مترجم: كيف ينتهي صراع النفوذ السعودي- الإيراني المشتعل في لبنان؟

تشهد السعودية في الآونة الأخيرة انتكاسات كبيرة في تنافسها الإقليمي المُحتدم مع إيران، بدءًا من العراق وصولًا إلى سوريا واليمن. ويبرز لبنان حاليًا بوصفه ساحة مشتعلة أخرى لهذا التنافس الإيراني- السعودي.

وفي هذا الصدد، نشر موقع «ميدل إيست آي» البريطاني مقال رأي للكاتبة لينا خطيب، رئيسة برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في معهد «تشاتام هاوس» البريطاني، تسلط فيه الضوء على تراجع نفوذ السعودية في لبنان لصالح إيران، مشيرة إلى أنَّه في حين تكافح السعودية حاليًا لاستعادة نفوذها في لبنان، لم يظهر حتى الآن أي خطوات ملموسة من المسؤولين السعوديين على أرض الواقع تدل على أنَّها في طريقها إلى تحقيق ذلك.
وإليكم نص المقال:

تُبيّن زيارات حكومية رفيعة المستوى إلى بيروت في الآونة الأخيرة أنَّ التنافس السعودي- الإيراني على لبنان لم ينته بعد.

وصل وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، إلى بيروت في 10 فبراير (شباط) في زيارة استغرقت يومين، قدَّم خلالها عددًا من العروض العسكرية والاقتصادية. وفي 12 فبراير، زار المبعوث الملكى السعودى، نزار العلولا، لبنان، فيما وصفته وسائل إعلام لبنانية بأنَّه كان ردًّا مباشرًا على زيارة ظريف.

تشير هذه الخطوة إلى أنَّ السعودية تريد أن تبعث رسالة إلى إيران مفادها أنَّ الرياض لم تتخل بعد عن لبنان.

علاقات سريعة التقلّب
اتسمت العلاقات السعودية اللبنانية على مدى العامين الماضيين بالتغير والتَّقلّب على نحوٍ سريع. في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، ضغطت السعودية على رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري لإعلان استقالته خلال زيارته للرياض، مشيرًا إلى تهديدات من حزب الله وإيران. ونصحت الرياض أيضًا مواطنيها بعدم السفر إلى لبنان، وهو تحذير رفُع سريعًا.

استغلَّت إيران وحلفاؤها اللبنانيون ذلك الوضع بالتأكيد على أنَّ إجراءات السعودية تُمثّل تدخلًا في الشؤون اللبنانية. وشكلَّت عودة الحريري المفاجئة الأخيرة إلى لبنان من الرياض، ومشاركته في الانتخابات البرلمانية، التي أعقبت ذلك في شهر مابو (أيَّار) الماضي، نقطة تحول، إذ أدركت السعودية أنَّ مواجهة إيران في لبنان سَتَتحقّق على نحوٍ أفضل من خلال المشاركة على أرض الواقع.

على الرغم من أنَّ الحريري كسب دعمًا شعبيًّا أكبر في لبنان بعد واقعة استقالته من الرياض عام 2017 – إذ رأى كثيرون من مختلف الأطياف السياسية أنَّه يدعم السيادة اللبنانية في مواجهة الضغوط السعودية- خسر حزبه مقاعد في انتخابات مايو. وأدى ذلك إلى الحد من قدرة الحريري على التفاوض والمساومة مع خصومه السياسيين، ومن ثمَّ الحد من النفوذ السعودي.

ترهيب وتحالفات
على الجانب الآخر، كانت العلاقات اللبنانية- الإيرانية مُتّسقة ومُتَوَافِقة نسبيًّا. كان حزب الله دائمًا حليف إيران الموثوق به في لبنان، بالإضافة إلى أنَّ تحالفاته البراجماتية مع الجهات الفاعلة في لبنان مثل التيار الوطني الحر أكسبته مزيدًا من النفوذ.

أدَّت انتخابات مايو إلى إعطاء حزب الله وحلفائه مقاعد برلمانية أكثر من ذي قبل، وهم الذين اعتادوا على طلب تنازلات من معسكر الحريري.

كان معسكر الحريري نفسه مُنقسمًا. شهد تحالف 14 آذار، الذي تشكَّل في أعقاب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، وجمع بين تيار المستقبل بزعامة الحريري، وحزب القوات اللبنانية، وحزب الكتائب اللبنانية، تفكّكًا تدريجيًّا وسط خلافات داخلية وضغط خارجي من جانب منافسيه في تحالف 8 آذار.

وبحلول عام 2017، تزايد ضجر القوات اللبنانية تحديدًا من تنازلات الحريري السياسية والاقتصادية لمنافسيه السياسيين. ومع تشارك السعودية لهذه الحالة من الإحباط، أصبح تحالف 14 آذار تحالفًا صوريًّا بالاسم فقط.
تشكيل الحكومة
على الصعيد الخارجي، كان أداء حزب الله وإيران في سوريا أفضل من المعارضة السورية، التي كانت مدعومة جزئيًّا من السعودية. أُحبطت آمال الرياض في تغيير النظام في سوريا بسبب تدخُّل روسيا في عام 2015 وعدم وجود تحرك مُجدٍ من الدول الغربية، لاسيما الولايات المتحدة الأمريكية.

وجدت السعودية نفسها أمام دولة سورية تتجه نحو مزيد من النفوذ الإيراني ودولة لبنانية تواجه المصير نفسه، إذ استخدم حزب الله مكاسبه في سوريا لتأكيد ذاته وترسيخ قوته في وطنه لبنان.

كانت عملية تشكيل الحكومة اللبنانية في فترة ما بعد الانتخابات البرلمانية إحدى الوسائل القليلة المتبقية لدى السعودية للتصدّي لإيران في لبنان. أصدرت كل من الرياض وطهران تعليمات لحلفائهما اللبنانيين بعدم تقديم تنازلات للجانب الآخر في المفاوضات حول تشكيل الحكومة.

أدَّى هذا الضغط الخارجي، مقترنًا بالتنافسات والمشاحنات الداخلية والحسابات السياسية للأحزاب اللبنانية، إلى عرقلة عملية تشكيل الحكومة لمدة تسعة أشهر. ويُنظر إلى الحكومة الحالية، التي أُعلنت في نهاية المطاف، وتوصف بأنَّها حكومة وحدة وطنية بقيادة الحريري، بوصفها خاضعة لهيمنة حزب الله وحلفائه المسيحيين، وهي ضربة أخرى للمملكة السعودية في لبنان.

كانت زيارة ظريف في أعقاب تشكيل الحكومة وإعلانه من بيروت أنَّ إيران مستعدة لدعم الحكومة اللبنانية بكل الطرق بمثابة طعنة أخرى للسعودية. اغتنم زعيم حزب الله، حسن نصر الله، الفرصة لتجديد دعوته للقوات المسلحة اللبنانية لقبول الحصول على أنظمة دفاع جوي من إيران، الأمر الذي يُعد خطًّا أحمر بالنسبة للسعودية والولايات المتحدة الأمريكية.

وعودٌ غامضة
لذا، يُمكن النظر إلى زيارة العلولا، التي جاءت مباشرةً عقب زيارة ظريف، على أنها رسالة من السعودية مفادها أنَّه على الرغم من انتكاساتها، فلم تنفض يديها من لبنان. لكن يبقى السؤال: ماذا ستفعل السعودية على نحوٍ واقعي ملموس من أجل استعادة درجة من النفوذ في لبنان؟

يتمثَّل أحد السبل في إعادة تفعيل منح مساعدات أمنية بقيمة 4 مليارات دولار، التي كانت قد ألغتها السعودية في عام 2016 بعد «عدم إدانة» لبنان للهجمات ضد السفارة السعودية في إيران. وثمة وسيلة أخرى تتمثَّل في الاستثمار السعودي في سندات الخزانة اللبنانية، وهو أمر دعا إليه وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل في دافوس في شهر يناير (كانون الثاني).

أعلن العلولا من بيروت أنَّه سيجري تفعيل أكثر من 20 اتفاقية مع لبنان. ومع ذلك، لم يُقدّم المسؤولون السعوديون حتى الآن سوى تصريحات غامضة بشأن دعم لبنان «على طول الطريق».

392total visits,2visits today

تسمح شبكتنا بالتعليق على كافة المواضيع و لكن محررو الشبكة سيقومون بمراجعة التعليقات قبل الموافقة عليها

%d مدونون معجبون بهذه: