ضحايا التحالف الدولي… جرائم حرب بلا حساب في سورية … تحقيق – أحمد حاج حمدو

هربت أم وائل الحسن من مدينة الرقة، في فبراير/ شباط من عام 2017 إلى جنوب تركيا، بعدما أغارت طائرات التحالف الدولي على منزل الأسرة. وحتى اليوم، لا تعرف المرأة الخمسينية أي شيء عن رفات ابنها وزوجته اللذين كانا في البيت، وتتوقّع أن يكونا ضمن إحدى المقابر الجماعية، التي جرى دفن جثث الضحايا الذين لم يتم التعرّف إلى هويتهم فيها.

وعلى غرار وائل الحسن وزوجته المرجّح قتلهما في تلك الليلة كما تقول الأم المكلومة، اعترف “التحالف الدولي” بمسؤوليته عن مقتل 1257 مدنيًا في سورية والعراق، خلال تنفيذه 34 ألف غارة على مواقع تنظيم داعش منذ سبتمبر/ أيلول 2014 وحتّى فبراير 2019، وفق ما جاء في بيان صحافي صدر في مارس/ آذار الماضي. لكن ثلاث مؤسسات حقوقية مختلفة تؤكّد أن الرقم الذي أعلنه التحالف غير دقيق، محصية مقتل ما لا يقل عن ثلاثة آلاف مدني في سورية وحدها على يد التحالف.

ثلاثة اعترافات

بالتزامن مع إعلان التحالف القضاء على تنظيم داعش في سورية، بعد السيطرة على آخر معاقله في قرية الباغوز شرقي دير الزور في 23 مارس الماضي، بدأ “العربي الجديد” تحقيقاً عن أعداد المدنيين الذين قتلهم التحالف الدولي، وتوصّل إلى مخالفة قوات التحالف للفقرة (هـ) من اتفاقية لاهاي، الخاصة باحترام قوانين وأعراف الحرب البرّية الصادرة في 18 أكتوبر/ تشرين الأول 1907، أو ما تعارف عليه الخبراء العسكريون المشاركون في التحقيق بقاعدة “النسبة والتناسب”، التي تقارن بين عدد الضحايا المدنيين في مقابل عدد المقاتلين، الذين يقصفهم التحالف ويستهدف القضاء عليهم. كما يوثق التحقيق تناقض أرقام الضحايا المدنيين الذين سقطوا على يد التحالف، مع ما وثقته المنظمات الحقوقية التي عملت على ملف الحرب في سورية.

شُكّل “التحالف الدولي” في سبتمبر/ أيلول 2014 لمحاربة تنظيم “داعش”، ويتكوّن من 79 دولة التزمت جميعها بإضعاف تنظيم داعش وإلحاق الهزيمة به في نهاية المطاف، على أن يجري تدمير البنى التحتية الاقتصادية والمالية لتنظيم داعش ومنع تدفق المقاتلين الإرهابيين الأجانب عبر الحدود ودعم الاستقرار واستعادة الخدمات الأساسية العامة في المناطق المحررة من داعش ومجابهة الدعاية الإعلامية للتنظيم، وذلك بحسب ما جاء في تعريف التحالف على موقعه الرسمي على الإنترنت.

وراجعت “العربي الجديد” البيانات الصادرة عن التحالف والتي اعترف فيها بسقوط ضحايا مدنيين خلال حربه على تنظيم “داعش”، ومن بينها بيان صادر في 30 نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2017، ويعد أول اعترافٍ يخص قتل المدنيين، إذ أقر التحالف بـ”مقتل 800 مدني على الأقل، في ضربات جوية نفذها في سورية والعراق خلال معاركه ضد تنظيم داعش”. وقال البيان: “إن التحالف بقيادة الولايات المتحدة ما زال يتحمل المسؤولیة عن أي عمل قد یتسبب بإصابات غیر مقصودة أو خسائر في أرواح المدنیین”.

البيان الثاني صدر في 31 أغسطس/آب 2018، ونشره التحالف على موقعه الرسمي، اعترف فيه بشن 29 ألف غارة و920 ضربة منذ بدء عملياته في المنطقة عام 2014 وحتى يوليو/تموز 2018، وخلال هذه الغارات قتل ما لا يقل عن 1061 مدنيًا بشكل “غير متعمد” حسب وصف البيان.

ووفقاً للبيان ذاته فإن التحالف كان يحقق في 216 بلاغًا عن مقتل مدنيين في غاراته في العراق وسورية، مشيرًا إلى أنه أنهى التحقيق في 18 بلاغًا، رفض 15 منها وتبين أن ثلاثة بلاغات تتمتع بالمصداقية، لكنه لم يكشف سبب عدم مصداقية البقية، وآلية تعويض المدنيين في التقارير الثلاثة الصحيحة.

وكان الاعتراف الثالث في الثامن والعشرين من شهر مارس الماضي، إذ نشر التحالف بيانا قال فيه إن 1257 مدنيًا سقطوا في أكثر من 34 ألف غارة شنها ضد مواقع تنظيم “داعش” في العراق وسورية خلال ما يزيد على أربعة أعوام، واللافت أن البيان قال “نستمر باستهدافنا وتنفيذ غاراتنا بشكل دقيق لتقليل أثر عملياتنا على المدنيين والبنية التحتية”.

الروايات المقابلة

في مقابل أعداد الضحايا المدنيين التي اعترف بها التحالف الدولي، تكشف قواعد بيانات منظمات حقوقية، أن العدد الحقيقي يفوق ما اعترف به التحالف بأضعاف، ومنها “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” التي أصدرت 20 تقريراً توثيقياً تخص انتهاكات التحالف، وفق ما يؤكّد مدير الشبكة فضل عبد الغني لـ”العربي الجديد”.

وفي آخر تقريرٍ إحصائي لها في 20 مارس الماضي، أكّدت الشبكة أن “التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، مسؤول عن مقتل 3035 مدنيًا في سورية وحدها، بينهم 924 طفلًا و656 امرأة، وذلك في الفترة بين سبتمبر 2014 ومطلع مارس 2019”.

ووفقاً للتقرير فقد سقط في عام 2017 أكبر عدد من الضحايا على يد التحالف، إذ وصل العدد إلى 1753 قتيلًا مدنيًا، وذلك على اعتبار أن عام 2017 شهد عمليات عسكرية واسعة للتحالف أدت إلى طرد التنظيم من مدينة الرقة عاصمة “داعش” السابقة.

وأحصى التقرير وقوع 172 مجزرة على يد التحالف، منذ بدء عملياته في سورية عام 2014، منها 99 مجزرة وقعت في مدينة الرقة وحدها.

يقول مدير الشبكة عبد الغني: “هناك فرق كبير بين الأرقام التي اعترف بها التحالف وبين الأرقام التي وثّقناها” موضحاً أن التحالف اعترف بقتل 1300 مدنيّ في سورية والعراق، بينما تملك “الشبكة” قواعد بيانات عن أكثر من ثلاثة آلاف مدني في سورية وحدها، وهذا يزيد بأكثر من ثلاثة أضعاف عمّا أعلنه التحالف.

في المقابل فإن موقع “الحروب الجوية” البريطاني والذي يراقب عمليات التحالف الدولي، يكشف أن غارات التحالف على سورية منذ أغسطس 2014 وحتى فبراير 2019، بلغ عددها 29 ألف غارة على سورية وحدها، وأدّت إلى مقتل 12 ألف شخص بينهم أزيد من ألفي طفل، وحوالي 1300 امرأة.

ويقول كريس وودز، مدير موقع “الحروب الجوية” لـ”العربي الجديد”: “على الرغم من أن التحالف الدولي اعترف بقتل ما لا يقل عن 1257 مدنياً بسبب هجماته منذ عام 2014 ، فمن المرجح أن يكون العدد الحقيقي للضحايا أعلى بكثير”.

وأضاف وودز، تقديرات الموقع تشير إلى أنه من المحتمل أن يكون عدد القتلى بين 7500 و 12 ألف مدني في سورية والعراق.

وبحسب وودز، فإن باحثي “الحروب الجوية” تتبّعوا أكثر من 2800 مدني قُتلوا في غارات التحالف في سورية والعراق، بينما يدّعي التحالف أن القتلى من تنظيم “داعش”، فيما يصر سكّان وأهالٍ على أن المناطق التي تم استهدافها كانت مدنية.

وأشار إلى أن التحالف تحدّث عن 33 ألف غارة جوية ومدفعية ضد داعش في سورية والعراق، ولكن الولايات المتحدة ترفض نشر تفاصيل حول الذخائر المستخدمة، فيما تشير البيانات الواردة من القوات البريطانية إلى أن 70% من الذخائر التي جرى إطلاقها كانت تزن 500 رطل أو أكثر (نحو 250 كيلوغرامًا) وغالباً ما نتج عنها دمار كبير في البُنى التحتية.

ويطابق ما توصل إليه “العربي الجديد” عبر مقارنة الروايتين، ما جاء في بيان صادر عن منظمة العفو الدولية في 25 إبريل/نيسان 2019 والتي قالت: “ما برحت قوات الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا تصر على الإنكار، ولا تعترف إلا بنحو 10% من القتلى” وتابع البيان: “إنه يجب على التحالف أن يتوقف عن الإنكار الذي استمر ما يقرب من السنتين بشأن أعداد القتلى الهائلة في صفوف المدنيين، والدمار الكبير الذي ألحقه بمدينة الرقة السورية”.

وعلى الرغم من تفاخر أحد المسؤولين العسكريين لقوات الولايات المتحدة الأميركية بأنه قد تم إطلاق 30 ألف قذيفة مدفع إبان الحملة، أي ما يعادل قذيفة كل ست دقائق على مدار أربعة أشهر متتالية، إلا أنه يجب تذكيره بأن هذا العدد يفوق أعداد قذائف المدفعية التي استخدمت في أي نزاع مسلح آخر منذ حرب فيتنام، ونظراً لأن هامش الخطأ في مثل هذا القصف يتجاوز 100 متر، فإن قذائف المدفعية غير الموجهة هذه تفتقر إلى الدقة بصورة مشينة، بينما يشكل استخدامها في المناطق المأهولة هجمات عشوائية، وفق ما جاء في البيان.

مخالفة قاعدة “النسبة والتناسب”

تنص الفقرة هـ من المادة 23 من “اتفاقية لاهاي” على حظر :”استخدام الأسلحة والقذائف والموارد التي من شأنها إحداث إصابات وآلام لا مبرر لها”، وهو ما بات معروفاً بقاعدة “النسبة والتناسب”، والتي تلاقي انتقادات بسبب تبريرها استهداف المدنيين في حالات الضرورة، كما يقول مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني لـ “العربي الجديد” مضيفا :”إن التحالف الدولي من خلال عمليات القتل العشوائية للمدنيين، انتهك مبدأ التمييز بين المقاتلين والمدنيين، ما يعد مخالفة لمبادئ القانون الدولي الإنساني”.

ويمكن فهم انتهاك قوات التحالف لـ “مبدأ النسبة والتناسب” كما أضاف عبد الغني، عبر رصد وتوثيق بعض هجمات التحالف التي أوقعت أعداداً كبيرةً من المدنيين، ولم تكن هناك أهداف عسكرية مهمّة وحساسة، قائلا “حتى عندما تكون هناك أهداف عسكرية يكون عدد المدنيين المستهدفين يفوق الفائدة المرجوة من استهداف المبنى العسكري ذاته، لافتاً إلى أن هذه الانتهاكات تتحوّل إلى جرائم حرب مع تزايدها وتكرارها.

يرى عبد الغني أن محاسبة المتورطين في تلك الانتهاكات مرهون بتأسيس التحالف لجنة تابعة له من أجل النظر بقضية المدنيين الذين قتلهم وتقديم الاعتذار لهم ثم تعويضهم بعد الاعتراف بعددهم الحقيقي، لافتاً إلى أن التحالف قصّر كثيراً في هذا الاتجاه، وتابع: “من الناحية الإجرائية يمكن محاسبة التحالف على قتله المدنيين، ولا سيما أن “الآلية الدولية” التي أسّستها “الجمعية العامة للأمم المتحدة” تحاسب كل من يرتكب أي انتهاك سواء التحالف أو غيره، ويمكن أن تزيد الفرصة “عند تأسيس محكمة خاصة بسورية”.

ويكمل المحامي أنور البني مدير المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية مضيفا إلى ما قاله الحقوقي عبد الغني: “إن المتضرّر من قصف التحالف أو ذويه بإمكانه رفع دعوى عن طريق أحد ذويه الموجودين بالخارج في المحاكم المحلية الأوروبية أو توكيل محام وذلك بعد تقديم الأدلة اللازمة كصور للطائرة أو الهجوم أو أجزاء من القذائف على أن تكون أدلّة قاطعة”.

ومن الصعب التحرّك بهذا الموضوع بشكل فردي بحسب البني الذي شدد على ضرورة أن يقيم أهالي الضحايا جمعية قانونية في إحدى الدول الأوروبية، وتوكيل محامين للعمل على الدعاوى.

وفي ما يخص تفعيل مبدأ انتهاك قاعدة “النسبة والتناسب”، أوضح البني أن هذه القاعدة تحدّد ما إذا كان الهجوم يشكّل جريمة حرب أم لا، لافتاً إلى أنّ تحديد الهجوم كجريمة حرب بتطلّب تقديم أدلّة بأنّه تم قصف مكان مدني ولا يوجد فيه أي أهداف عسكرية، في حين أنه عندما يسقط ضحايا مدنيون من جهة، وعسكريون من جهة أخرى في الهجوم ذاته، فإنّ الدعوى تتحول إلى قضية شخصية للحصول على تعويض ويمكن أن تخرج من نطاق جرائم الحرب.

ويؤكّد البني أن عملية رفع الدعاوى ليست بالأمر السهل، لأن إثباتها أمام القضاء الأوروبي يُعتبر غاية في الصعوبة، بسبب قلة إمكانية وصول القضاء إلى مكان الجريمة من أجل توثيق أدلّة داحضة، لافتاً إلى أنّه في المستقبل عندما تتشكّل محاكم في سورية تتوفر بها معايير العدالة المطلوبة، يصبح من الأسهل أن يتم إثبات هذه الجرائم كون القضاء قريباً من مسرح الهجمات.

أمثلة على مجازر التحالف

من وجهة نظر عسكرية يؤكد العقيد الركن فاتح حسون، القيادي في المعارضة السورية، أنّ بعض عمليات التحالف الدولي غاب عنها تطبيق قاعدة النسبة والتناسب، قائلا لـ”العربي الجديد: “هناك مجازر تم ارتكابها في مناطق مدنية بشكل غير منطقي ولا مبرر كالهجمات التي نفذها التحالف واستهدفت مدنيين داخل بيوتهم في مدينة الطبقة في إبريل 2017 وعشرات المجازر التي ارتكبتها قوات التحالف في ريف الرقة الغربي خلال قصف المدنيين أثناء معركة السيطرة على الرقة”، وتابع “هناك قصفاً غير مجدٍ وأدّى إلى قتل مدنيين كالقصف الذي نفذه طيران قوات التحالف بصواريخ استهدفت سيارتين تقلان نازحين يحاولون الخروج من الطبقة ما أدى لمقتل 17 مدنيا يوم 14 إبريل 2017″، لافتاً إلى أنّه كان من الممكن استخدام تكتيكات عسكرية تختلف عمّا وقع، وتابع: “الاستخدام المفرط للقوة الحربية يعتبر جريمة حرب والتحالف استخدم القوة بشكلٍ مفرط، ضد مناطق لم يكن فيها مقاتلون من تنظيم “داعش”، وهو ما جرى في نوفمبر 2018، إذ أكّدت تقارير إعلامية وحقوقية أن التحالف استهدف مسجداً في بلدة السوسة في ريف دير الزور الشرقي، ما أسفر عن مقتل نحو 70 مدنيًا”.

واعترف التحالف الدولي بأنه استهدف مسجد عثمان بن عفان، لكنه أكّد على لسان المتحدث باسم التحالف شون ريان أن المسجد كان تنظيم “داعش” يستخدمه كقاعدة عسكرية للدفاع عن آخر المناطق التي يسيطر عليها. وأضاف ريان أن الغارة الجوية على المسجد أدّت إلى مقتل 12 عنصراً من التنظيم، ولم تؤدِّ لخسائر بين المدنيين، لكن العقيد حسون يصف أمثال تلك العمليات بـ ضربات “الأرض المحروقة”، ضاربا المثل بحصار بلدة الباغوز في بداية العام الحالي، وقصفها بقنابل ثقيلة يزيد وزنها على 500 كيلوغرام ، بحجّة وجود أنفاق للتنظيم، مشيرا إلى أن التحالف استخدم قاذفات استراتيجية، وهي أضخم من أن تُستخدم ضد عصابات في أحياء مدنية كما يوجد احتمال أن تلك الطائرات لم تستهدف المنطقة عن معرفة مسبقة سواء عبر الليزر أو أنظمة الرصد والمراقبة، بسبب صعوبة وجود عملاء في مناطق التنظيم الأخيرة والتي يتم استهدافها بكثافة نارية شديدة، ما يعني أن الأهداف التي كان يتم قصفها لم تكن نسبة تصويبها مركّزة في حالات كثيرة، إضافةً إلى إمكانية عدم قدرة “قسد” (قوات سورية الديموقراطية) الذراع البري للتحالف على منح التحالف إحداثيات دقيقة إمّا بشكل مقصود أو غير مقصود ما يزيد نسبة الخسائر المدنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.