سعدون جابر والأغنية العراقية … بشير البكر

بثت قناة الجزيرة، قبل أكثر من سنة، حواراً مع الفنان العراقي سعدون جابر، يختلف عن الحوارات التقليدية التي تتناول، في غالب الأحيان، حياة الفنان وأعماله، ولا تولي أهمية لمواقفه السياسية، ولا تكترث برأيه في تطورات وأحوال بلده، ويعود الفضل الى الصحافي علي الظفيري الذي أجرى الحوار، واجتهد لكي يأتي خارج النمط الدارج، فعرّف المتابعين على شخصية سعدون الذي كان منفتحا ومتحمّسا كي يكشف عن جوانب من شخصيته، لا يعرفها غير الذين اقتربوا منه، مثل علاقته مع الرئيس العراقي السابق، صدام حسين الذي طلب منه أن يغني لملك السعودية فهد الذي زار العراق بعد نهاية الحرب العراقية الإيرانية، وأمره أن يغنّي ضد الملك بعد احتلال العراق للكويت. سعدون بالنسبة للغالبية العظمى هو مطرب عراقي، وأحد الذين برزوا من بين جيل المطربين الذين بدأوا الغناء في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، مثل فاضل عواد، حسين نعمة، إياس خضر، فؤاد سالم، وآخرين. ويجهل كثيرون الوجه الآخر لهذا الفنان الذي درس الأدب الانكليزي، قبل أن يسير على طريق الفن والموسيقى، ويتعمق بهما، وفي حين كان الانطباع العام عن سعدون جابر أنه مطرب عراقي محلي، فإن الحوار قدّمه، في ذلك الحين، في صورة الفنان المثقف الذي درس بعمق تراث العراق الفني، وتعمق في موروث الأغنية العراقية ذات الخصوصية القوية.
ويبرز في الحوار أن الخصوصية في الأغنية العراقية منفتحةٌ على تراث الأغنية العربية، وهذا الانفتاح معرفي وتفاعلي في الوقت نفسه، ولكنها تكاد تتميز عن غيرها بأنها في الخمسين سنة الأخيرة اعتمدت، في صورة أساسية، على الشعر الشعبي الذي كتبه شعراءُ يمتازون بأنهم على ثقافة عالية، مثل مظفر النواب وعريان السيد خلف وزهير الدجيلي صاحب كلمات اغنية “يا طيور الطايرة” التي تعد من أفضل ما غنّى سعدون جابر، وذياب كزار(أبو سرحان) صاحب أغنية غناها غالبية المطربين العراقيين “القنطرة بعيدة” الذي ضاعت آثاره خلال الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982.
أثّر مظفر النواب في القصيدة الشعبية الجديدة، وطبعها بطابع خاص، وسار على طريقه جيل من الشعراء الذين كتبوا القصيدة الشعبية لغرض الغناء، وأصبح ديوانه “الريل وحمد” بمثابة الأيقونة لجيل شعريٍّ كرّس نفسه للكتابة في هذا الاتجاه، وأهم سمةٍ لهذه الأغنية أنها ذات مسحة سياسية صريحة، وذات لغة خاصة اقرب إلى الفصحى منها إلى العامية، ولذا سمّاها بعض النقاد القصيدة الشعبية الفصيحة. ويقابل ذلك في لبنان شعراء مثل طلال حيدر الذي تمتاز الصورة الشعرية لديه بأنها ذات لونٍ مختلفٍ عن الدارج المعهود، ومفردة مستلّة من قاموس الفصحى، وبعيدة من مفردات الدارجة والمحكية التي لها قاموس ومراجع ذات روح ومقاربات مختلفة عن الفصحى.
ومن النادر أن نعثر على مغنٍّ عراقي لم يغن قصائد مظفر “الريل وحمد”، حن وآني حن” أو “البنفسج” التي كتبها مظفر لميلاد الحزب الشيوعي العراقي. وهذا يفتح الباب للحديث عن حضور اليسار في الثقافة والفن، حيث كانت هذه الجمهرة الكبيرة تسبح إما داخل تيار اليسار الواسع أو على حوافّه، ولا ينسى المرء الإشارة إلى ملحنٍ عبقريٍّ لعب دورا أساسيا في جر الفنانين في هذا الاتجاه، هو كوكب حمزة الذي بدأ التلحين شابا، وقدّم للأغنية العراقية خدمة كبيرة من خلال الاهتمام بالشعر الشعبي الجديد.
وهنا يجدر التوقف عند مسألةٍ في غاية الأهمية، هي أن الغالبية العظمى من الأغاني المعروفة في العراق، منذ الستينيات، مأخوذة من شعر شعراء يساريين، على رأسهم مظفر، ولحنها ملحنون يساريون أيضا، مثل كوكب حمزة. وعلى الرغم من عدائها لليسار، فإن السلطات التي حكمت العراق لم تحاول أن تمنع ذلك، والأرجح انها كانت غير قادرة على قمع الأغنية.

بشير البكر
شاعر وكاتب سوري، رئيس تحرير “العربي الجديد”

60total visits,1visits today

تسمح شبكتنا بالتعليق على كافة المواضيع و لكن محررو الشبكة سيقومون بمراجعة التعليقات قبل الموافقة عليها

%d مدونون معجبون بهذه: