“الفساد” ينهش التعليم في العراق والمعلمون يتسلحون بالإضراب

بغداد – الخليج أونلاين (خاص)
زاد المعلمون العراقيون من حجم الضغوط التي تواجه حكومتهم؛ حين فرضوا إضراباً عن الدوام ليومين متتاليين (17 و18 فبراير)، مطالبين بتغيير واقع التعليم في البلاد.

التعليم منذ غزو البلاد في 2003 شهد تغييرات كبيرة، لكنه -بحسب مختصين، ورأي طلاب وأسر- اتجه نحو الأسوأ.

السبب في هذا السوء الذي آلت إليه العملية التربوية والتعليمية في العراق، بعد أن كان الأفضل في المنطقة منذ فترة ليست بعيدة، يعود للسياسة الحكومية التي تدير المؤسسة التعليمية.

المحاصصة في الحكم وتوزيع المؤسسات بحسب حجم الكتل الفائزة في الانتخابات، التي تعتمد على الطائفة والعرق وفقاً لما اتفقت عليه الكتل السياسية، هي من تلام، بحسب مختصين، ووفق ما يؤكده باستمرار مسؤولون في الحكومة وسياسيون كبار.

بعض هؤلاء السياسيين اعترفوا صراحة عبر المحطات التلفزيونية ووسائل إعلام مختلفة بتقاضي رشا، والحصول على مشاريع ومنافع أخرى في مقابل إرساء مشاريع أو الحصول على منصب.

منافع فئوية دمّرت التعليم
وفي مطالعة بسيطة على وسائل الإعلام العراقية، والتعرف عبر محركات البحث على شراء المناصب، يتوضح جلياً أن العملية السياسية برمتها قائمة على المنفعة الفئوية.

هذه المنفعة شملت القطاعات التي تعنى بمستقبل البلد، فالتربية والتعليم ركن أساسي لخلق مستقبل واعد، لكن ما يتكشّف لمن يحاول الوصول إلى معلومات حول سبب التدهور الذي وصل إليه التعليم في العراق هو أن شراء المناصب طال أيضاً مواقع مهمة في وزارة التربية.

وبحسب إحصائيات رسمية فإن ما يقارب الـ80% من نسبة المدارس العراقية بحاجة لإصلاحات وترميم، بينها نسبة كبيرة تحتاج إلى فك الدوام المزدوج.

والمثال الأكثر وضوحاً للتراجع الكبير في العملية التعليمية بالعراق وجود مدارس طينية في القرى والأقضية بلغت أكثر من ألف مدرسة، وهو ما تؤكده إحصائية سابقة لوزارة التربية.

المعلمون العراقيون منذ سنوات وهم يطالبون الجهات الحكومية المختصة بإصلاح واقع التعليم، وهو ما يؤكده نقيب المعلمين، عباس السوداني، لكن دون جدوى، مشيراً إلى أن ما كانوا يجنونه من هذه المطالبات “فقط الوعود”.
ونتيجة لما وصل إليه حال المؤسسة التعليمية والمعلمين، الذين يعاني غالبيتهم من شظف العيش، قرّروا اتخاذ إجراءات أكثر صرامة وجدية لوضع الحكومة أمام الأمر الواقع، بحسب ما ذكر نقيب المعلمين عباس السوداني، في حديثه لـ”الخليج أونلاين”.

وشهدت مدارس العراق، عدا إقليم كردستان (شمال) الذي يشمل محافظات: أربيل والسليمانية ودهوك، إضراباً عن الدوام على مدى يومي الأحد والاثنين (17 و18 فبراير)، وهو ما وصفه السوداني بـ”الرسالة” التي يجب أن تعيها الحكومة وتجد حلاً لمشكلة باتت تهدد مستقبل البلاد.

وأضاف أن اتخاذ قرار الإضراب جاء بعد دراسة وتشاور من قبل لجنة عليا في النقابة، مبيناً أن “عدة نقابات دعمت قرارنا بالإضراب”، مؤكداً أنه سيكون له وقع إيجابي.

السوداني لفت إلى أن مندوبين عن جهات حكومية وشخصيات سياسية مهمة تواصلت مع النقابة، وأنه “ستتم مناقشة المطالب من قبل رئيس الحكومة، عادل عبد المهدي، وقيادات حكومية أخرى”.

هذه المرة يجب على الحكومة اتخاذ إجراء وليس فقط الاستماع إلى المطالب، بحسب ما يقول عباس السوداني، بانياً مصدر اعتقاده على “تأثير الإضراب”.

وتابع يقول: “واضح أن للإضراب وقعاً خاصاً. ليس أمراً بسيطاً أن يُضرب المعلمون في غالبية المحافظات. لقد أدّى هذا الإضراب إلى إيقاف الدراسة”.

واستدرك بالقول: “لا يعني هذا أننا نتقصد الإضرار بالتعليم، نحن ندرك مدى الضرر الذي يطول العملية التعليمية إن حصل إضراب ما”، لكن الغاية الأسمى، بحسب تعبيره، هي انتشال العملية التربوية التي تواجه بالمجمل خطراً كبيراً.

نطالب بحقوقنا لا أكثر
مطالب المعلمين التي ينادون بها وأوصلوها إلى رئيس الحكومة تمثّلت بإصلاح البنى التحتية، وتأهيل مدارس، وبناء عدد كافٍ منها، ومنح المعلم حقوقه التي كفلها القانون؛ منها منحه قطعة أرض سكنية.

وواصل نقيب المعلمين العراقيين حديثه قائلاً: إن “النقابة لم تتعرّض لأي ضغوط من أي جهة كانت (سياسية أو حكومية)، وإنها لن تخضع لأي ضغوط، بل ستواصل ضغطها على الحكومة”.

ولم يستبعد السوداني أن تلجأ النقابة إلى دعوة المعلمين لإضراب آخر؛ في حال لم تتعامل الحكومة مع مطالبهم بشكل جدي.

معلمون يروون لـ”الخليج أونلاين” صعوبات عدة يواجهونها في عملهم تتعلّق بسياسة التعليم في البلاد بشكل عام.

أحمد الزهيري، مدرس للغة العربية في مدرسة بجانب الكرخ من العاصمة بغداد، يقول إن المسافة التي يقطعها للوصول إلى مدرسته تضيع من يومه أكثر من ساعتين.

ولم ينجح الزهيري في الانتقال إلى مدرسة قريبة من مسكنه توفر عليه المسافة؛ بسبب عدم وجود بديل يحلّ محله في مدرسته.

لكن على الرغم من هذا، يقول لـ”الخليج أونلاين”: إن “الأكثر صعوبة في العمل هو ازدحام الصفوف؛ في الصف الواحد 42 إلى 46 طالباً. في حين أن الحد الأقصى يجب أن يكون 28 طالباً، لكي يتمكّن المدرس من إيصال المعلومة للطالب، وبالمقابل يتمكّن الطالب من استيعاب المعلومة”.

فوق هذا كله، يقول مدرس اللغة العربية: إن “المدرسة متهالكة، لقد مضى على بنائها أكثر من 60 عاماً، جدران الصفوف متشقّقة. ما يجري في البلاد جريمة، هناك مليارات الدولارات تُسرق وتذهب إلى جيوب المسؤولين الفاسدين، في حين أن المدارس التي تخرّج أجيال المستقبل متهالكة!”.

والعراق يحتل منذ سنوات موقعاً متقدماً في مؤشر الفساد الذي تُصدره سنوياً منظمة الشفافية العالمية، وتُتهم الحكومات المتلاحقة بإهدار مئات مليارات الدولارات في عمليات مشبوهة، تؤكد تقارير محلية مؤسساتية وأخرى دولية أن الأحزاب النافذة في الدولة، وسياسيين بارزين، منتفعون من هذا الهدر الذي ذهب أغلبه إلى مشاريع وهمية.

الإضراب، بحسب نجاة علي، المعلمة في مدرسة ابتدائية ببغداد، “حلّ اضطررنا إليه”، مبيّنة في حديثها لـ”الخليج أونلاين” أن “وضع المعلمين بائس جداً؛ المرتّبات لا تفي باحتياجات الأسرة. لا توجد أسرة تعتمد في إنفاقها على مرتّب المعلم، بل يجب على المعلم أن يجد مهنة أخرى”.

وأضافت: “هذا الأمر اضطر معلمين ومدرسين إلى الاعتماد على الدروس الخصوصية. وهي حالة تُضرّ بالعملية التعليمية، لكن ليس هناك من حل آخر”.

564total visits,1visits today

تسمح شبكتنا بالتعليق على كافة المواضيع و لكن محررو الشبكة سيقومون بمراجعة التعليقات قبل الموافقة عليها

%d مدونون معجبون بهذه: