجم بهذا العدد، كلَّ هذه المسافة، وتصيب أهدافها بدقة؟ وكيف بها إذا كانت سُيّرتْ من قبل مجموعات كوماندوز يمني، دخلت الأراضي السعودية، وأطلقتها من الداخل!
من الأفضلِ للسعودية تقاسمُ النفوذ مع إيران، بدلَ مواجهتها. إيران كانت وستبقى دولة جارة عريقة في المنطقة، لن تستطيعَ إسرائيل والولايات المتحدة إزاحتها، أو تهميشها من جغرافيا الشرق الأوسط، وقد يكونُ من شبه المستحيل، في الوقت الحاضر، إسقاط نظامها. لذلك، لن يكونَ الحلُّ، إلّا بالتفاهمِ بينَ السعوديةِ وإيران، الأمر الّذي أشار له الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، بعد توقيع الاتفاق النووي مع إيران.
لا أحد جدياً، يُعوّل اليوم على الولايات المتحدة، إلا السذج، وبعضهم عرب، والنظر نحو إسرائيل استثناء من هذه المقولة خادع، كون الأخيرة ولاية أميركية، أكثر مما هي دولة مُستقلة، ومن الخطأِ تجاوز هذه الحقيقة. لذلك هناك فرقٌ واضح؛ أميركا لن تحاربَ إلّا من أجلِ أمنها ومصالحها، ستستنزفُ العربَ ماليًا، لكنها لن تحاربَ لأجلهم. أمّا الإيرانيون، فيلجأونَ إلى الحلِّ العسكري، فقط عندما يستشعرون خطرَ سقوط النظام، وكحلٍ للخروج من الأزمة الاقتصادية الّتي سببتها العقوبات الأولى، وأضعفتها العقوبات الأميركية الجديدة، بداية شهر مايو/ أيار الحالي، وهذه أكثر صرامةً من الأولى.
تطمحُ الولايات المتحدة، ومعها حلفاؤها في المنطقة، سيّما إسرائيل، أن تُسببَ العقوبات انهياراتٍ كبرى في الاقتصاد الإيراني، وبالتالي، بحسب المخطط الأميركي، فإن المجاعة ستتحوّلُ إلى ثورات غضبٍ داخلية، تؤجّجها أصابعُ الولايات المتحدة في الداخل الإيراني، فيرضخُ النظامُ الإيراني للمطالب الأميركية، بدلًا من أن يفقدَ سيطرتهُ على البلاد.
وهناك سببٌ آخر لحدوث الصدام؛ نظامُ الحكمِ في إيران ذو طابع ديني عقائدي، والعقائديون يُساوون بينَ الحياةِ والموت، بل، في أحايين كثيرةٍ، حياةُ الآخرةِ لديهم أهم من الدنيا. لا أستبعدُ حصول مواجهاتٍ محدودةٍ في مياه الخليج، بينَ القواربِ الإيرانية السريعة والبوارج الحربية الأميركية. ولكنْ مع تزايد الضغوطِ عليهم، قد يُحركون جبهاتِ يملكون سيطرةً عليها في العراق واليمن، وتكون جبهات جنوب لبنان والجولان وغزة مستبعدة في المرحلة الأولى من المواجهات إن حصلت، لأنَّ تحركَ الأخيرة لن يكون إلّا ضمن المواجهةِ الشاملة، إنْ وقعت.
في السنواتِ الأخيرة، حققَ الإيرانيون نجاحاتٍ كبرى في العراق وسورية ولبنان واليمن، وبَنوا تحالفاتٍ متينة، خصوصًا مع روسيا والصين والهند. لذلك، وبامتلاكهم مجموعة الأوراق هذه، وهم تجارٌ مَهرة في السياسة، سيعرفون متى يتشدّدون، ومتى يتراجعون بإبداءِ المرونة، سيستطيعون اللعبَ بها، أمامَ خصومهم وأعدائهم الإقليميين والدوليين. قبل أيامٍ، بدأتْ حربُ التصريحاتِ والتغريدات الإعلامية الأميركية -الإيرانية، وحشدت الولايات المتحدة البوارج وحاملات الطائرات. تهديدات وأخرى مُضادة. لذلك سيكون الصيفُ ساخنًا، حيث طالبَ ترامب القادة الإيرانيين بالاتصال به للتفاوض، يُريدهم ترامب راكعين، ولا أعتقد أن ذلك سيحدث، بعد كل هذه النُذر بالحربِ، والصفقات الموعودة لفلسطين والمنطقة. إذا لم تُسفرْ الأحداثُ عن حربٍ، فهي الطريقِ إلى ذُلٍ ما بعده ذُل.
الحربُ قادمة، وقد تمتدُ من إيران إلى غزة، ستصاحبها انتفاضاتٌ، لا بفعلِ إيران وصراعها مع الولايات المتحدة وكيان الصهاينة فقط، بل لأنّ نهاية عملية التسوية لا يُمكن أن يحلّ مكانها استكانة وخضوع للأمرِ الواقع الذي سيُفرض. الولايات المُتحدة وحلفاؤها، يحشرون إيران في الزاوية، ويضعونها أمام خيارين: التسليم بالشروط الأميركية – الإسرائيلية أو الصراع من أجلِ البقاء. وعلى الرغم من برودة الأعصاب والمهارة التي يتمتع بها الإيرانيون، كمفاوضين من طرازٍ رفيع، إلا أن عقلياتِ خصومهم الجدد، لا تمنحهم مجالاتٍ كبيرة للمناورة، خصوصًا عقلية ترامب وفريقه من المسيحيين الصهاينة العقائديين.
تستطيعُ إيران الخروج من أزمتها، إن قبلتْ بالشروط، وفتحت حوارًا مع كيان الصهاينة، عندها ستنتهي كل أزماتها، وتتقاسم النفوذ معهم، وتعود إلى قيادة الخليج والمنطقة، كما كانت في زمن الشاه. ولكنَّ تلك ليست عقلية قادةِ إيران، ستتطور الأزمةُ إلى صِدامٍ. تسير كلُ المؤشراتِ بالأمورِ إلى تلك النقطة، إذ إنَّ ما تفعلهُ إدارة ترامب هو تحطيم إيران اقتصاديًا، أملًا في ضعضعةِ أركان النظام على المدى القصير، وإسقاطه على المدى الطويل. وهذا التصعيدُ الإيرانيُ الأميركيُ سيقود إلى أحد الأمرين: حدوث الصدام المؤجل منذ أكثر من عقد، بما في ذلك العسكري المفتوح أو المحدود، أو صفقة إسرائيلية – إيرانية، برعاية روسية ودعم أميركي، على حساب العرب، وهو ما تسعى إليه إسرائيل والولايات المتحدة بالأساس، من تكثيف العقوبات. ويُشار بالذكر إلى أنّ إيران سمحتْ أخيرًا لرياضييها باللعب ضدّ اللاعبين الصهاينة في المسابقات العالمية.
ربما تكون إيران الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تحملُ مشروعا استراتيجيا ذا أبعاد عقائدية قومية. كانت قبلها سورية والعراق، لكن النتيجة كانت دمارهما. أمّا إيران فوضعها مختلف، لذلك، يعتمدُ الغرب سياسة الخنق الاقتصادي والحصار طويل الأمد؛ لفعل ذلك. حتّى الآن لم تنجح هذه الأدوات، وليس مرجحا نجاحها، إلا بعملٍ عسكري فوق تقليدي، الأمر الذي لا يملك مبرّرات تُسوّغه، طالما باقي الأدوات لم تُستنفد بعد.

اترك رد