العراق: ساحة المواجهة بين بومبيو وسليماني …جويس كرم

حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” والسفن الضاربة في طريقها إلى مياه الخليج فيما وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو يصل العراق في زيارة مفاجئة والرئيس الإيراني حسن روحاني يعلن عن انسحاب جزئي من الاتفاق النووي المبرم في العام 2015. وصل التصعيد بين واشنطن وطهران في الأيام الثلاثة الأخيرة إلى مستوى غير مسبوق منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، وساحته الأساسية هي بغداد.
التشنج الإيراني ـ الأميركي وصل ذروته في الأسابيع الأخيرة مع إدراج الحرس الثوري الإيراني، وهو الذرع العسكري الأقوى للنظام، منظمة إرهابية على اللائحة الأميركية وإلحاق ذلك بإلغاء الإعفاءات لثماني دول تستورد النفط من إيران.

رهان إيران على الديمقراطيين هو رهان ساذج

يطابق الرد الإيراني تماما توقعات وتمنيات الصقور في إدارة دونالد ترامب، بتراجعها عن الالتزامات في الاتفاق النووي وبالتالي الدخول في مواجهة اقتصادية مع الأوروبيين، وبمحاولة التصعيد أمنيا في المنطقة ضد المصالح الأميركية وهو تكتيك معروف وتقليدي للحرس الثوري ووكلائه.
استبقت واشنطن ردة الفعل الإيرانية، ببيان شديد اللهجة ليل الأحد يحذر من أي هجوم قد تقوم به إيران مباشرة أو بشكل غير مباشر ضد أي نقطة نفوذ للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، سواء في الخليج أو قطاع غزة أو مضيق هرمز. لكن العنوان الأبرز لأي ساحة مواجهة بين واشنطن وطهران هو في العراق، وبسبب التسريبات الاستخباراتية الأميركية حول خطط للحرس الثوري هناك، وزيارة بومبيو، وكونه نقطة وجود أكبر ع
من المقاتلين الأميركيين في المنطقة. فما هو نطاق المواجهة داخل العراق؟ وما أفق التصعيد بين البيت الأبيض والنظام في طهران؟
أراد بومبيو من زيارته إلى العراق، والتي جاءت على حساب ألمانيا ولقاء بين الوزير والمستشارة أنجيلا ميركل، أن يسلط الضوء على أولويات أميركا الأمنية في المنطقة. والرسائل الأهم للوزير الأميركي من بغداد هي أن لا انسحاب أميركي من العراق، ولا تراجع أمام تهديدات قاسم سليماني، وأن الرد الأميركي سيطال طهران قبل بغداد في حال تعرضت لمصالحها هناك.
التركيز على العراق جاء بعد معلومات استخباراتية تفيد أن قاسم سليماني أبلغ وكلاءه والقيادات الميليشياوية التابعة له في بغداد أن “المواجهة مع أميركا وشيكة”، بحسب موقع ديلي بيست. وهناك أيضا عدد كبير من التهديدات من هذه الميليشيات للقوات الأميركية خلال العام الماضي، ورصد لوجود مالي وقتالي أكبر لـ”حزب الله” اللبناني في العراق. فبلاد الرافدين توفر ساحة خصبة لإيران للتحرك ميليشياويا ولوجيستيا ضد الأميركيين بسبب توفر الوسائل القتالية، والمد الجغرافي وعدم الاضطرار لشن مواجهة مباشرة باستهداف قواعد عسكرية أميركية في الخليج.
إلا أن استباق بومبيو لهكذا عمليات، والرصد الاستخباراتي الأميركي المباشر لتحركات قاسم سليماني يعقّد أي خطط لطهران لضرب مصالح واشنطن في العراق وتفادي رد مباشر.
تغيرت قواعد المواجهة بين إيران والولايات والمتحدة، وزيارة بومبيو تؤكد أن واشنطن ستحاسب طهران مباشرة على أي هجوم ولو بشكل غير مباشر يستهدفها في العراق. خيوط الاستخبارات الأميركية توحي أيضا بالتقاء بين
وزارة الدفاع والبيت الأبيض والخارجية الأميركية حول فحواها، رغم مبالغة مستشار الأمن القومي جون بولتون بمستوى التهديد وتضخيمه إعلاميا. فالمعلومات الاستخباراتية وصلت وزارة الدفاع الأميركية أولا ومنها ذهبت للبيت الأبيض وليس العكس، وبالتالي قراءة التصعيد بأنه محصور ببولتون هو قراءة خاطئة ويتجاهل التحولات في الدفاع والخارجية حول طريقة التعاطي مع إيران.
في الوقت نفسه، التصعيد الحالي لا يعني مواجهة عسكرية حتمية بين واشنطن وطهران، إذ يدرك الطرفات كلفتها وتجنبا الدخول فيها طوال أربعة عقود. فالهدف النهائي لواشنطن وإدارة ترامب هو مفاوضات شاملة مع إيران من دون أي انسحاب أميركي من المنطقة؛ فيما هدف النظام في إيران اليوم هو تخطي حقبة ترامب والرهان على خسارته في تشرين الثاني/نوفمبر من العام المقبل.
في الواقع، لا المفاوضات الشاملة قريبة اليوم، ولا خسارة ترامب مؤكدة في هذه المرحلة. كما أن رهان إيران على الديمقراطيين هو رهان ساذج بسبب الأزمة الأعمق لطهران في أميركا وإقليميا ومع الكونغرس.

الرصد الاستخباراتي لتحركات سليماني يعقد أي خطط لطهران لضرب مصالح واشنطن في العراق

فإدراج الحرس الثوري لن يتم شطبه بشكل فوري من الرئيس أو الرئيسة الأميركية المقبلة، وضمان مصالح أميركا ووجودها في المنطقة ليس سياسة ديمقراطية أو جمهورية. وبالتالي فإن رهان الحرس الثوري على إحراج أميركا باحتمال استهدافها في العراق، يقوي صقور إدارة ترامب ويضمن
سياسة أكثر تشددا ضد طهران بغطاء استخباراتي ومن مختلف المؤسسات الأميركية.
سيستمر شد الحبال بين بومبيو وسليماني في المرحلة المقبلة، ويضع العراق وحكومته في موقع حساس لجهة عدم امتلاك الأوراق لكبح أي من الجانبين. لكن، زيارة بومبيو والتحذير الأميركي يساعدان بغداد على محاولة ردع إيران عن القيام بأي عمل طائش، إذ سيكون رد الفعل عليه أبعد من العراق وقد يفتح الباب على حرب إقليمية.

اترك رد