هل تنجح بدائل أميركا في تعويض نقص إمدادات النفط الإيراني؟

أعلن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو يوم الإثنين، أن بلاده لن تمدد أي إعفاءات للعقوبات على النفط الإيراني بعد الثاني من مايو/ أيار المقبل، مشيراً إلى أن هدف بلاده هو “أن تكون عائدات النفط الإيراني صفراً”.
وهو ما أكده بيان للبيت الأبيض أن الرئيس دونالد ترامب ينوي بذلك التأكد من أن “صادرات النفط الايراني ستصبح صفراً” وبالتالي “حرمان النظام من مصدر دخله الأساسي”.

وتعتمد الإدارة الأميركية في تحقيق هدفها بتصفير تصدير النفط الإيراني على ثلاثة مصادر رئيسية هي زيادة إنتاجها من النفط فضلاً عن زيادة إنتاج كل من السعودية والإمارات مع استمرار الضغوط على أوبك لرفع الإنتاج قبل الاجتماع المزمع في يونيو/حزيران المقبل.

وهو ما أكده بيان البيت الابيض الإثنين أن “الولايات المتحدة والسعودية والإمارات، وهي من أكبر الدول المنتجة للنفط في العالم، بالتعاون مع أصدقائنا وحلفائنا، ستلتزم العمل بما يتيح بقاء الأسواق النفطية العالمية مزودة بما يكفي من كميات” من النفط.

وأعقب ترامب هذا البيان بتغريدة على تويتر وعد فيها بأن تعمل الرياض مع دول أخرى من منظمة أوبك “على القيام بما هو أكثر من تعويض” النقص في النفط المعروض للبيع لدى وقف شراء النفط من إيران.

كما أعلنت الحكومة السعودية استعدادها للعمل على بقاء السوق النفطية مستقرة، وقال وزير الطاقة السعودي، خالد الفالح، الإثنين، إن بلاده ستنسق مع منتجي النفط الآخرين، بما يكفل إمدادات نفطية كافية وسوقاً متوازنة، مضيفاً أن “السعودية ستنسق مع منتجي النفط، بما يكفل إتاحة إمدادات كافية للمستهلكين، بينما تضمن عدم اختلال توازن سوق الخام العالمية”.

إنتاج إيران

يواجه القرار الأميركي مأزقين، أحدهما يتعلق بإنتاج إيران ومناطق التوتر والآخر يتعلق بإمكانات الدول التي يراهن عليها لرفع الإنتاج.

فقد ارتفع إنتاج إيران بعد رفع العقوبات عنها بعد إبرام الاتفاق النووي في 2015 ورفع العقوبات في 2016 قبل عودتها مرة أخرى إلى 3.813 ملايين برميل يومياً في 2017، ثم تراجع إلى 3.560 ملايين برميل يومياً في 2018.

وتمتلك إيران رابع أكبر دولة في احتياطي النفط في العالم بواقع 160 مليار برميل نفط، بينما تمثل صادرات النفط نحو 70 إلى 80 في المائة من إيراداتها.

وأدت العقوبات التي عادت بقرار أميركي منفرد في نوفمبر/تشرين الثاني 2018 إلى انخفاض حادّ في صادرات النفط الإيراني، التي بلغت 2.5 مليون برميل يومياً على الأقل في إبريل/ نيسان 2018، وهو الشهر الذي سبق انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الاتفاق النووي.

وتشير أرقام لمؤسسات أجنبية متخصصة أن صادرات النفط الإيراني بلغت في المتوسط خلال الأشهر الأخيرة بين 1.7 و1.9 مليون برميل نفط، حيث أعلنت وكالة “أس اند بي غلوبال بلاتس” المتخصصة بالنفط أن إيران صدرت ما معدله 1.7 مليون برميل يومياً خلال شهر آذار/مارس، بينها 628 ألفاً الى الصين وأكثر من 357 ألفاً الى الهند.

وحسب إحصائيات شركة “تانكر تراكرس” في لندن، التي تراقب حركة الحاويات النفطية في العالم، فإن إيران صدرت في شهر مارس/ آذار الماضي نحو 1.9 مليون برميل يومياً، منها 1.4 مليون برميل خامات، ونصف مليون برميل من المكثفات النفطية.

مناطق التوتر

العائق الثاني يتعلق باشتعال التوتر في مناطق رئيسية لإنتاج النفط أثر على إنتاجها مما يزيد من صعوبة تعويض نقص الإمدادات، فقد تراجع إنتاج فنزويلا في 2018 إلى 1.339 مليون برميل يومياً، مقابل 1.911 مليون برميل في 2017، بينما كانت تضخ في الوضع الطبيعي 3 ملايين برميل نفط يومياً قبل أن تتهاوى الأوضاع في السنوات الثلاث الماضية.

كما تراجع إنتاج ليبيا من النفط وهي منتج رئيس للخام إلى 1.1 مليون برميل يومياً، بعدما كان 1.8 مليون برميل تقريباً في 2010.

وحذر رئيس “المؤسسة الوطنية للنفط” في ليبيا، مصطفى صنع الله، من أن تجدّد القتال في البلاد “قد يقضي” على إنتاج البلاد من الخام، وفقاً لمقابلة أجراها صنع الله مع صحيفة “فايننشال تايمز” في وقت سابق من شهر أبريل/نيسان الحالي.

إمكانات السعودية

تمتلك السعودية احتياطيا ضخما من النفط يقدر بـ 266.5 مليار برميل نفط يمثل 18% من احتياطي النفط المؤكد في العالم لتحتل المرتبة الثانية بعد فنزويلا التي تحتل المركز الأول بنسبة 20%، وفقاً لتقرير مؤسسة “بورن انفيست” الأميركية المتخصصة في الشؤون النفطية العالمية.

وتواجه السعودية مأزق تعويض نقص إمدادات النفط الإيراني بمفردها وفي ظل إمكاناتها الحالية في الإنتاج، فربما تستطيع على المدى القصير رفع إنتاجها أو الاستعانة بمخزونها النفطي لتعويض النقص، لكن على المدى الطويل لن تستطيع ذلك، بسبب إمكاناتها الحالية التي لن تستطيع تحقيق زيادة كبيرة في الإنتاج عن الأرقام الحالية.

وبدأت الرياض في رفع الإنتاج في شهر سبتمبر/ أيلول الماضي، حين طلب منها ترامب وبلهجة قاسية ضخ مزيد من النفط لتعويض النقص الذي سيطرأ من الحظر على إيران. ورفعت الرياض فعلاً الإنتاج إلى 11.25 مليون برميل يومياً تلبية للرغبة الأميركية.

وبلغ إنتاج السعودية في المتوسط نحو 10.307 ملايين برميل يومياً خلال عام 2018، مقابل 9.954 ملايين برميل في 2017، ثم عاود الإنتاج التراجع إلى 10.136 ملايين برميل يومياً في فبراير/ شباط، انخفاضاً من 10.243 ملايين برميل يومياً في الشهر السابق، كما انخفضت صادرات السعودية في فبراير/ شباط 277 ألف برميل يومياً مقارنة بالشهر السابق. وشحن أكبر مصدّر للنفط في العالم 6.977 ملايين برميل يومياً، انخفاضاً من 7.254 ملايين في يناير/ كانون الثاني، وفقاً لأرقام مبادرة البيانات المشتركة.

وربما تراهن السعودية في المدى القصير على عدد من الخيارات وهي رفع الإنتاج إلى الحد الأقصى المتاح لها وفقاً لإمكاناتها وهو يدور حول رقم 11 مليون برميل يومياً، والسحب من مخزوناتها الحالية لسد النقص في الإمدادات وحل مشاكلها مع الكويت حول المنطقة المقسومة في حقلي الخفجي والوفرة واللذين سيضيفان إلى إنتاجها هي والكويت بين 260 و270 ألف برميل يومياً، نصفها للكويت ونصفها الآخر للسعودية، فيما تبلغ الطاقة الإنتاجية لحقل الوفرة نحو 220 ألف برميل يومياً من الخام العربي الثقيل.

استطاعت السعودية العام الماضي، زيادة الإنتاج بـ 377 ألف برميل يومياً، بجانب 69 ألف برميل يومياً إضافية من دولة الإمارات العربية المتحدة التي رفعت إنتاجها إلى 2.984 مليون برميل يومياً، مقابل 2.915 مليون برميل يومياً في 2017.
ولكن التوقعات تشير إلى أن السعودية لن تستطيع بمفردها تعويض السوق عن 2.5 مليون برميل من النفط الإيراني “قبل العقوبات” و1.7 مليون برميل في الأشهر الأخيرة منذ تطبيق العقوبات الأميركية في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وترى مجموعة “يورو آشيا” في تحليل نفطي، أن أميركا لن تستطيع تنفيذ وعدها بخفض صادرات النفط الإيرانية إلى صفر، بسبب أوضاع السوق النفطية الحالية.

يقابل رفع الإنتاج حاجة سعودية ملحة لزيادة سعر النفط إلى 80 دولاراً على الأقل وهو الأمر الذي لن يتحقق إذا تم تعويض نقص الإمدادات النفطية من إيران.

وقال مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، جهاد أزعور، في فبراير/شباط الماضي إن السعودية، أكبر مصدّر للنفط في العالم، ستحتاج إلى سعر يتراوح بين 80 و85 دولاراً البرميل الخام، كي تتمكّن من تحقيق توازن في موازنتها لعام 2019.

وأضاف أزعور: “باعتبار أن موازنة 2019 ستبقى كما هي، وظل كل شيء من دون تغيير، فإن نقطة التعادل ستكون عند نحو 80-85 دولاراً” لسعر برميل النفط.

الحل الروسي

تجد الإدارة الأميركية نفسها أمام حل آخر “مرّ” وهو رفع روسيا لإنتاجها النفطي وهو ما يحقق الهدف الأميركي بتعويض نقص الإمدادات، لكنه من ناحية أخرى يصب في مصلحة روسيا التي يتعرض قطاعها النفطي هو الآخر لعقوبات أميركية.

وتضغط شركات النفط الروسية من أجل الخروج من اتفاق أوبك + الحالي وزيادة إنتاجها النفطي ، وقالت وكالة “رويترز” في في فبراير/ شباط، إن مدير شركة النفط الروسية العملاقة “روسنفت” وحليف فلاديمير بوتين، إيغور سيتشن، قد أبلغ الرئيس الروسي بأن الاتفاق المبرم مع “أوبك” ينطوي على تهديد استراتيجي وأنه يصبّ في مصلحة الولايات المتحدة.

أما العراق والذي رفع إنتاجه النفطي العام الماضي 110 آلاف برميل يومياً ليصل إلى 4.556 ملايين برميل، مقابل 4.446 ملايين برميل في 2017، فإنه يجد نفسه بين مطرقة الاستجابة للعقوبات الأميركية وسندان العلاقة الاستراتيجية مع إيران وحاجته للغاز الإيراني في توليد الكهرباء.

كما أن إمكانات العراق الحالية وضعف الاستثمارات وخروجه من الحرب على تنظيم داعش الإرهابي تصب كلها في صعوبة رفع الإنتاج بمعدلات كبيرة على المدى المتوسط.

الإنتاج الأميركي

ربما يكون أحد الحلول على المدى المتوسط هو رفع الإنتاج الأميركي بمعدلات كبيرة، أما على المدى القصير فهو الاستعانة بمخزونات الطاقة لطرحها في الأسواق لتعويض نقص الإمدادات وللتحكم في الأسعار في حدود يمكن السيطرة عليها وتحملها.

وحسب تقرير وكالة الطاقة الدولية الأخير، فإن لدى الولايات 727 مليون برميل محفوظة في خزانات الاحتياطي الاستراتيجي في ولايتي تكساس ولويزيانا.
وتعرض خطة للموازنة قدمتها إدارة ترامب تقليص احتياطي النفط الاستراتيجي إلى 410 ملايين برميل بحلول 2027، ما سيتيح لوزارة الطاقة إغلاق اثنين من أربعة مواقع التخزين.

وأشار التقرير إلى أن احتياطيات الولايات المتحدة من النفط تعاظمت في السنوات الأخيرة بفضل الأساليب غير التقليدية للتنقيب لتصل إلى 39.2 مليار برميل.
وتوقعت إدارة معلومات الطاقة الأميركية، في مارس/آذار الماضي، أن يبلغ متوسط إنتاج الولايات المتحدة من النفط الخام 13 مليون برميل يومياً في 2020 مقابل 12.3 مليون برميل في 2019.

وانخفض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام والمنتجات النفطية من 3.8 ملايين برميل يومياً في 2017 إلى متوسط 2.3 مليون برميل يومياً في 2018.

وتتوقع الإدارة أن يستمر صافي الواردات في الانخفاض إلى نحو مليون برميل يومياً في 2019 وإلى مستوى متوسط صاف قدره 100 ألف برميل يومياً في 2020.

وقالت وكالة الطاقة الدولية، في مارس الماضي أيضاً، إن “الولايات المتحدة تقود بشكل متزايد نمو إمدادات النفط العالمية، مع توقع نمو كبير أيضاً لدى منتجين آخرين من خارج أوبك، من بينهم البرازيل والنرويج والمنتج الجديد جيانا”.

وأضافت الوكالة أن صادرات الولايات المتحدة من الخام ستتخطى شحنات روسيا وستلحق تقريباً بالسعودية بحلول 2024، وهو ما يساهم في تنويع الإمدادات العالمية.

ويعني ذلك أن قدرة الولايات المتحدة على تعويض نقص الإمدادات اعتماداً على زيادة إنتاجها فقط لن تنجح على المدى القصير ولكنها ربما تنجح على المدى المتوسط، حيث منحت واشنطن في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي إعفاءات مؤقتة من العقوبات لثماني دول من كبار مستوردي النفط الإيراني وهي الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان وتركيا وإيطاليا واليونان، إضافة إلى إعفاء مجتزأ للعراق.

وابتداء من الثاني من أيار/مايو بات على هذه الدول التوقف تماماً عن شراء النفط الإيراني، حيث يعتبر منع شراء النفط الايراني أهم بنود العقوبات الاميركية التي أرادتها واشنطن أن تكون “الأقسى في التاريخ”. وتقدر الادارة الاميركية العائدات النفطية الايرانية بنحو 80 % من إجمالي عائدات الدولة.

اترك رد