لجنة تحقيق مرتجلة تساهم في تغييب حقائق سقوط الموصل

تقرير لجنة النجيفي يصرف الأنظار عن مسؤولية نوري المالكي بفتح معركة فرعية ضد المحافظ.

التحقيق في الأوضاع المزرية بمحافظة نينوى بهدف إصلاحها وتداركها، لا يخلو من أهمية، على أن لا يكون على حساب مساعي كشف الحقائق وتحديد المسؤوليات بشأن الكارثة الأمّ المتمثّلة في سقوط الموصل بيد تنظيم داعش وما جرّه من ويلات ومآس على الآلاف من العراقيين وما أحدثه من خسائر مادية وبشرية ليس من السهل تعويضها.

بغداد – خالف مضمون التقرير النهائي لـ“لجنة تقصّي الحقائق في محافظة نينوى” الاسم “الكبير” الذي حملته اللّجنة ودفع البعض إلى الاعتقاد بأن الأمر يتعلّق بتحقيق جادّ لكشف أسرار سقوط الموصل مركز المحافظة المذكورة بيد تنظيم داعش سنة 2014، وتحديد المسؤوليات عن ذلك الحادث الكارثي الذي سيستغرق تجاوز أضراره الجسيمة وقتا طويلا.

وترأس اللجنة المذكورة التي تمّ إنشاؤها بقرار من مجلس النواب، السياسي العراقي السني المتحدّر من عائلة معروفة بمحافظة نينوى أسامة النجيفي، وضمّت في عضويتها عددا من نواب المحافظة.

وتضمّن التقرير النهائي الذي أحيل الخميس إلى البرلمان العراقي وتمّت المصادقة عليه، تشخيصا للوضع القائم في المحافظة منذ استعادة مركزها مدينة الموصل من تنظيم داعش قبل نحو عشرين شهرا، وأشار إلى عدّة حقائق باتت شائعة ومعروفة على أوسع نطاق بفعل ورودها في تقارير إعلامية وحقوقية سابقة بشأن سوء الأوضاع وتعطّل عملية إعادة الإعمار، وسوء الخدمات وانعدامها في أحيان كثيرة، وهشاشة الوضع الأمني.

كما أثار التقرير مسألة تداخل الفساد بالإرهاب، ما يجعل الموصل معرّضة لغزوة ثانية محتملة من قبل تنظيم داعش، لكنّه لم يخل من حذر في مقاربته للشكاوى المتواترة بشأن سلوكات عناصر الحشد الشعبي المشاركة في مسك المحافظة، محمّلا مسؤولية تلك السلوكات لبعض من “يدّعون الانتماء إلى الحشود”.

واكتفى التقرير في تحديد المسؤوليات عن الأوضاع السيئة بنينوى بتوجيه أصابع الاتهام لمحافظها نوفل العاكوب وعدد من الإداريين مطالبا بإقالتهم وإحالتهم على القضاء.

وانقسم النواب والساسة العراقيون، وخصوصا منهم المنتمين إلى محافظة نينوى وإلى باقي المحافظات السنية الأكثر تضرّرا من غزو داعش ومن الحرب التي شنّت ضدّه، في تقييم تقرير “لجنة تقصّي الحقائق في نينوى” بين من اعتبره تقريرا ضافيا يشخّص الأوضاع بدقّة ويفتح الطريق لإصلاحها بما تضمّنه من مقترحات تفصيلية، وبين من رآه تكرارا لحقائق معروفة لدى الجميع، متوقّعا أن تتمّ إحالته إلى رفوف النسيان حاله حال العديد من التقارير الأخرى.

وانصبّ نقد البعض للنجيفي وللجنته والتقرير الذي تم إنجازه، على أنّه يساهم في طي صفحة الكارثة الأمّ، وهي سقوط الموصل بيد تنظيم داعش، وقطع الطريق على المطالبات الكثيرة بفتح تحقيق مهني ومحايد لتحديد المسؤوليات بدقّة، والنظر في مدى مسؤولية السياسيين، وعلى رأسهم رئيس الحكومة آنذاك نوري المالكي.

وكان آل النجيفي في مقدّمة من اتهموا المالكي بالمسؤولية الكاملة عن سقوط الموصل باعتباره القائد العام للقوات المسلّحة، كما أنّه المسؤول الأول عن السياسات التي هيّأت الأوضاع في نينوى لدخول التنظيم المتشدد الذي استثمر في الاحتقان الطائفي وسوء الأوضاع الاجتماعية هناك. غير أنّ خارطة التحالفات السياسية الجديدة التي نتجت عن انتخابات شهر مايو الماضي قرّبت بين المالكي والنجيفي، ليختفي بذلك أثر تلك الاتهامات.

إنشاء اللجنة التي وقف أسامة النجيفي وراء تشكيلها ما كانت لتمر دون مباركة نوري المالكي وحلفائه تحت قبة البرلمان

وتلفت مصادر عراقية إلى إنّ اللجنة التي وقف أسامة النجيفي وراء تشكيلها وترأسها ما كانت لتمرّ دون مباركة نوري المالكي وكبار حلفائه تحت قبّة البرلمان، ما يؤكّد وجود مصلحة لرئيس الوزراء الأسبق في صرف التحقيقات بشأن أوضاع الموصل بعيدا عن أسباب سقوطها بيد داعش.

ويقول منتقدو النجيفي إنّ اللجنة تخدم أهدافه في استعادة مكانته السياسية، حيث تتّخذ عائلته من الدفاع عن نينوى وأوضاعها المزرية بعد الحرب المدمرة التي شهدتها، ومن إثارة قضايا الفساد المستشري في إدارة شؤونها الخدمية والاقتصادية والأمنية والذي يساهم في تأخير تعافيها من آثار الحرب، وسيلة لاستقطاب الأضواء في إطار سعيها لاستعادة نفوذها السياسي في الموصل ثاني أكبر مدن العراق سكانا، بعد تعرّض العائلة ذات المكانة المرموقة ضمن كبريات العائلات السنّية، لانتكاسة خطرة عندما اجتاح تنظيم داعش قبل حوالي خمس سنوات مساحات واسعة من البلاد بينها الموصل.

ورغم أنّ عائلة النجيفي لعبت دورا مؤثرا في المشهد السياسي العراقي بعد الغزو الأميركي للعراق، فقد ظلّت تعتمد على الموصل فحسب في قاعدتها الشعبية، ولا تملك تأييدا خارجها وهو ما سهّل على رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي تجريدها من نفوذها السياسي إثر احتلال تنظيم داعش للمدينة في ظروف لا تزال غامضة وتثار حولها الأسئلة بشأن مدى مسؤولية المالكي نفسه عن تلك الكارثة باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلّحة التي أدّت الأوامر المتضاربة للوحدات التابعة لها والمكلّفة بحماية الموصل إلى إرباكها وتراجعها أمام زحف بضع مئات من مسلحّي داعش صيف سنة 2014.

ومنذ سقوط الموصل لم يعد لعائلة النجيفي ثقل سياسي لاسيما عندما أقدم البرلمان العراقي على سحب الثقة من محافظ نينوى السابق أثيل النجيفي شقيق أسامة، بعد نحو عام واحد من سقوط المدينة واتهامه بالتخابر مع دول خارجية.

ومع أن شقيق أثيل الأكبر أسامة النجيفي حافظ على مكانة ثابتة في منظومة الحكم العراقية بشغله منصب نائب رئيس الجمهورية خلال الدورة الماضية، إلا أن تأثيره السياسي ظل يفتقر إلى الرافعة الشعبية التي كانت توفرها نينوى.

وتسعى العائلة إلى استغلال الفوضى الخدمية والإدارية التي تعصف بالموصل بعد استعادتها من تنظيم داعش، لتقديم نفسها ممثلا لهذه المدينة.

وسبق لمصادر سياسية أن كشفت عن تحرّك العائلة في اتجاهين، الأول إثبات براءة المحافظ السابق أثيل النجيفي من تهم التخابر التي تلاحقه، والثاني هو التخلص من محافظ نينوى الحالي نوفل العاكوب الذي أعلن الخميس عن رفعه دعوى قضائية ضد رئيس البرلمان متهما إياه بتجاوز القانون وخرقه.

وقال المحافظ في بيان إنه “أقام دعوى قضائية ضد رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي بسبب تجاوزه وخرقه لقوانين استجواب وإقالة المحافظين”.

وأكد أن “استجواب وإقالة أي محافظ تكون حصرا من صلاحية رئيس مجلس الوزراء ومجلس المحافظة وليس مجلس النواب كما جاء في القانون 21 لمجالس المحافظات”، معتبرا في بيانه أنّ “القانون العراقي كان واضحا في فصل السلطات وإفساح المجال أمام مجالس المحافظات في اتخاذ القرارات المحلية في العراق”.

659total visits,10visits today

تسمح شبكتنا بالتعليق على كافة المواضيع و لكن محررو الشبكة سيقومون بمراجعة التعليقات قبل الموافقة عليها

%d مدونون معجبون بهذه: