“الفدرلة” تعود إلى الواجهة.. هل تنفصل البصرة عن بغداد؟

بغداد – الخليج أونلاين (خاص)
اشتعلت مجدداً الاحتجاجات الشعبية في محافظة البصرة جنوبي العراق بمشاركة أطراف فاعلة في الحكومة المحلية، وذلك بعد سكون شهدته مرحلة ما بعد الانتخابات التي جرت في مايو الماضي، وما أعقبها من معترك تشكيل الحكومة الجديدة.

وإذا كان عدم تحقّق مطالب المحتجين التي أشعلت انتفاضة الشارع ضد حكومته هو الذي أعاد الحراك الشعبي، فإن السخط من موازنة الدولة لعام 2019، وعدم العدالة في توزيع الثروة، هو الذي جعل الحكومة المحلية تعبّر عن سخطها كما الشارع.

وضمّت الحكومة المحلية صوتها للمطالبين بتحويل ثالث محافظات العراق مساحةً وبوابة العراق على الخليج العربي إلى إقليم فيدرالي، أسوةً بإقليم كردستان، بحسب ما يُتيحه الدستور الذي كُتب عام 2005، في ظل الاحتلال الأمريكي.

البحث عن مخرج
تعيش محافظة البصرة أزمة هي الكبرى في تاريخها في مجال الخدمات، أسوة بسائر أنحاء العراق التي أصبح الأصل فيها أن تكون مأزومة، لكن ما أخرج الأمور من زمام السيطرة وفجّر الغضب الشعبي هو مساس الأزمة بحياة الناس.

فقد تحولت المحافظة النفطية إلى ميدان للموت تسمّماً بسب التلوث، أو عطشاً جراء أزمة المياه، أو نتيجة انتشار الأمراض والأوبئة الناجمة عن تردي القطاع الصحي، فضلاً عن الفساد وسيطرة المليشيات على المقدرات النفطية.

تُضاف إلى ذلك معضلة “المحاصصة”، التي جعلت من الحكومة المحلية مشروعاً كبيراً لاستثمار الأحزاب النافذة، وهو ما دفع الشارع البصري للخروج في مظاهرات على شاكلة مظاهرات الربيع العربي.

هذه المظاهرات انطلقت في يوليو الماضي، تحت عنوان المطالبة بالخدمات، وتصاعدت في سبتمبر، لتصل إلى المطالبة بإسقاط الحكومة، وإعلان السخط على إيران، الجار المؤثر في سير أحداث العراق اليومية، ووصل الأمر إلى حد إحراق قنصلية طهران في البصرة والهتاف ضدها.

وبعد هدوء دام أشهراً قليلة عقب الانتخابات البرلمانية وتشكيل حكومة عادل عبد المهدي، عاد أهالي البصرة للخروج في تظاهرات حاشدة، مطلع يناير الماضي؛ احتجاجاً على عدم وفاء الحكومة بحل مشاكل المحافظة المستعصية، المتمثلة باستمرار تراجع الواقع الخدمي والمعيشي، وانتشار البطالة، وتفشي الفساد المالي والإداري في مؤسسات الدولة.

وبدل أن تفي الدولة بتعهداتها بحل المشاكل وتوفير التخصيصات المالية اللازمة لمعالجة أزماتها المزمنة، جاءت ميزانية 2019 لتقدّم للشارع دليلاً على عدم مبالاة الطبقة السياسية بموت البصريين البطيء، حسب تعبير الناشط في تنسيقيات البصرة، رضا الساعدي.

وأضاف الساعدي في حديثه لـ”الخليج أونلاين”: إن “الشارع وصل اليوم إلى قناعة تتمثل في أن الحل يكمن في نأي المحافظة عن الحكومة المركزية التي تمزّقها الصراعات والحسابات الطائفية، وقراراتها الخاضعة لمعادلات الصراعات الإقليمية”.

وارتبطت قناعة الشارع، بحسب الساعدي، بتساؤلات عدة؛ أبرزها: “أين تتجه بوصلة المواجهة الإيرانية الأمريكية؟ وكيف تساعد الحكومة المركزية بشار الأسد في سوريا؟”، مضيفاً: “في حين نغرق نحن في الموت بشكل بطيء”؛ بين سوء الخدمات والفساد الإداري.

وتابع: “لذلك يقف الشباب في التنسيقيات اليوم مع المطالبة بتشكيل الإقليم، وسيكون لنا تحرك قوي بهذا الاتجاه في الأيام القادمة، ولن نتخلى عن مطالبنا الحقيقية التي انطلقت التظاهرات لأجلها منذ نحو عام؛ وهي المطالبة بحقنا في حياة كريمة”.

وتؤيد أطراف فاعلة في الحكومة المحلية مطالب الشارع بـ”الفيدرالية”، وتحمّل حكومة عبد المهدي المسؤولية عن عدم حل المشاكل؛ بسبب عدم رصد التخصيصات المالية التي تتناسب مع حاجة البصرة في الميزانية.

وبهذا الخصوص قال عضو مجلس محافظة البصرة، حسام أبو الهيل، لـ”الخليج أونلاين”: إن “موازنة العام الجاري تعاملت مع البصرة كأنها محافظة مستقرة وليس فيها مشكلة خدمات وموت بسبب التسمّم وملوحة المياه”.

وأضاف: “بناء على ذلك أقل ما يُقال في بنود تخصيصات البصرة إنها ظالمة، حيث تضمّنت إلغاء تخصيص 50٪ من إيرادات المنافذ الحدودية، ما يعني حرمانها من نحو 600 مليار دينار (أكثر من 500 مليون دولار أمريكي)”.

وزاد أبو الهيل القول: “بدل أن تخصص الحكومة أموالاً لحل مشاكل الناس تقتطع من ميزانيتهم لتزيد من أزماتهم”، مؤكداً أنه “لا يمكن القبول بحصة المحافظة من الموازنة، فهي ليست سوى موازنة تشغيلية فقط ولا يمكن أن تنجَز المشاريع من خلالها”.
وأوضح أن “المحافظة بدأت بالحراك سياسياً وشعبياً من أجل إعلان إقليم خاص، بعدما أصبح واضحاً أن حقوقنا لن نحصل عليها إلا من خلال الإقليم، ورغم توجّهنا نحو القضاء لتعديل حصة المحافظة أسوة بالمحافظات الأخرى، فإننا لا نثق بالحصول عليها”.

وأكد أبو الهيل أن “الحكومة المحلية بدأت بتنظيم الطلب الرسمي لتقديمه إلى الجهات المسؤولة لاتخاذ الخطوات القانونية لتشكيل إقليم البصرة، وتم جمع تواقيع ثلث أعضاء المجلس من أجل مفاتحة رئيس الحكومة، وبدوره يفاتح المفوضية العليا للانتخابات من أجل إجراء استفتاء في المحافظة، بحسب ما ينص عليه الدستور”.

حكاية الفيدرالية
وتعود فكرة “فدرَلَة” العراق إلى الاحتلال الأمريكي عام 2003، إذا يُعد مفهوم الفيدرالية من المفاهيم الغريبة على التجربة السياسية العراقية؛ فالبلد دولة مركزية منذ تأسيسها بعد انتهاء الاحتلال البريطاني عام 1921، إلا أن الدعم الأمريكي البريطاني الفرنسي لإقامة كيان مستقل عن الحكومة المركزية في كردستان شمالي العراق، عام 1991، جعل عودة البلد إلى نظام الحكم المركزي بعد الاحتلال أمراً في حكم المستحيل.

لذلك عملت القوى السياسية التي جاءت مع الاحتلال على ترسيخ هذا المفهوم الجديد وأقرّته في نص دستوري، مستندين إلى أنه نظام سياسي شائع في العالم، وأن الدول التي اعتمدت الفيدرالية تمكّنت من إشاعة الديمقراطية ومنع الاستبداد، وحققت لشعوبها التقدم والرفاهية والحياة الكريمة.

لكن تطبيق هذا المفهوم اقتصر على الإقليم الكردي الذي يشمل ثلاث محافظات؛ هي أربيل ودهوك والسليمانية، دون أن تتمكن أي محافظة أخرى من تشكيل إقليم مشابه.

وسبق أن طالبت محافظة البصرة عام 2008 بتشكيل إقليم خاص؛ اعتراضاً على سياسات الحكومات المتعاقبة بعد الاحتلال، لكن محاولاتها لم تنجح رغم قانونيتها، وقد تمكنت الحكومات من تسويفها، بينما يتوقع البصريون أن الحال سيختلف مع حكومة عادل عبد المهدي هذه المرة.

تجدر الإشارة إلى أن الشارع العراقي ومعه النخبة السياسية منقسم على نفسه بخصوص الفيدرالية، فالمعارضون يرون أنه مشروع أمريكي هدفه تقسيم البلاد، مستدلين على ذلك بأن أول من طرح هذا المشروع ونظر له هو جو بايدن، نائب الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما.

في حين يرى المؤيدون أنه مخرج لأزمة المركزية التي جعلت النظام يولّد حكاماً متسلطين حتى في زمن الانتخابات والديمقراطية، كما حصل مع رئيس الوزراء الأسبق، نوري المالكي.

أما الفريق الثالث فهم المحايدون الذين يفضّلون الترقب ويعتبرون الدخول في هذا الجدل عملاً خطيراً يمكن أن يؤجج مشاعر الشارع العراقي سلباً أو إيجاباً.

514total visits,3visits today

تسمح شبكتنا بالتعليق على كافة المواضيع و لكن محررو الشبكة سيقومون بمراجعة التعليقات قبل الموافقة عليها

%d مدونون معجبون بهذه: