القرى العربية المدمرة شمالي العراق: الجميع متورط والمحاسبة غائبة … بغداد ــ علي الحسيني

تقدر مصادر في وزارة التخطيط العراقية، والتي تتولى منذ نحو عامين عملية حصر الأضرار التي خلفتها الحرب على تنظيم “داعش” منذ 2014 ولغاية مطلع 2018، عدد القرى العربية، في نينوى وكركوك وديالى وصلاح الدين، والتي تعرضت للتجريف والتدمير الكلي من قبل أطراف الصراع بأكثر من 300 قرية، إلا أن مصادر حقوقية ونشطاء من تلك المحافظات يتحدثون عن رقم أعلى بكثير.
وتدخل القرى العربية، التي تتواجد غالبيتها في مناطق محاذية لحدود إقليم كردستان، عامها الرابع، من دون أهلها، إذ تم تفجير منازلها وتجريف الأراضي الزراعية، من دون أن تفتح الحكومة العراقية ملفها حتى الآن.
وقال سياسيون ومسؤولون سابقون في الحكومة السابقة التي ترأسها حيدر العبادي، في أحاديث مع “العربي الجديد”، إن جهات عدة متورطة في ملف تدمير وتهجير القرى العربية، بعضها مشارك في العملية السياسية أو داعم لها، لكنهم يؤكدون أن هذه القرى “ستعود لأهلها ولن يكون هناك تغيير أو تلاعب بتركيبتها السكانية، خصوصاً المسيحيين منهم”.
ودمر تنظيم “داعش” قرى عدة قرب الحويجة والبعاج، بتهمة محاربة الأهالي له ووقوفهم مع قوات الأمن العراقية. أما قوات البشمركة فتورطت بتجريف عشرات القرى مثل إسماعيل أوه والخناجر والحلوات والبو محمد والطوالع. ويقول الأكراد إن هذه المناطق، الخاضعة حالياً، لسيطرة القوات العراقية، تم إسكان عراقيين من المكون العربي فيها بعدنا طردهم حزب البعث منها، فيما ينفي الأهالي ذلك. من جهتها، تورطت مليشيات تركمانية، وأخرى تابعة لـ”الحشد الشعبي” وفصائل أيزيدية متحالفة مع حزب العمال الكردستاني، في تدمير بعض القرى.

وفي المحصلة، فإن عشرات القرى من طويلعة وسعد والوحدة والبومحمد والعطشانة التابعة لقضاء داقوق جنوب كركوك، ثم الشمسية والمرعية والجديدة في طوزخورماتو شمال تكريت، مروراً بقرى حمد والحلوات وسعدة والعبيد والبيار وعبود ورأس الغربي في آمرلي بمحافظة صلاح الدين، إلى قرى سهل نينوى العربية المسيحية في تلكيف وباطنايا وفليفل وسيرين ووانه وقوش وقوتان ودير متى والكنيسة، انتهاء بربيعة على الحدود العراقية السورية المحاذية للحسكة ودير الزور، تحولت إلى مناطق خالية من الحياة.
ويقطن غالبية سكان تلك القرى في مخيمات ومعسكرات للعام الرابع على التوالي، ولا يسمح لكثير منهم بالعودة، بدعوى أنه لم يتم إزالة المفخخات من قراهم أو أنها غير صالحة للحياة، ولم يجد كثر ممن عادوا منازل تؤويهم.

وفي آمرلي التابعة لمحافظة صلاح الدين، ما زال بإمكان المسافرين إلى كركوك أو المتوجهين إلى بغداد رؤية القرى المدمرة، والتي تبلغ نحو 52، كلها عربية. وتوجه أصابع الاتهام إلى مليشيات تركمانية وأخرى كردية بالقيام بعملية التدمير بدعوى أنها “منابع لتنظيم داعش”، وفقاً لما أكده مسؤول عراقي رفيع المستوى في مكتب رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، قال إن “القرى العربية في تلك المناطق تعرضت لحقد عنصري من أطراف عدة، لكن هذا لا يمنع القول إن هناك قرى غير عربية دمرت أيضاً”. وأضاف، في حديث مع “العربي الجديد”، أنه “في ملف القرى لا أحد، على مستوى الكتل والقوى السياسية، مستعد الآن لبحث التفاصيل التي أدت للوصول إلى هذه الصورة، كونها ستخلق أزمة كبيرة في البلاد، فهناك مليشيات محسوبة على الحشد الشعبي متورطة بتفجير وتجريف قرى وإعدامات جماعية بحق السكان، وهناك مليشيات تركمانية، وأيضاً المليشيات الأيزيدية والبشمركة لها نصيب كبير من تجريف القرى. لكن الخبر الأكيد هو أن هذه القرى ستعود لأهلها، ولا يمكن أن يتغير سكانها أو تبقى مهجورة إلى الأبد”. ولفت إلى أن “العام المقبل، على الأكثر، سيشهد عملية البدء بترتيب أمور تلك القرى التي يزيد عددها عن 300 قرية، منها نحو 40 قرية عربية مسيحية، وهناك بضع قرى تركمانية، مثل البشير، قام داعش بتدميرها”.

وأكد حسين عبد القادر، وهو من سكان قرية تل الذهب في ضواحي آمرلي ويسكن حالياً في مخيم قرب مدينة كركوك، أنه “تم جرف منزله من قبل مليشيات تركمانية أشرف عليها شقيق وابن عم نائب حالي في البرلمان”. ولفت، في حديث لـ”العربي الجديد”، إلى أن “داعش انسحب من المنطقة وقرانا عامرة، لكن تم تدميرها بعمليات انتقام هستيرية من قبل المليشيات، وبعلم من مسؤولين في الحكومة السابقة برئاسة حيدر العبادي”. وتابع “أنا شيعي وزوجتي سنية وابني متزوج من تركمانية، لكن هذا الأمر لم يشفع في بقاء بيتي كما هو، بل تم تدميره بواسطة الجرافات بعمليات تذكر بما يفعله الصهاينة مع الفلسطينيين”.

من جهته، رفض المتحدث باسم فصائل “الحشد الشعبي” في شمال العراق، علي الحسيني، اتهام مليشيات تركمانية بتجريف القرى العربية، معتبراً أن كل من يقول ذلك “فاقد للمصداقية”. وقال إن “هذه القرى التي يتحدث عنها البعض دمرها تنظيم داعش، ونحن لدينا سياق وبرنامج لإعادة أهلها النازحين عبر إعداد ورقة التصريح الأمني لمن يعود منهم، ومن يمتنع عن العودة فهذا يعني أنه ينتمي لداعش ومطلوب للقضاء ويخاف العودة”.

ووفقاً لرئيس لجنة حقوق الإنسان في البرلمان العراقي، أرشد الصالحي، فإن “ملف القرى المدمرة في كركوك وصلاح الدين ونينوى شائك، ويحتاج إلى معالجة حقيقية من قبل الحكومة والبرلمان، وهناك قرى دُمرت وأخرى يمنع على أهلها العودة إليها لأسباب أمنية أو عدم وجود خدمات فيها”. وبيّن، في حديث مع “العربي الجديد”، أن “هذا الملف بحاجة إلى حلول لإنهاء موجة النزوح وإعادة إعمار جميع القرى المدمرة”.
وفي السياق، قال عضو مجلس محافظة كركوك معن الحمداني، لـ”العربي الجديد”، إنّ” السبب الرئيسي لعدم تحريك ملف القرى المدمرة في كركوك هو عدم قدرة الحكومة على توفير الأموال لإعمارها. ففي كركوك تم تدمير وتجريف ناحية الملتقى بشكل كامل، بالإضافة إلى 116 قرية تمتد من ناحية سركلان بقضاء الدبس مروراً بناحية الملتقى وأطراف ناحية طوزخورماتو انتهاءً بقرى قضاء داقوق. وجميع هذه المناطق تحوي قرى عربية تم تدميرها بدوافع قومية وطائفية”. وعن عملية إعادة إعمار هذه القرى، أكد الحمداني “عدم قدرة الإدارة المحلية على بناء القرى. هذا الأمر يحتاج تدخلاً من الحكومة الاتحادية في بغداد، إذ إن الدمار كبير”.

من جهته، أكد الباحث في جامعة كركوك، علي جعفر، أن “إعادة الحديث عمن تسبب بالتدمير، أو المتورط بانتهاكات، تحتاج إلى تأليف محكمة خاصة، لن يسلم أحد منها إذا قررت العمل بمهنية، فهناك مجازر مروعة وعمليات إعدام ميدانية، بالإضافة الى السرقات وتدمير المنازل والمدارس والمراكز الصحية وحرق البساتين”.

اترك رد