تقرير أمريكي يرصد تشابها بين حرب العراق واحداث ايران

نشرت مجلة “فورين بوليسي” الامريكية تقريرا مطولا للصحفيين “مايكل هيرش” و”لارا سيليغمان”، يقولان فيه إن إدارة ترامب تقول إنها لا تريد الحرب مع إيران، لكن الكثير من أفعالها يقول شيئا آخر.
وجاء في التقرير، أنه في السنة التي انقضت، منذ أن انسحب الرئيس دونالد ترامب من الاتفاقية النووية مع إيران، التي وقعت عام 2015، فإن إدارته رفعت التوتر من خلال إعادة فرض العقوبات على إيران، فعملت على خنق صادرات النفط الإيرانية، ثم تصنيف الحرس الثوري على أنهم مجموعة إرهابية، ومؤخرا إرسال قوة ضاربة تتضمن حاملة طائرات إلى الخليج.
ويلفت الكاتبان إلى أنه كرد فعل، فإن إيران قالت إنها ستبدأ بالانسحاب جزئيا من الاتفاقية النووية، التي التزمت بها إيران وباقي الدول الموقعة على الاتفاقية لحد الآن”، مشيرة إلى أن هذا تحرك يخشى ناقدو ترامب أن يستخدمه لتبرير شن هجوم على إيران.

وتقول المجلة إنه “من الواضح أن سياسة ترامب تجاه إيران وقعت في يدي مستشار الأمن القومي جون بولتون، الذي لطالما دعا إلى تغيير النظام في طهران، وكان شخصية أساسية في الدفع نحو الحرب على العراق قبل عقدين”.

ويفيد التقرير بأن “المراقبين يلاحظون وجوه شبه بين ما يحصل الآن وما حصل خلال فترة التحضير لغزو العراق عام 2003، ليس أقلها وجود بولتون نفسه، وهو هذه المرة في موقع أكثر قوة من موقعه في 2003، والقلق هو أن بولتون كان في أواخر عام 2002 وبدايات 2003 وكيلا لوزير الخارجية، وكان مناديا بالحرب، واتهم بأنه تلاعب بالمعلومات الاستخباراتيه لتبرير الغزو، وقال في 2015 إنه غير نادم على الدور الذي قام به، فيما أصبح ينظر إليه على أنه كارثة استراتيجية”.

ويذكر الكاتبان أن “بولتون، وليس الرئيس ولا القائم بأعمال وزير الدفاع، باتريك شاناهان، كان هو من أعلن هذا الأسبوع عن إرسال حاملة الطائرات ابراهام لنكولن، والقوة الضاربة التي شملت أربع قاذفات بـ52 للشرق الأوسط، (لإرسال رسالة واضحة غير ملتبسة للنظام الإيراني بأن أي هجوم على مصالح أمريكية، أو مصالح حلفائنا، سيقابل بقوة غير متهاونة)”.

وينوه التقرير إلى أن “هناك تقارير بأن ادارة ترامب تتصرف بناء على معلومات استخباراتية حول تهديدات إيرانية قدمتها حكومة نتنياهو، الذي له أيضا تاريخ في محاولة التحريض على عدوان عسكري ضد إيران”.

ويشير الكاتبان إلى أن دور بولتون في إعلان نشر القوات صدم عدد من محترفي الأمن القومي في واشنطن، فقال المسؤول الكبير السابق في المخابرات في وزارة الخارجية غريغ ثيلمان، الذي اصطدم ببولتون عندما كان يعمل تحت إمرته قبل غزو العراق: “لم أسمع بأن ذلك حدث أبدا، إنه أمر غير مسبوق.. أن يقوم مستشار للأمن القومي باستخدام سلطته لإرسال هذا البيان، هذا لم يحصل حتى في غزو العراق”، فيما لم يستجب متحدث باسم بولتون مباشرة لطلب التعليق.

وتورد المجلة أن السيناتورين الديمقراطيين توم أودال وديك ديربين، كتبا مقالا في “واشنطن بوست”، يوم الأحد، يقولان فيه: “بعد غزو أمريكا للعراق بست عشرة سنة نتدحرج ثانية باتجاه صراع آخر غير ضروري في الشرق الأوسط، بناء على منطق خاطئ ومضلل”.

ويلفت التقرير إلى أن ناقدي ترامب يعتقدون أن إيران أكثر خطورة؛ لأنها أكبر وأكثر قوة عسكرية من العراق، ولأن الاتفاقية النووية مع إيران كانت ستحافظ على السلام أكثر من عقوبات الأمم المتحدة ضد صدام قبل عقدين.

وينقل الكاتبان عن ثيلمان، قوله: “إن هذا يبدو لي جهدا واضحا (من أمريكا) لاستفزاز إيران لتقوم بهجوم.. وهناك تشابه كبير مع العراق، فعندما قام العراق تحت الضغط بالسماح للمفتشين التابعين للأمم المتحدة بتفتيش منشآته، وقام بتفكيك الصواريخ، فإن ذلك لم يغير من الأمر شيئا، وأتوقع أن الأمر ذاته سيحدث الآن، فإيران كانت ملتزمة ببنود الاتفاق النووي، إنها أمريكا التي لم تلتزم”.
وتجد المجلة أن “الفرق بين العراق عام 2003 وإيران اليوم هو أنه إلى الآن على الأقل، لا يبدو أن هناك خطة لغزو أمريكي، لكن المنتقدين، مثل ثيلمان، يرون أن هناك استفزازا شبيها باستفزاز إدارة بوش الابن لصدام، التي فتحت الطريق أمام هجمات أمريكا على العراق بحجة”.

وتنقل المجلة عن المسؤول السابق في البنتاغون لورين ديجونغ شولمان، الذي يعمل حاليا في مركز “نيو أميريكان سيكيوريتي”، قوله: “لا أدري إن كانت هذه مثل حرب العراق؛ لأن بولتون يريد حربا مع إيران، وهو يبحث عن فرصة”، وأضاف قائلا إن بولتون وجد أن وزارة الدفاع “تستجيب لأولوياته ومصالحه بسرعة، ودون نقاش، ويريد أن يدرك الناس أنه يوجه السياسة الأمريكية تجاه إيران”.

ويفيد التقرير بأن مستشار الأمن القومي لم يخف رغبته المستمرة في تغيير النظام في طهران، فكتب في مقال له عام 2015، بأن “الحل الحقيقي للأسلحة النووية التابعة للملالي هو التخلص من الملالي أنفسهم”، مشيرا إلى أنه أعلن حديثا في الذكرى الأربعين للثورة الإسلامية في شباط/ فبراير، في فيديو تم نشره من البيت الأبيض، وكان موجها للزعيم الروحي الإيراني علي خامنئي، قائلا: “لا أظن أنه سيكون لديك المزيد من الاحتفالات بذكرى الثورة التي ستستمتع بها”.

ويذكر الكاتبان أن صحيفة “وول ستريت جورنال” نشرت في كانون الثاني/ يناير تقريرا، قالت فيه إن بولتون طلب من البنتاغون توفير أهداف عسكرية إيرانية للبيت الأبيض، بعد أن قام أشخاص بإطلاق قذائف هاون في بغداد.

وتكشف المجلة عن أن هناك بعض الأدلة على أنه منذ تعيين بولتون، فإنه نظر إلى مواجهة إيران على أنها أجندته الرئيسية، وأنه سعى لمنع المعارضة في الشأن الإيراني، حتى مع أن مهمة مستشار الأمن القومي هي أن يكون وسيطا نزيها بين الآراء المختلفة، لافتة إلى أن ترامب، الذي كان مترددا بحسب التقارير، بتعيين بولتون في بداية إدارته، قام بإقالة مستشار الأمن القومي السابق اتش ار ماكماستر، وأتى ببولتون قبل أسابيع من انسحابه من الاتفاقية النووية، وكان كل من ماكماستر ووزير الخارجية حينها ريكس تيلرسون يميلان لإيجاد طريقة للحفاظ على الاتفاقية النووية الإيرانية، وتمت إقالة تيلرسون لاحقا لفتح الطريق أمام مايك بومبيو الأكثر صقورية.

ويورد التقرير نقلا عن المسؤولين الأمريكيين، قولهم إن طلب تحريك القطع البحرية جاء من القيادة المركزية، لكنه ترك للبيت الأبيض ليعلن عنه، وقال المتحدث باسم القيادة المركزية (سنتكوم)، قائد البحرية بيل أربان: “بدأت القيادة المركزية بتطوير طلب للقوات بعد مؤشرات قريبة وواضحة بأن القوات الإيرانية والقوات الوكيلة تستعد لمهاجمة محتملة للقوات الأمريكية في المنطقة”.

ويقول الكاتبان: “يبدو أن قائد القيادة المركزية الجديد الجنرال كينيث ماكنزي يتماشى مع بولتن بخصوص الخطر الذي تشكله إيران ل‍أمريكا وحلفائها، فقد قضى نصف خطاب له دام 30 دقيقة في واشنطن يوم الأربعاء يدق ناقوس الخطر بشأن أنشطة طهران (الخبيثة) وطموحاتها العالمية”.

وتنقل المجلة عن ماكنزي، قوله: “إن إيران هي التهديد الأكثرأهمية على المدى الطويل للاستقرار في منطقة عمليات القيادة المركزية”، وأضاف أن طهران مسؤولة عن مقتل أكثر من 600 جندي أمريكي في العراق، مشيرة إلى أنه في الوقت الذي مقت فيه بعض الناقدين تحركات القوات الأمريكية الأخيرة في المنطقة، باعتبارها ليست سوى استعراض رمزي للقوة، فإن ماكنزي أصدر تهديدا ضمنيا بأن أمريكا لن تتردد في استخدام القوة القاتلة.

وقال ماكنزي: “في الوقت الذي لا نسعى فيه للحرب، فإن على إيران ألا تخلط بين سياستنا المتعمدة بعدم استعدادنا للقيام بفعل.. نحن ننشر قوة ذات وخبرة وجهوزية، ومنحتها المعارك صلابة، ومجهزة بأفضل المعدات والتدريبات في العالم”.

ويجد التقرير أنه مع أن شاناهان قال لأعضاء الكونغرس يوم الأربعاء بأنه قد وصلت للكونغرس “معلومات استخباراتية ذات مصداقية عالية جدا جدا” يوم الجمعة، حول تهديد إيراني وشيك، إلا أن الإدارة لم توفر تفاصيل، ما يثير بعض التساؤلات التي أثيرت قبل حوالي عقدين، ففي وقتها، اتهم عدد من خبراء الاستخبارات لدى الخارجية بولتون بالتلاعب في المعلومات حول العراق لتبرير آرائه المتشددة، وهدد من لا يتفق معه.

وينقل الكاتبان عن ثيلمان، قوله: “نمط التصرف الذي رأيته لدى بولتون وقتها ولاحقا هو أنه أسس لسجل جيد في اختيار المعلومات الاستخباراتية التي تخدم أي قضية يريد أن يدعمها”، وأضاف أن سجل توقعات بولتون “فظيع”، “أما ترامب فلا يهتم كثيرا في التفاصيل، وليس كثير الأسئلة عندما يتعلق الأمر بالإحاطات الاستخباراتية”.

وتختم “فورين بوليسي” تقريرها بالإشارة إلى أن أداء بولتون في الفترة التي سبقت حرب العراق، تسبب بأن يتهمه السيناتور الديمقراطي جو بايدين، خلال جلسة استماع الكونغرس للنظر في ترشيح بولتون سفيرا للأمم المتحدة في أيار/ مايو 2005، بعدم الأمانة.

اترك رد