“كُتل الظل” تستعد لتصدر المشهد السياسي في العراق … بغداد ــ أكثم سيف الدين

يندفع البناء السياسي في العراق نحو التفكّك في ظل خلافات وصراعات محمومة وتنافس على المصالح، أفضت إلى تشكيل “كتل ظل” خلف التحالفات الرئيسية التي شكّلت الحكومة (تحالفي البناء والإصلاح). وبدأت تلك الكتل تستعد لتصدّر المشهد السياسي العراقي، وتعمل بمعزل عن إرادة تحالفاتها الرئيسة. ومع تسارع الأحداث، يؤكد مراقبون أنّ كل الكتل الكبيرة والجديدة، لن تصمد أمام الوضع العراقي وبسبب ارتباطها بأجندات خارجية، مؤكدين أنّها ستؤثر سلباً على العملية السياسية برمتها.
في السياق، قال مسؤول سياسي مطلع، لـ”العربي الجديد”، إنّ “مخاض العملية السياسية في العراق بدا عسيراً جداً، في ظلّ التشرذم والانقسام السياسي”، مشيراً في حديث لـ”العربي الجديد”، إلى أنّ “الكتل الرئيسية اليوم مفككة بشكل غير معلن، فرئيس البرلمان محمد الحلبوسي شكّل تحالفاً جديداً برئاسته، ليمثل المكون السنّي، وأغلب أعضائه من تحالف المحور. في المقابل لم ينتم تحالف القرار بزعامة أسامة النجيفي، لهذا التحالف، ويعمل حالياً على ترتيب صفوفه لتشكيل تحالف منفرد، في وقت اتفق فيه كل من زعيم تحالف النصر حيدر العبادي وزعيم تحالف دولة القانون نوري المالكي، وزعيم تيار الحكمة عمار الحكيم، على تشكيل تحالف جديد، واقتربوا من الحصول على 80 نائباً”.

وأضاف أنّ “الكتل الصغيرة الأخرى، تتحرك خارج إطار الفتح وسائرون، اللذين يجمع بينهما شبه تحالف، ويعدان نفسهما الكتلة الكبرى في البرلمان، ويسيطران على قرارته”، مشيراً إلى أنّ “التحالفات الجديدة بدأت العمل بمعزل عن إرادات تحالفاتها الرئيسية. الأمر الذي جعلها أشبه بتحالفات الظل التي تدير عملها وإرادتها من خلف الكواليس”.

في المقابل، لفت مسؤولون حكوميون إلى أنّ “التحالفات السياسية في العراق لا تدوم، كونها ترتبط بأجندات خارجية”. وقال المسؤول الحكومي، دلدار زيباري، إنّ “الكتل السياسية ليس لها عمق وجذور، فلا يمكنها تصدر المشهد السياسي من دون دعم خارجي، سواء من دول الجوار أو من واشنطن”، مضيفاً في تصريح لـ”العربي الجديد”: “بما أنّ تلك التأثيرات الخارجية لم تُبنَ على مصلحة العراق، بل على أساس مصالح تلك الدول كالولايات المتحدة وإيران وغيرها، فإنّ عمر الكتل يكون قصيراً”.

وقال زيباري، وهو عضو في مجلس محافظة نينوى عن المكوّن الكردي: “لا أتصور أن تكون لدينا كتل وواجهات مستدامة لفترة طويلة في العراق، وإن حصلت، فلفترة قصيرة وقد لا تتجاوز العام أو العام ونصف العام، ومن ثم تكون اختلافات بالتحالفات والمواقف لتفككها، وهذا ما يحصل الآن”. ولفت إلى أنّه “حتى الكتل الجديدة التي تتشكل حالياً فإنّ مصيرها مصير الكتل الرئيسية التي بدأت بالتصدع”. وأضاف “ما زالت التحالفات والمواقف العامة المبنية على الصبغة الطائفية أو القومية تعتمد على صبغة وقشور من الخارج، أمّا الداخل فهناك هشاشة في كل مكان”، مشيراً إلى أنّ “سرعة انهيار التحالفات الكبيرة وتصدعها ناتجة عن البنية الداخلية للكتل، التي شكّلت على كثير من التناقضات والحصول على مكاسب لحكم البلاد ووجود الأجندات الخارجية، ما يجعل الأمر غير مستقر”. حراك تشكيل “كتل الظل” كشف عن عزل كتلتي مقتدى الصدر وهادي العامري من التحاور باسم تحالفاتهما الرئيسة (الإصلاح، والبناء) بعدما بدت تلك التحالفات الكبيرة منقسمة.

بدوره، كشف النائب عن تيار “الحكمة”، محمود ملا طلال، في تصريح صحافي، أنّ “كتلته لم تطلع على الحوارات التي يجريها سائرون والفتح”، مستدركاً بالقول: “لا يحق لسائرون أن يتفاوض باسم تحالف الإصلاح، في توزيع رئاسات اللجان البرلمانية، والدرجات الخاصة، والهيئات المستقلة”. ومن المفترض أن ينتمي كل من تحالف “سائرون” و”الحكمة” إلى تحالف “الإصلاح”، وهي كتلتهما الكبرى التي جمعتهما خلال تشكيل الحكومة، أمّا تحالف “الفتح” فهو ضمن “تحالف البناء”.

ورأى مراقبون أنّ تفكك التحالفات السياسية، وتشكيل أخرى تعمل خلفها، سيعرقل عمل البرلمان بسبب تعارض الإرادات، وسيؤثر على سير العملية السياسية بشكل عام. واعتبر الخبير السياسي، فلاح الجابري، أنّ “هذا التفكك سيجعل من الكتل تتقاطع بعملها في البرلمان”، موضحاً في تصريح لـ”العربي الجديد”، أنّ “الكتل الحالية التي تسيطر على البرلمان (سائرون والفتح) لم تجد كتلا قوية تقابلها، لذا فرضت إرادتها على تمرير القوانين من عدمها”.

وأكد أنّ “وجود كتل الظل وبعدد نواب موازٍ للفتح وسائرون، سيتسبب بتعارض في العمل والتوافق، ما يعني أنّ ذلك سينعكس على سير العملية السياسية بشكل عام”، مشيراً إلى أنّ “الهدف من تشكيل تحالف الظل هو فرض إرادتها على تمرير القوانين، والخوف من انفراد تحالفي سائرون والفتح، خصوصاً أنّ تشكيل هذه التحالفات جاء بتوقيت متزامن مع محاولات التحالفين (الفتح وسائرون) تقاسم المناصب الثانوية بالدولة، والتي تمثل قوة الدولة عمقاً، فمن يستحوذ على تلك المناصب استحوذ على السلطة”. وأضاف “نترقب اليوم صراعاً محموماً بين الكتل الرئيسية والجديدة بشأن رئاسات اللجان البرلمانية، والدرجات الخاصة، والهيئات المستقلة، وغيرها من القوانين الحساسة”.

وبعد الانتخابات البرلمانية التي جرت في مايو/أيار 2018، شكّلت الكتل السياسية تحالفين رئيسين (البناء، والإصلاح) ضمّ الأول تحالف المالكي والعامري وجزءاً من تحالف المحور الذي يضم الحلبوسي والنجيفي، مع كتل صغيرة أخرى، بينما ضمّ الثاني تحالف الصدر وتحالف العبادي وتحالف الحكيم وجزءاً من تحالف المحور وكتلا صغيرة أخرى، في وقت لم يدخل الأكراد في هذين التحالفين.

اترك رد