شيخ عشائر بني مالك: وأدنا الفتنة ونترقّب أداء الحكومة الجديدة حاوره من البصرة: محمد الباسم

شكّل اندلاع احتجاجات جنوب العراق، في أغسطس/آب من العام الماضي، ما يمكن اعتباره عودة تصاعد دور القبائل العربية، جنوبي البلاد، والتي تشكّل أكثر من 90 في المائة من نسيج المجتمع هناك، وترتبط بقبائل عربية في الأجزاء الأخرى من العراق وشبه الجزيرة العربية وبلاد الشام واليمن، سياسياً وحتى أمنياً. وباتت دواوين العشائر، في الآونة الأخيرة، مقصداً لمسؤولي الحكومة وزعماء العملية السياسية الوافدين من بغداد إلى البصرة ومدن جنوبية أخرى، بهدف الطلب منها مساعدتها في تهدئة الأوضاع، ما ساهم في استعادة المؤسسة العشائرية العربية، جنوب البلاد، دورها المنافس.
ومن أبرز القبائل العربية في الجنوب: خفاجة، ربيعة، بني حمدان، العبيد، عزة، وعشائر السواعد والمياح والدرّاج وكنانة وحنظل وبنو جحش وطي، وبنو لام وقريش وعبس وقيس وقحطان وبنو مالك، وشمر وعنزة والدليم وجبور وقبائل أخرى.
زعيم قبيلة بني مالك، الشيخ ضرغام عرمش المالكي، وهو أحد أبرز الزعامات القبلية في العراق عامة وجنوبه خصوصاً، يتحدث، في حوار مع “العربي الجديد”، عن مستجدات الحراك جنوب العراق ودور القبائل العراقية في تعزيز وحدة العراقيين.

ما رأيكم في الطرح القائل إنّ القبائل والعشائر العراقية أصلحت ما أفسدته السياسة والدين؟
العراقيون يعرفون أنّ العشائر في العراق متفرعة ولها امتدادات في أكثر من محافظة، إذ إنّه في الوقت الذي يوجد فيه شيعة من عشيرة معينة، تجد أن هناك سنة من العشيرة نفسها في مناطق أخرى، وهم أبناء عمّ وكلمتهم واحدة، وكثير من العشائر في مناطق الفرات الأوسط والجنوب، يتفرع منها شيعة وسنة. وخلال أحداث الفتن الطائفية، شاركنا في محاربتها، عبر تواصلنا مع شيوخ عشائر آخرين في محافظات أخرى، واجتمعنا على مقررات عديدة نجحت في تحجيم الطائفيين من أبناء العشائر وإسكاتهم، وطردهم من العشيرة إذا اقتضى الأمر، بينهم سياسيون نبذناهم. كما أنه من يثبت تورّطه في جرائم تستند إلى الطائفية والمذهبية ويتم الإمساك به، يُسلّم فوراً إلى أجهزة الدولة الأمنية والقضائية. وأكبر مثال على أن قبائل الجنوب تعمل وتدعم القضاء على الطائفية، هو ما حدث قبل سنوات من استقبال مئات الآلاف من أهلنا من مناطق شمال العراق وغربه، بعد اقتحام تنظيم “داعش” الإرهابي مناطقهم، إذ تم احتواؤهم وترتيب حياة لهم تليق بكرامة الإنسان. وكثير منا آثر على نفسه أن تكون العائلات في المخيمات، إذ تم إفراغ “الحسيّنيات” والجوامع والبيوت، وهذا هو ديدن العشائر الأصيلة. ونعمل باستمرار على تخليص العشيرة العربية من مظاهر دخيلة، تحاول الالتصاق بها منذ سنوات، حتى أنّ سلوكيات سيئة تم القضاء عليها، مثل بعض الأفراد الطائفيين والمتعصبين والمتخلفين والخارجين عن القانون.

هناك من يتحدث عن أن عشائر الجنوب انكفأت على نفسها وقليلة التواصل مع عمقها العربي. ماذا تقولون؟

قوّتنا في عروبتنا وتمسّكنا بالعادات والتقاليد العربية، وفيها تقدّمنا وخلاص العراق من محنته الحالية. ولا نقبل بأن يزايد أحد على عروبتنا وعمقنا العربي الذي يمتد إلى الخليج العربي، ولدينا صداقات مع الجميع، لكن الإعلام يقول ما يريد. عمقنا العربي هو الأساس والمنطلق، وأنا شخصياً لي زيارات إلى بلدان عربية، وأحضّر لمؤتمرات تتعلّق بالقبائل العربية في الخليج، لكن هذا لم يمنع من وجود بعض المدّعين أنهم شيوخ عشائر للأسف، وتظهر لهم تقاربات مشبوهة مع أطراف خارجية صديقة غير عربية. نحن عراقيون وغايتنا هي إصلاح الوضع في العراق، ومعاونة الدولة على ذلك وسنبقى هوية عربية للعراق.

إذاً، لديكم تواصل مع القبائل الأخرى في العراق ودول الجوار؟

نعم وبكثرة، عبر زعماء قبائل يلتقون معنا في الدم من أبناء عمومتنا في الخليج والشام ودول عربية أخرى، إذ يتم التواصل في شؤون مختلفة، وهو ما يسمو عمّا تركته السياسة وملفاتها وجهل الطائفيين أيضاً من فرقةٍ. ولولا أنّ القبائل في العراق عموماً والجنوب خصوصاً، تحتقر من يتحدث في الطائفية والتفرقة والكراهية بين الناس، وتعتبرها من الأمور التي تستصغر الرجال بها، لما استمر هذا التواصل، والحمد لله مضايف الجنوب مفتوحة للجميع، وهذا عهدنا.

بالنسبة للشأن الأهم المتعلّق بجنوب العراق والاحتجاجات في هذه المنطقة، كيف ترى واقع تظاهرات البصرة، ولماذا تراجعت أعداد المحتجين؟

في البداية لا بدّ من الإشارة إلى أنّ تظاهرات البصرة لم تحمل سوى المطالب المرتبطة بالخدمات والوظائف والقضاء على الفساد والسيطرة على واردات المحافظة من المنافذ الحدودية، وهذه المطالب ليست لأهالي البصرة وحدهم، وإنما لكل العراقيين، لأن الجميع في هذا البلد يشتركون في الاحتياجات والتوجهات. وقد خرج لغرض المناداة بهذه المطالب عشرات الآلاف من أبناء محافظات جنوب العراق، حتى حصل ما حصل من ضرب للمتظاهرين وأعمال عنف سقط على إثرها قتلى وجرحى. ثمّ تغيّرت الحكومة وجاء عادل عبد المهدي، وانسحبت أعداد كبيرة من المتظاهرين أملاً في إجراء إصلاحات في البصرة، أي أنّ هذا الانسحاب من الساحات الشعبية لا يعني انتهاء الاحتجاجات، وإنما هو ترقّب للأداء الحكومي، الذي يراقبه الشعب، ومن ضمنه العشائر. أمّا عشرات الشباب الموجودين حالياً، فلهم مطالبهم المرتبطة بالتعيينات وفرص العمل، ولا أعتقد أنهم متحزّبون أو يمثلون جهة معينة.

هل كان هناك تقصير في طريقة تعامل رئيس الحكومة السابق حيدر العبادي مع أزمة البصرة؟

الحكومة السابقة كانت ضعيفة جداً، والحال نفسه كان مع الحكومات التي سبقتها، والعبادي كان بعيداً عن الشارع العراقي، ولم يكن يعرف ما الذي يحدث في البصرة، لدرجة أنه اعتمد على مستشاريه الذين كذبوا عليه في كثير من التفاصيل، وقد ورّط نفسه في وعود كبيرة لأهالي البصرة، وكانت هذه الوعود أكبر من إمكانياته. وقد خسر العبادي نيل ولاية ثانية لحكم العراق بسبب تظاهرات البصرة بنسبة 60 في المائة. كما أنه فشل في تدارك تفاقم الأزمات في البصرة. كان من المفترض منه، بعد سلسلة الأحداث المتصاعدة، أن يستقبل الناشطين الحقيقيين في التظاهرات، بدلاً من استقبال أشخاص لا علاقة لهم بالاحتجاج، وحدث هذا خلال استقباله أشخاصا ادعوا أنهم شيوخ عشائر، مع العلم أن المتظاهرين لا يعرفونهم.

كيف تعاملتم مع ملف حرق المقرات الحكومية والحزبية والحشد الشعبي والقنصلية الإيرانية، وهل أثّر هذا الحدث على الاحتجاج؟

إضرام النار في المؤسسات الحكومية والمقرات، كان أمراً مدبراً لضرب سلمية التظاهرات، وقد انسحبنا بعد ذلك. ولولا حدوث هذه الحرائق لبقينا حتى هذا اليوم في ساحات الاحتجاج، لكننا شعرنا أنّ هناك جهات تتحرّك من أجل النيل من المتظاهرين عبر تخريب البلد، وأنا متأكّد من أنّ المتظاهرين السلميين لم يحرقوا أي مقر، وقد صدر هذا الفعل عن أشخاص خططوا لإسقاط العملية السياسية والأمنية، ولكنهم فشلوا. ومع ذلك، فنحن لا نعرف من حرق هذه المقرات لغاية الآن.

بعد أشهر على بدء التظاهرات، ما الذي تحقق من مطالب المحتجين؟

البصرة ممتلئة بالمشاريع المتلكئة، ومنها مشاريع البنى التحتية والمياه، والتي أحيلت إلى شركة استشارية مهمة لمناقشتها. وقد اكتملت خطة البصرة لعام 2019 الخدمية، مع العلم أنّ المدينة ظُلمت في التخصيص المالي من الموازنة العامة، ولكن سيتم التعويض من واردات المنافذ الحدودية. ويمكن تقسيم المشاريع في البصرة إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول يتضمن مشاريع الإحالة التي أحيلت إلى الشركات. والثاني يحتوي على المشاريع التي كانت متوقفة بسبب الموازنة وإقرارها، وقد تم البدء بها بعد دراستها ووضع الخطط لأجلها. أمّا الثالث فهو يضم المشاريع المتلكئة، وقد عادت حركة العمل من أجل مراجعتها، ونحن نتابع العمل مع الدولة على إنجاز هذه المشاريع.

وبالنسبة للوظائف التي وعد بها العبادي في آخر أيام ولايته، وهي 10 آلاف وظيفة، فما هي إلا كذبة، إذ لم يتم تعيين ولا حتى عشرة شباب بصريين. ولكن الحكومة الحالية أعلنت أنّ الموازنة تضمّنت وجود 69 ألف فرصة عمل تتوزع بين الأجهزة الأمنية والخدمية، وإذا كان هذا المشروع جادا وصحيحا، فإنّ أكبر مشكلة في جنوب العراق ستحلّ.

برغم قرار عبد المهدي منع الاعتداء على المتظاهرين، إلا أنّ القمع يحدث بشكل دائم، كيف تفسّر ذلك؟

في الأسابيع الأولى التي انطلقت فيها تظاهرات البصرة، في الصيف الماضي، شهدنا أعمال عنف واسعة، وقد اعتدت القوات الخاصة العراقية “سوات” ومكافحة الشغب على المحتجين، وتسبب هذا الأمر في سقوط قتلى وجرحى. لكن منذ قرار عبد المهدي، لم تطلق رصاصة واحدة من قبل القوات الأمنية ضدّ المحتجين. ولكن ما حدث في الأيام الأخيرة من اعتداءات، فهو صادر من حماية المسؤولين وأعضاء مجلس المحافظة.

بماذا خدمت العشائر في جنوب العراق المحتجين؟

لا بدّ من القول بصراحة، إنّ الثقل الاجتماعي الأبرز هو للعشيرة، ومهما تبدّلت الحكومات والسلطات الأمنية وطرق الحكم، يبقى للعشيرة ثقلها وتبقى ثابتة وكلامها واحد. لقد قدمت العشيرة الدعم المعنوي للمحتجين، وأشعرت الشباب المتظاهرين بأنهم ليسوا وحدهم، وإنما أهلهم وأقرباؤهم معهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.