دولة البغدادي بلا دواوين: مجلس شورى “داعش” فارغ … بغداد، الأنبار ـ زيد سالم، محمد علي

لا يعتمد ما تبقى من عناصر تنظيم “داعش” المنتشرين بصورة عشوائية غير منتظمة ومهددة أمنياً، تحديداً في المناطق العراقية، على قرارات صادرة من قياداتهم أو ما يعرف بالمجالس العليا للتنظيم، ومنها ما يُعرف “مجلس شورى الدولة”، إذ لم يتبق من مؤسسي هذا المجلس إلا زعيم التنظيم المدعو أبو بكر البغدادي، الذي اختفت أخباره منذ نهاية عام 2017 وتحرير مدينة الموصل العراقية. يومها ظهر البغدادي في تسجيل صوتي نشره إعلام التنظيم، حثَّ فيه عناصره في أوروبا والولايات المتحدة على ضرب الأمن في الدول التي يتواجدون فيها، ثم اختفى. وعلى الأثر، بقي مسلحو التنظيم في شتات وغياب وحدة القرار، فضلاً عن التسريبات الكثيرة التي تشير إلى حدوث نزاعات بين عناصر محلية على مراكز نفوذ وسلطة.
ويؤكد مسؤولون أمنيون عراقيون في بغداد، في حديث مع “العربي الجديد”، أنه في “عام 2018 فقدت هيكلية تنظيم داعش 11 ديواناً (أشبه بالوزارات) بفعل فقدان التنظيم السيطرة على الأرض بالإضافة إلى انهيار مجلس شورى الدولة بعد مقتل أغلب أفراده واعتقال بعضهم، وفرار بعضهم الآخر، وانقطاع التواصل بين من تبقى حياً منهم”. وبحسب المسؤولين فإن الدواوين التي لا تزال تعمل على نحو ضعيف جداً هي ديوان بيت المال، وديوان الجند وديوان الإعلام.

والدواوين شبيهة بالوزارات شكّلها التنظيم قبيل احتلاله الموصل في يونيو/حزيران 2014 خلال اجتماع عقد في مدينة الرقة السورية، ووضع قيادياً على كل ديوان منها وهي ديوان القضاء والمظالم، ديوان الدعوة والمساجد، ديوان التعليم، ديوان الزراعة، ديوان الفيء والغنائم، ديوان الحسبة، ديوان الزكاة، ديوان الأمن العام، ديوان الصحة، ديوان الركاز، وديوان الخدمات.

أما فكرة “مجلس شورى الدولة” فعرفها العراق منذ العام 2006 على وجه التحديد. مع سقوط نظام صدام حسين واحتلال القوات الأجنبية للعراق، برزت التنظيمات الإرهابية ومنها جماعة “التوحيد والجهاد” بقيادة الأردني أبو مصعب الزرقاوي. وأعقب ذلك مبايعته لزعيم تنظيم “القاعدة” السابق أسامة بن لادن ليصبح تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، إلى أن أصبح التنظيم واحداً من أقوى التنظيمات في الساحة العراقية. وفي 2006 خرج الزرقاوي في تسجيل مصور معلناً عن تشكيل مجلس شورى المجاهدين، بزعامة أبو عمر البغدادي، وبعد مقتل الزرقاوي في الشهر نفسه، انتخب التنظيم أبو حمزة المهاجر زعيماً للتنظيم، وفي نهاية السنة تم تشكيل “دولة العراق الإسلامية” بزعامة أبي عمر البغدادي. وقتل الأخيران في اشتباكات مع القوات الأميركية في منطقة الثرثار عام 2010، ليختار مجلس الشورى في حينها أبو بكر البغدادي خليفة له. وبعدما كان أعلن في 2013 اندماج تنظيمه مع فرع القاعدة في سورية (جبهة النصرة) لتشكيل ما يسمى بـ”الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش) لم يدم الأمر طويلاً، بعدما خرج زعيم القاعدة، أيمن الظواهري، في فبراير/شباط 2014 مؤكداً فك الاتباط بـ”داعش”، قبل أن يعلن التنظيم أواخر يونيو/حزيران 2014، “قيام الخلافة الإسلامية”، وبايع زعيمه أبو بكر البغدادي “خليفة للمسلمين”، بموازاة إعلانه إسقاط الحدود بين الدول التي له تواجد فيها وتغيير اسمه إلى تنظيم “الدولة الإسلامية”.

وبحسب جنرال في مديرية الاستخبارات العسكرية بوزارة الدفاع في بغداد، تحدث مع “العربي الجديد”، فإن “تنظيم داعش يمرّ بأزمة قادة مؤثرين ويمتلكون كاريزما على الشباب والجهاديين المغرر بهم سواء من المحليين أو الأجانب الذين قدموا إلى سورية والعراق خلال الفترة الماضية، وذلك بعد مقتل وهروب وانقطاع تواصل 90 في المائة من قادة وزعماء داعش خلال الأشهر الستة عشر الماضية”.

وبحسب المصدر نفسه فإن عدداً كبيراً من القادة تمت تصفيتهم بعد معركة الموصل أو خلالها، ويمكن القول إن أغلب قادة “داعش” قتلوا في العراق وليس في سورية. وأضاف “القوات العراقية كانت أصدق في قتال التنظيم من جيش نظام الأسد والقوات المتحالفة معه لأسباب معروفة هي مساعي إضفاء طابع الإرهاب على كل أجزاء ساحة الصراع السوري”.

وأشار الجنرال العراقي، في حديثه مع “العربي الجديد”، إلى أن “تنظيم داعش اليوم في أكثر مراحله خسارة وضعفاً، وهو يعمل الآن على إرجاع عهده السابق عبر انتخاب أسماء جديدة لمجلس الشورى وغيره من الدواوين ولو بشكل صوري حتى لا يموت ذكرها، وبالتالي ينتهي مشروعه المزعوم”. وأضاف “بحسب المعلومات التي وصلتنا من أجهزة المخابرات فإن الوضع الصحي لزعيم الجماعة الإرهابية أبو بكر البغدادي، ساء كثيراً، خلال الفترة الماضية، بعد خسارته لولده وقيادات مهمة في تنظيمه”. ولفت إلى أن “التنظيم الإرهابي يعتمد حالياً في عملياته وهجماته في مناطق العراق على خلاياه النائمة في المناطق التي تم طرده منها، بحيث يستمر تأثيره في تلك المناطق، خصوصاً أن هؤلاء الأفراد يظلون في الخفاء حتى يتم استدعاؤهم لتنفيذ عملياتهم”. كما تطرق إلى استخدام التنظيم “ما يُعرف بالخلايا العنقودية، التي تعتمد على اللامركزية، وطرق تواصل معقدة لا تسمح بربط الخلايا بعضها ببعض، فإذا سقطت خلية لا تسقط باقي الخلايا”، لكن على الرغم من ذلك أشار إلى أن “التنظيم يعاني حالياً من خسارة مراكز التمويل بسبب مسك الحدود بطريقة جيدة”.

من جهته، قال ضابط بارز في الجيش العراقي، يخدم في المنطقة الحدودية مع سورية، إن “داعش خسر آلاف المتطوعين للقتال في صفوفه بعد السيطرة على المناطق الحدودية، وفي العراق تم تدمير 80 في المائة من إمكانات التنظيم”. ولفت إلى أنه بسبب ذلك فإن “عناصر التنظيم يعملون على عمليات التفجيرات المنفردة، بطريقة عشوائية، بدون الرجوع إلى قيادة معينة”. وأوضح في حديث مع “العربي الجديد”، أن “داعش بعد تفكك مجلس شورى الدولة انتقل إلى مرحلة عمل جديدة تعتمد على التنظيم الخيطي، ما يعني أن هيكلية التنظيم باقية ولكنها ضعيفة”. وأوضح أنه “عبر الضربة الجوية التي نفذها الطيران الحربي العراقي، قبل شهر تقريباً، في منطقة سوسة السورية، تم قتل 13 شخصاً من مساعدي البغدادي ومنهم أعضاء بما يسمى مجلس الشورى”.

بدوره، أشار الخبير بالشؤون الأمنية سرمد البياتي، إلى أن “الخلايا المتباعدة لعناصر التنظيم، بالإضافة إلى تشتت أماكن وجودهم لا سيما أن غالبيتهم في جحور وأنفاق، واستحالة التواصل في ما بينهم، جعل المجالس الإدارية والتنظيمية لداعش غير ضرورية”. ووفقاً للبياتي فإن “هذا الأمر دفع الإرهابيين في داعش، إلى اتخاذ القرارات عبر الشورى بين المقاتلين أو تنصيب أمير ولو على ثلاثة أشخاص ليفكر بالنيابة عنهم ويتخذ القرارات”. وأوضح أن “أسلوب داعش يعتمد على الإمارة وهم في أحلك الأوقات يتخذون واحداً منهم أميراً، وهذا الأسلوب لدى الجماعات الإرهابية يعني عدم احتياجهم لمجلس شورى عمومي”. ولفت إلى أن “الخلايا الفرعية تعمل، عموماً، وفق ما تفرضه الظروف العامة، مثلاً استخدام المقاتلين في مواجهة الجيش العراقي أو الانتحاريين، وهكذا”.

427total visits,1visits today

تسمح شبكتنا بالتعليق على كافة المواضيع و لكن محررو الشبكة سيقومون بمراجعة التعليقات قبل الموافقة عليها

%d مدونون معجبون بهذه: