بساتين بغداد باتت مجرّد ذكرى … بغداد ــ كرم سعدي

أكثر ما كان يميّز العاصمة العراقيّة بغداد قبل نحو ثلاثة عقود وما يزيد، أنّها محاطة بمساحات واسعة من البساتين التي تضمّ أنواعاً مختلفة من الفاكهة وبساتين النخيل وفيها أصناف عدة من التمور، فضلاً عن أراضٍ أخرى تزرع بمختلف أنواع الخضار الموسمية. معظم هذه البساتين والأراضي الزراعيّة الخصبة لم تعد موجودة اليوم بفعل الأزمات العديدة التي مرت بها البلاد، لتتحول إلى مناطق سكنية أو أراضٍ جرداء وأخرى تشير أشجار نخيلها اليابسة إلى أنها كانت تنعم بالحياة. وكانت هذه المساحات المزروعة تساهم في تغطية حاجة السكان من الخضار والفاكهة، عدا عن كونها منتجعاً مفتوحاً لسكان العاصمة وضيوفهم، خصوصاً في أيام العطل.

هؤلاء ينتابهم حزن كبير لدى مرورهم قرب تلك الأماكن. البعض يتذكر الهدوء والسعادة اللذين كان الناس ينعمون بهما خلال سنوات خلت. ويقول خالد العامري إن تلك البساتين كانت مصدر إلهام بالنسبة إليه. كان العامري مصوّراً فوتوغرافياً يهتم بتصوير المواقع السياحية والتراثية والأثرية وتوثيق حياة الناس. وكان للبساتين “سحر لا يضاهى أسعى إلى اكتشافه باستمرار.

تجولت في غالبية بساتين بغداد التي تستفيد منها بعض العائلات للتنزه في أيام العطل”. يضيف العزاوي لـ “العربي الجديد” أن “قدوم العائلات كان يجعل هذه البساتين أكثر جمالاً، عدا عن كونها مصدر رزق إضافياً لي. كنت مصوراً جوالاً ألتقط الصور للعائلات في مقابل مادي”.

وتعود بداية تدهور حال هذه المناطق المزروعة بشكل فعلي للحصار الذي فرضته الأمم المتحدة على العراق بعد غزو الكويت في عام 1990، والذي استمر حتى إطاحة نظام حكم الرئيس صدام حسين في عام 2003. وتسبب الحصار الاقتصادي في إلحاق أذى كبير بعامة العراقيين، وارتفاع نسبة الفقر والحاجة إلى أبسط مقومات الحياة، ما جعل الناس يلجأون للاحتطاب. وكانت هذه البساتين مورداً للحطب، كما يقول عباس عبد المجيد الذي كان يملك بستاناً في أطراف بغداد الغربية.

يوضح لـ “العربي الجديد” أنّ “العراقيين خلال الحصار لم يبحثوا عن اللهو أو الراحة. الوقت كان مخصصاً للعمل حتى يستطيع رب الأسرة توفير قوت يوم عائلته. لم نعد نرى الناس يأتون إلى بساتيننا للتنزه”. ويشير إلى أن “البساتين التي ورثناها عن آبائنا وأجدادنا لم تعد تفي بالغرض. الناس صار همها توفير المواد الغذائية الرئيسية. بالنسبة للرمان والمشمش والبرتقال وغيرها من الفاكهة باتت لدى عامة الشعب دليل رفاهية. لذلك توجهت وعدداً من أقاربي إلى تغيير نمط بساتيننا. على سبيل المثال، حولت بستاني إلى حقل لزراعة الجت (علف للأغنام)”.

لم يكن حال تلك المساحات الزراعية بعد إطاحة نظام حكم صدام حسين، وإنهاء الحصار في عام 2003، أفضل من السنوات التي سبقت هذا التاريخ. فالبلاد دخلت في أتون حرب وصراعات داخلية جاءت ويلاتها أيضاً على مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية في عموم البلاد.

وتسببت الحرب بحرق آلاف البساتين، وكانت القوات الحكومية تعمد إلى جرف متعمد لبساتين تحيط ببغداد لغرض مطاردة “الإرهابيين” المختبئين في داخلها بحسب تصريحات رسمية. كما أن الجفاف الذي مرت به البلاد تسبب بخروج مناطق زراعية واسعة عن التصنيف الزراعي، ما أباح لمالكيها تحويلها إلى أراضٍ سكنية وبيعها بمساحات صغيرة، لتتحول نسبة كبيرة من هذه البساتين والمزارع إلى أحياء سكنية.

ومع عودة الاستقرار الأمني في العراق، خصوصاً العاصمة بغداد، منذ أعلنت الحكومة الانتصار على تنظيم “داعش” في ديسمبر/ كانون الثاني في عام 2017، وتحرير كل الأراضي من سيطرته، بدأ العراقيون يبحثون عن أماكن للتنزه وعدم الاكتفاء بتلك التي تحتضنها العاصمة، وهي في الغالب منتزهات قديمة ومكتظة.

وعادت المناطق الزراعية مكاناً يجذب الباحثين عن الراحة والمتعة، لكنها لم تعد كما كانت، ويقصدها الغرباء اليوم. وبحسب عيسى جميل، الذي تملك عائلته بستاناً واسعاً في منطقة الطارمية شمال العاصمة بغداد، فإنّ “ما مررنا به يمنعنا من استقبال غير أهل الثقة في بستاننا”. يقول جميل لـ “العربي الجديد” إنه كان يسعد كثيراً حين يأتي الناس إلى بستانه، وباتت له صداقات كثيرة. يضيف: “لم يكن بستاننا محاطاً بسياج وهذا كان حال غالبية البساتين، بل كان متاحاً للجميع. وكنا نخصّص مكاناً لمن يود الاستراحة أو التخييم في بستاننا”. يضيف: “حين تأتي عائلة أو مجموعة من الأشخاص للراحة أو التجول في البستان، كنت أخبر أهلي. هذه مهمتي التي كلفني بها والدي لنقدم لهم الطعام والخبز الساخن الذي كانت والدتي تعده خصيصاً لهم. هذه العادة كانت منتشرة بين أصحاب البساتين. وتوطدت علاقات أهلي بالعديد من تلك العائلات التي كانت تبحث عن قضاء وقت للراحة والاستجمام”.

ولطالما شهد “بستان الحب” على الكثير من قصص حب. لكنّه لم يعد موجوداً، ما جعل أولئك الذي جمعتهم مشاعر جميلة تحت ظلال أشجاره يتحسرون على أيام جميلة خلت، كما تقول سعاد عبد الكريم لـ “العربي الجديد”. وتوضح أنّ البستان الواقع في شمال بغداد بيع وقُسّم جزء منه إلى بيوت سكنية وجزء آخر إلى مؤسسات تجارية. تضيف: “يوم الجمعة من كل أسبوع، كان والدي يأخذنا إلى هذه البساتين. لم أكن قد بلغت العشرين بعد حين قرّر والدي أن نقضي يومنا في البستان نفسه. وجدنا شاباً كان يعمل بجد وتبين أنه ابن صاحب البستان. رحب بنا وجلب لنا الخبز والطعام من بيته. وما إن مضى يومنا، حتى انتابتنا أحاسيس جميلة. وبتنا نقضي كل أيام الجمعة في هذا البستان، وكنت ألحّ على والدي لنذهب إلى هناك من دون أن يعرف أحد السبب. وتطورت علاقتي بأحمد ابن صاحب البستان إلى تبادل الرسائل، وأحياناً تبادل بضع الكلمات خلسة. وعلمت منه أن بستانهم دائماً ما يشهد علاقات حب تنتهي بالزواج، لذلك أطلق عليه بستان الحب”.

لم تدم علاقة الحب السرية التي جمعت سعاد وأحمد طويلاً. وأخبر الأخير والد حبيبته بالأمر وطلب الزواج منها، فكان القبول الذي تكلل في ما بعد بأربعة أبناء وابنتين وخمسة أحفاد. تقول سعاد: “اضطرت عائلة زوجي إلى بيع البستان في أيام الحصار، لكنّه بقي في ذاكرتنا”.

اترك رد