«حكم عليها بـ148 جلدة».. لهذا السبب أصبحت نسرين ستوده مغضوبًا عليها في إيران!

نهاد زكي
في 13 يونيو (حزيران) من عام 2018، كانت نسرين ستوده في منزلها، عندما أتت قوات الأمن للقبض عليها، وفي «سجن إيفين» بطهران، حيث تم اعتقالها، أخبرها المكتب المعني بتنفيذ الأحكام أنها أدينت في سبعِ تهمٍ، وذلك بعدما منعت من حق اختيار محامٍ للدفاع عنها، بحسب «منظمة العفو الدولية».

وقد حُكم على نسرين بالسجن مدة 33 عامًا، إضافةً إلى 148 جلدة، والتي تعد أقسى عقوبة ضد مدافع عن حقوق الإنسان في إيران خلال السنوات الأخيرة. فيما تجدر الإشارة إلى أنه في سبتمبر (أيلول) عام 2016، كان قد حُكم على ستوده غيابيًا بالسجنِ مدة خمس سنوات؛ ما يرفع مجموع الأحكام بالسجن إلى 38 عامًا.

التهم التي وجهت إليها كانت تتضمن عملها السلمي الحقوقي، والتحريض على الفساد والبغاء، وارتكاب فعل حرام علنًا – إذ ظهرت ستوده دون ارتداء الحجاب في العلن – وكذلك الإخلال بالنظامِ العام، فما الذي فعلته المحامية الإيرانية واستحقت عليه هذه العقوبة؟
«كيف يمكنني أن أشهد تنفيذ عقوبة الإعدام في بلدي وأصمت؟ كيف يمكنني أن أغمض عينيَّ عن قضايا الإساءة للأطفالِ؟ لو فعلت لكنا قادرين الآن أنا وأباك على اصطحابِك إلى المدرسةِ في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد؛ إلا أنني لم أستطع يا بني، وهذه خطيئتي». *نسرين ستوده

كانت هذه الكلمات من خطابٍ أرسلته نسرين إلى طفلها نيما، البالغ من العمر 12 عامًا، في سبتمبر الماضي، توضح فيه سبب غيابها هي وأبيه – المحتجز أيضًا في سجن «إيفين» الإيراني – عن اليوم الدراسي الأول في عامه الجديد. وكانت نسرين في ذلك الوقت قد رفضت الزيارات العائلية احتجاجًا على قرار المدعي العام في طهران، بأن تحضر الزيارات مرتدية حجابًا من الرأس حتى أخمص القدمين. إذ إن السلطات كانت قد التقت بزوجها رضا خندان المحتجز في سجن «إيفين»، قبل يوم واحد من الزيارات المقررة، طالبين منه الاتصال بنسرين هاتفيًا وإخبارها التالي: «أنهم يراقبون الزيارات العائلية، وأن عليها أن ترتدي الحجاب». وقد جاء هذا القرار عقابًا لها على موقفها السابق؛ إذ دافعت بموجب عملها محامية عن الناشطات الإيرانيات الرافضين لقانون الحجاب الإلزامي في إيران، وكانت إيران قد فرضت حجابًا إلزاميًا على النساء منذ مارس (آذار) 1979.

أما زوجها رضا خندان، فقد جرى احتجازه من قبل السلطات الإيرانية، منذ سبتمبر الماضي، بعدما قام بنشر بعض التحديثات عن قضية زوجته عبر موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، وأجرى مقابلات صحافية بهذا الخصوص مع وسائل الإعلام العالمية.

تبدأ قصة نسرين ستوده منذ ست سنوات تقريبًا، حين بدأت حركة تحرر إيرانية، انضم إليها الآلاف من النساء الإيرانيات، وذلك احتجاجًا على «قانون الحجاب الإلزامي»، وقد كان لتلك الحركة انتشارًا واسعًا على وسائل التواصل الاجتماعي؛ ما أدى إلى مظاهرات غير مسبوقة في الشوارع. كانت تلك هي البداية لوسم «#الأربعاء_الأبيض». في ذلك الوقت كانت الناشطة الإيرانية مسيح علي نجاد هي من بدأت حركة المقاومة، وذلك عن طريق التقاط صورة فوتوغرافية لها أثناء قيادتها السيارة على طريق جبلي بإيران، كانت فيها بلا حجاب، تقول مسيح عن ذلك: «أردت للهواء أن يداعب شعري»، وقامت بعدها بنشر صورتها على مواقع التواصل الاجتماعي من أجل تشجيع النساء الإيرانيات على سرقة لحظاتٍ من الحرية، على حد تعبيرها، ومن هنا انطلقت حركة «حريتي السرية»، والتي تناهض الحجاب الإلزامي، وانطلق وسم #الأربعاء_الأبيض، وأصبح لديها 2.5 مليون متابع على مواقع التواصل الاجتماعي؛ لتصير قوة لا يستهان بها أمام السلطات الإيرانية؛ الأمر الذي دفعها إلى الخروج من إيران منذ 2009، والعيش في منفاها الاختياري بالولايات المتحدة الأمريكية خوفًا من اعتقالها.
كانت تلك هي البداية لأحداث الأربعاء الأبيض، التي يخرج فيها النساء الإيرانيات مرتدين أغطية الرأس البيضاء، احتجاجًا على قوانين «الحجاب الإلزامي» في إيران، وما كان من السلطات الإيرانية سوى التوجه إلى العنف لمناهضة هذا التمرد؛ إذ اعتقلت 35 امرأةً شاركن في احتجاجات بالعاصمة الإيرانية طهران، وقد هددت الشرطة المشاركات في المظاهرات ضد الحجاب بعقوبةِ سجن قد تصل إلى 10 سنوات، ومن هنا كرست نسرين وقتها وجهدها من أجل الدفاع عن النساء اللواتي اتهمن في قضايا أخلاقية؛ تشمل خلع الحجاب في الأماكن العامة.

البداية.. الوقوف في وجه المدعي العام الإيراني
تقول شجرزادة، إحدى السجينات السابقات للنظام الإيراني، والتي دافعت عنها نسرين ستوده، وكانت جزءًا من حركة الأربعاء الأبيض، وجرى القبض عليها ثلاث مرات في عامٍ واحد؛ عن معاناتها داخل السجون، قائلة: «جرى الاعتداء عليَّ بالضرب الوحشي من قبل رجال الأمن، وعانيتُ من التعذيب النفسي للحبس الانفرادي، وقد قابلت نسرين في ذلك الوقت، كنتُ وحيدة وأعاني من العزلة، وأمر بأكثر تجربة مخيفة في حياتي، وقد أخبرتني نسرين أنها لن تهدأ قبل أن أتحرر، وأن كفاحي هو كفاحها».
تشير شجرزادة إلى أنه في المرة الثالثة التي قبض عليها فيها، جرى تهديدها من قبل رجال الأمن بأنها لن ترى ابنها بارباد البالغ من العُمر ثمانية سنوات مرةً أخرى.

«قبضوا على ابني واحتجزوه معي، وكانت رؤيته مكبلًا بالأصفاد تكسر قلبي» *شجرزادة

تمكنت حينها نسرين من إخراج شجرزادة وابنها بكفالة، وفرت الأخيرة خارج البلاد بصحبة طفلها خوفًا من رجال الأمن، إلا أن محاكمتها كانت لا تزال قائمة، وقد رفض القاضي سماع المرافعة الخاصة بها في القضية، حتى أنها تقول: «كان قدري محددًا سلفًا، حكم عليَّ بـ20 عامًا، إلا أننا بفضل نسرين كنت وابني خارج البلاد، نعيش في المنفى بكندا؛ إذ قمتُ بطلبِ اللجوء السياسي».

«كانت نسرين تعلم أن الفوز في مثل هذه القضايا لا يتم في قاعاتِ المحاكم، ولكن بتحويل القضية إلى الرأي العام، وهذا ما فعلته؛ إذ كشفت اسم المدعي العام للصحافة، كما كشفت عن سجله في القمع»، هكذا روت السجينة السياسية السابقة سير أحداث قضيتها، مُشيرة إلى أن القبض على نسرين في يونيو (حزيران) من العام الماضي قد جاء بعد ثلاثة أيامٍ فقط من جلسة قضيتها؛ إذ سعوا للانتقام منها، بحسب شجرزادة، بعد أن رفعت الأمر إلى الصحافة، ولهذا جرى نقلها إلى «سجن إيفين» سيئ السمعة في طهران. «قد كان اعتقالها أولًا بناءًا على شكوى من المدعي العام بشأن قضيتي، وبمجرد اعتقالها أضيفت تهم أخرى خيالية وزائفة»، تضيف السجينة السياسية السابقة أن نسرين ستوده قد أنقذت حياتها وحياة الكثيرات، ويجب على النساء الإيرانيات أن يردوا لها الجميل.

لهذا السبب ستقضي نسرين ستوده ما تبقى من حياتها في السجن
«في إيران، تجد البنات من سن 10 سنوات والأولاد من سن 16 عامًا يجرى معاملتهم كأفراد راشدين في المجتمع، وتقع عليهم المسؤوليات الجنائية؛ كالبالغين». *نسرين ستوده

تشير نسرين ستوده في حوارٍ لها مع مركز «حقوق الإنسان» بإيران، أن الاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها إيران بخصوص حقوق الإنسان أو حقوق الأطفال، تتعارض والقوانين الإيرانية داخل الدولة؛ إذ نجد المادة 37 من اتفاقية حقوق الطفل، والتي وقعت عليها إيران عام 1971، تمنع إيقاع عقوبة الإعدام على الأفراد الذين لم يتجاوزوا 18 عامًا، ووفقًا للبند رقم خمسة من المادة السادسة للاتفاقية الدولية الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية؛ لا يجوز فرض عقوبة الإعدام على الجرائم التي ارتكبت من أشخاص دون سن 18، هذا إضافةً إلى المادة رقم 49 من قانون العقوبات الإسلامي، والتي تقر بإعفاء الأطفال من المسؤولية الجنائية؛ إلا أن الأطفال في إيران، البنات من سن العاشرة، والأولاد من سن 16 عامًا، يعاملون كأفرادٍ بالغين، ويتم توقيع عقوبة الإعدام عليهم.

كان التحدث علانيةً عن توقيع الدولة الإيرانية عقوبة الإعدام على أطفالٍ لم يتجاوزوا 18 عامًا، أحد الأشياء التي جعلت نسرين من المغضوب عليهم في إيران، يقول فيليب لوثر، من «منظمة العفو الدولية»: إنه «من المشين للغاية أن تعاقب السلطات الإيرانية ستوده على عملها في مجال حقوق الإنسان؛ وهي التي تحدثت علانيةً عن عقوباتِ الإعدام». وقد سجنت ستوده من قبل، ما بين عامي 2010 و2013؛ إذ وجهت لها اتهامات بنشر الفتن، والتآمر على الأمن القومي، وقد نفت تلك الاتهامات جميعًا، وخرجت من سجنها بعد قضاء نصف المدة، وذلك بعدما منحها البرلمان الأوروبي جائزة «سخاروف» لحرية الفكر، وعملها في مجال حقوق الإنسان.

لماذا لا تلتزم إيران بالاتفاقيات الدولية التي وقعتها؟ هذا السؤال الذي طرحته نسرين ستوده في حوارها، قائلة أن المواطنين الإيرانيين يجب عليهم مساءلة الحكومة أيضًا، وتضيف: «المحاكم الإيرانية لا تأخذ في الاعتبار دور المجني عليه ذاته في وقوع الجريمة، ففي العديد من القضايا، يرتكب المجرم جريمته بعد استفزازٍ من الضحية، أو يكون المجرم ذاته ضحية المجني عليه، إلا أن المحاكم تتجاهل دائمًا هذا الجزء أثناء النطق بالحكم». ترى نسرين أن توقيع عقوبة مثل الموت على أطفال يجب أن ينتهي للأبد، وأن المجتمع الإيراني يجب يتفهم أولًا حقيقة أن عقوبات الإعدام لا تقع إلا على من تجاوزوا السن القانوني المعترف به، وهو 18 عامًا.

اترك رد