تحليل سيكوبولتك لأغرب ظاهرة سياسية في تاريخ العراق …د.قاسم حسين صالح

من عام( 2003 لغاية 2019 ) يعيش العراق أغرب ظاهرة سياسية ما حدثت في تاريخه باختلاف أنظمة حكمه.
ولأن من عادتي أن استطلع الرأي في مثل هذه القضايا، فأنني توجهت بهذا التساؤل عبر وسائل التواصل الاجتماعي:
( منذ 15 سنة والسياسيون يتقاضون رواتب وامتيازات ما حصلت بتاريخ العراق والعالم. الفاسدون منهم تحولوا من فقراء الى أصحاب مليارات..هم يزدادون ثراءً والشعب يزداد فقراً،ومع ذلك هم باقون فيما التاريخ يكتب عن العراقيين بأنهم ما انبطحوا لظالم ولا استسلموا لسلطة. افيدونا بتفسير علمي يرحمكم الله).
ساهم في الإجابة على الاستطلاع (357) بينهم أكاديميون ومثقفون وإعلاميون..لحضراتكم ما شخصوه من أسباب مصنفة ومرتبة بحسب اهميتها عندهم.
1.الشعب العراقي
غالبية الإجابات عزت السبب الرئيس الى الشعب العراقي ووصفته بأنه:
– شعب مهيض الجناح سحقته العهود البائدة فالتهمه هؤلاء لقمة سائغة
– شعب نايم خدران بالطائفية والخوف من الآخر
– لا يوجد تفسير سوى ان هذا الشعب في غيبوبة عميقة
– الطبقة السياسية ما هي الا عينة من الشعب ولذلك ترى الشعب ينتخبهم
– وجود قاعدة شعبية عريضة من الطفيليات المنتفعة
– الشعب تمّ تجهيله لعقود طويلة.هنا في اميركا مثلا الطفل يتم تشجيعه على الادلاء برأيه وقول الحقيقة مهما كانت.عدم السكوت على الظلم حتى لو كان من الأهل والمعلم..ويتعلم أن سلطة القانون هي الأعلى.
– التفسير المنطقي الوحيد هو إننا شعب يصنع الطغاة ويسكت على الظلم بتبرير (شعليه)،فعبدنا المسخ صدام بأهزوجة (بالروح بالدم )وجئنا بهؤلاء بأهزوجة (علي وياك علي ).
– هؤلاء مرآة مجتمع أغلبه فاسد
– العراقيون تاريخهم كله استسلام للسلطة وانبطاح للظالم..همج رعاع،ينعقون مع كل ناعق.
– العربي..جينيا يحترم ويخاف اثنين: القوي والثري.
– تحت الأسوار ولدنا وبين الاسوار نموت، لا نعرف في بابل غير القتل لأجل القوت.
وهنالك من رأى،وهم قلّة:
– الشعب العراقي نفسه طويل وعنده أمل بالاصلاح يقول بلكي هالمرة يتحقق الأمل،ولكنهم حين يفقدون الأمل ويظلمون فان اقل شيء يسويه هو السحل.
– ستاتي ساعتهم وسترى أي فيض يخرج من قلوب العراقيين،إنها لحظة ترقب لن تدوم طويلا.
ثانياً:الدين والمذهب:
– نجح الفاسدون في الدخول الى عقول المعدمين عن طريق الدين والمذهب فاستحوذوا على سكوتهم.
– نجحوا بان جعلوا عقيدة الناس مبنية على القبول والطاعة العمياء.
– الأحزاب الطائفية أحزاب شمولية بكل المقاييس والاعتبارات.
– كل ما حصل ويحصل ناجم عن تغييب الوعي المجتمعي للاستحواذ على السلطة من قبل الفاسدين.
– استاذي العزيز طالما اكو لطم بالديرة يبقى الحال كما هو عليه.
– تم ذلك بجعل الطبقات الاكثر جهلا تنتمي لميليشيات تابعة لأحزاب السلطة ،وبمباركة الجهات الدينية سرّا وعلنا.
– من وجهة نظري العلمية،مادام في السلطة رهبان يعطون للسلطان شرعيته فإن العراقيون يقدسون مايقوله الرهبان.
– الأحزاب عملت على عسكرة المجتمع كما كان سابقا ولكن بأديولوجية جديدة (عقدة عقائدية) بخلاف الاديولوجية (القومية )،استهدفت جيلاً كاملاً وستمتد لأجيال إذا لم تعالج بإفكار وطنية عصرية.
– بسبب سيطرة الثقافة المذهبية.يقول أحدهم ما دام الآذان يصدح بكلمة علي ولي الله في التفلزيون فاي شيء لا يهم.
طبيعة السلطة و أنظمة الحكم
– النظام المؤسساتي كله مختل في العراق ودول الشرق العربية،ساعات العمل قليلة وفيها كثير من التسيب،رواتب مرتفعة،الرشا والواسطة منتشرة في مختلف المستويات الوظيفية..لذلك هي مقبولة في العقل الباطن عند الموظفين الكبار والمسؤولين.
– إن إدارة الصراع بين السلطة والشعب مختلة،فالسلطة تملك النفوذ والمال والاجهزة الأمنية والمليشيا والدعم الخارجي،فيما الشعب لا يملك أي قيادة يلتف حولها في مسيرة النضال،وحين ظهور بعض القيادات يتم أما تصفيتها أو شراؤها أو تحييدها.
– المشكلة في المثقفين الذين يمتلكون الوعي وأهمهم الاعلامون والمحامون وأساتذة الجامعات،لا يقومون بواجبهم النضالي والاجتماعي وعزلوا أنفسهم في خانات ضيقة.
– بعد سقوط النظام حدث أمران:محاربة المثقفين والطبقة العلمية وابعادهم عن دورهم الفعلي،وهجرة الكفاءات خارج البلاد.
تخطيط خارجي
– العمل ممنهج من البداية،ضرب وقتل الكفاءات وتهجيرهم والذي لم يهاجر انكفأ في بيته،ومن ثم تسليم الأمور بيد الجهلة والمارقين الذين أصبحوا يمتلكون المال والسلطة وجماعات مسلحة.
– هذا ما تريده أميركا لتحقيق مصالحها الاقتصادية والستراتيجية،وما تريده إيران أن تكون السلطة بيد شيعة موالين لها.
– الأمر أكبر مني ومنك، الأمر بيد الماسونية
استنتاج
توحي الأجابات بأن أسباب أغرب ظاهرة سياسية يشهدها العراق في تاريخه..متعددة،مركبة ،معقدة،شمولية،وفيها مفارقات تخالف المنطق وغير معقولة.وما يعنينا هنا هو التحليل السيكولوجي..نلخصه بأربع قضايا،
الأولى:تثبت الأحداث أن تاريخ السلطة في العراق هو تاريخ العنف والدم وقطع رؤوس الخصوم منذ أن تحولت الى وراثية عام 61 هجرية،وإنها اعتمدت السيف لحلّ النزاعات واجبار من يخالفها على الطاعة والخضوع،وانها كانت على مدى أكثر من ألف وثلاثمائة سنة لا تلجأ الى التفاوض والحوار إلا بعد أن تقطف السيوف رؤوس أفضل من في القوم.
وحديثاً تعمق الشعور بأن السلطة في العراق تكون للأقوى بدءا من انقلاب بكر صدقي عام ( 1936) الذي يعدّ اول من فتح الطريق نحو انقلابات عسكرية امتلك قادتها شعوراً وطنياً، مصحوباً بفقر في نضجهم السياسي ودوغماتية لا تطيق الرأي الآخر. ولم تفهم أن السياسة تعني فن إدارة شؤون الناس بل إنها غنيمة وعلى الحاكم أن يعتمد شعار (الأقربون أولى..) وإن كانوا لا يفهمون..ما يعني أن العراقيين معبؤون سيكولوجياً في لاشعورهم الجمعي بان السلطة تكون للأقوى وأن يعض عليها بأسنانه ويقطف رأس من ينافسه عليها وإن كان على حق.
الثانية: يختلف المجتمع العراقي عن المجتمعات الأخرى بأنه شعب منتج لأصناف متضادة من البشر بمواصفات عالية الجودة.فنحن منتجون لمبدعين ومفكرين وشعراء ورجال دين وشيوخ عشائر من طراز رفيع..وبالمقابل نحن منتجون لطغاة وقتلة ورعاع وغوغاء بمواصفات ” عالية الجودة”.ونحن منتجون لمن يفلقون رؤوسهم بالحراب فداء لمن ماتوا قبل ألف سنة،ومنتجون لمعتقدين عن يقين بأن تاريخهم مزوّر وأسود ومعرقل للتقدم يجب غلق غلافه الأخير.ونحن منتجون لمن يعرفون بالغيرة العراقية والأنفة،ومنتجون أيضا لناهبين من طراز رذيل ، ولا أرذل من سلوك ينهب الناس فيه وطنهم.والمحصلة السيكولوجية لها هو ضعف او انعدام الشعور بالأنتماء للوطن،والتعلّق بالانتماء الذي يؤمن للفرد بقاءه الوجودي ومصلحته الشخصية.
الثالثة:يغيض جيران العراق أن يروه مستقراً سياسياً وأمنياً وفيه نظام ديمقراطي يعتمد مبدأ العدالة في توزيع الثروة واستشمارها، ويعز على أغلبهم أن يروا العراقي المميز بالذكاء والشخصية مرفها ماديا،وادراكهم أن العراقيين اذا توحدوا فانهم سيجعلون من العراق وطنا مزدهرا بعمارات ومطارات وجامعات ومصانع..بين جبال وأهوار وأنهار ونخيل وأرض خضراء كأنها الجنة، ويجعلون من بغداد مركزا للثقافة والإبداع وقبلة أنظار العالم.
الرابعة:قيام تشكيلة مجلس الحكم على ثنائيتين سيكولوجيتين:المظلومون مقابل الظالمين،عراقيو الخارج مقابل عراقيّ الداخل.. نجم عن الأولى ( ثقافة المظلومية ) شاعت بين الشيعة والكرد مقابل( ثقافة الاجتثاث ) استهدفت من كان محسوبا” على النظام السابق وغالبيتهم من السّنة، بمعادل نفسي يقوم على سيكولوجية ” الضحية ” و ” الجلاد ” تجسدت بانتقام الضحية بـ” اجثتات ” أقرب الى الثأر الجاهلي دفع بـها ” الضحية ” الى التعبير بانفعالية في تضخيم ما أصابها من ظلم، وشرعنة الاقتصاص حتى ممن كان محسوبا” بصفة أو عنوان على الجلاد.
إن تفاعل هذه المتغيرات هي التي أوصلت العراقيين الى أن يعيشوا أغرب ظاهرة سياسية في تاريخهم،بمفارقات إنهم ينتخبون فاسدين وفاشلين سياسيا،أشاعوا الفساد بطريقة هرأت الضمير الوطني والاخلاقي عند من صار ولاؤه لحزب أو طائفة أو قومية،نجم عنها سيكولجيا الأسقاط بتحويل سبب ما يحصل الى (أن العراقيين ما تصيرلهم جاره،السلطة تمتلك القوة والمال،مليشيات،تدخل خارجي..) لتوصل الكثير من الوطنيين والمثقفين والمنتمين صدقا للعراق الى التيئيس من إصلاح الحال،الذي كان يحصل بانقلاب عسكري أو بثورة شعبية تم تعطيلهما لأن النظام ديمقراطي.
إن علم النفس والاجتماع السياسي يفيدنا بحقيقة(إن المراحل التاريخية لا يمكن حرقها)..وإن ما يمر به العراق الجديد من عام (2002) تحتاج مرحلة التغيير فيه الى جيل..وكنا توقعنا في مقالة موثقة نشرت عام 2014 بأن التغيير سيبدأ في 2022،وسيحصل بالتاكيد..(اذا ما صار شي!).

935total visits,2visits today

تسمح شبكتنا بالتعليق على كافة المواضيع و لكن محررو الشبكة سيقومون بمراجعة التعليقات قبل الموافقة عليها

%d مدونون معجبون بهذه: