واشنطن بوست: سياسة “أمريكا أولاً” تقود لحرب عالمية ثالثة

لندن – ترجمة الخليج أونلاين
منذ أن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن مبدئه السياسي “أمريكا أولاً”، والانتقادات تنهال عليه، سواء من حلفاء بلاده في الخارج، أو حتى من السياسيين في الداخل، متهمين إياه بالإسهام في عزل أمريكا عن قيادة العالم، والإضرار بمصداقيتها تجاه حلفائها.

أنتوني بلينكين، الذي شغل منصب نائب وزير خارجية الولايات المتحدة من عام 2015 إلى عام 2017 ونائب مستشار الأمن القومي من عام 2013 إلى عام 2015، اتهم في مقال له بصحيفة “واشنطن بوست”، مبدأ ترامب بأنه “جعل العالم أسوأ”.

يرجع بلينكين صعود ترامب و”مبادئه المتطرفة” إلى مزاج الشارع الأمريكي، الذي كانت السياسة الخارجية هي آخر ما يخطر على باله، سواء خلال الانتخابات الرئاسية السابقة أو في انتخابات التجديد النصفي التي جرت في نوفمبر الماضي.

– كارثة بالانتظار
والحقيقة- بحسب الكاتب- أنه مهما كان القبول الذي يكنه معظم الأمريكيين للدور العالمي الذي تبنته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، والذي بدأ يتلاشى مع انهيار الاتحاد السوفييتي وتحطم بسبب الحروب في العراق وأفغانستان والأزمة المالية لعام 2008، فإن من سيفوز في منصب الرئيس في عام 2020 سيواجه صعوبة في اجتياز سياسة ترامب.

كما سيواجه الرئيس المقبل عالماً تتزايد خطورته، ويشبه كثيراً الثلاثينيات من القرن الماضي، مع صعود الشعوبيين والقوميين والقوى الاستبدادية التي تنمو في القوة والعدوانية على نحو متزايد.

وتابع: “أوروبا غارقة في الانقسام والشك في النفس، والديمقراطية تحت الحصار وعرضة للتلاعب الأجنبي، فضلاً عن التحديات الجديدة لقرننا الحالي، من الحرب السيبرانية إلى الهجرة الجماعية إلى أزمة الاحتباس الحراري، هذه الأمور كلها لا يمكن لأي دولة أن تواجهها بمفردها، ولا يمكن أن يحويها أي جدار!”.

إن ترسيخ سياسة “أمريكا أولاً” بمزيجها من النزعة القومية والأحادية وكره الأجانب، لن تؤدي إلا إلى تفاقم هذه المشاكل، وهؤلاء الذي ينصحوننا بالانسحاب من قيادة العالم دون النظر إلى العواقب المحتملة، كما فعلنا في الثلاثينيات من القرن الماضي، يمهدون الطريق لحرب عالمية جديدة، يقول بلينكين.

فالأمريكيون عندما حافظوا على وجودهم العالمي شيدوا تحالفات قوية مع حلفائهم في الدول الديمقراطية، وشكلوا القواعد والمعايير والمؤسسات للعلاقات بين الدول، لينتج في النهاية رخاء عالمي غير مسبوق، وديمقراطية قوية استفاد منها الأمريكيون أكثر من أي شخص آخر، صحيح أنه لم يكن عالماً مثالياً ولكنه كان أفضل بكثير من البديل “الشعوبي والمستبد”.

ويمكن القول إن التحدي يكمن بمدى إيجاد سياسة خارجية للمشاركة العالمية المسؤولة التي يؤيدها معظم الأمريكيين، والتي تستنبط الدروس الصحيحة من أخطاء الماضي، وتوجه بشكل صحيح في أمواج المواجهات الخطيرة، والتي تعرف الفرق بين الاهتمام بالذات والأنانية.

– الدبلوماسية الوقائية الرادعة
تسعى السياسة الخارجية المسؤولة إلى منع الأزمات، أو احتوائها قبل خروجها عن السيطرة، وهذا يتطلب مزيجاً من الدبلوماسية النشطة والردع العسكري.

ويضيف الكاتب: “لقد كانت الإدارات المتعاقبة تعاني من نقص في التمويل، وقد أضعف ذلك دبلوماسيتنا، ولكن ليس أكثر خطورة من الوضع الحالي، فمع وجود هيئة دبلوماسية كبيرة مستنفدة ووظائف رئيسية لا تزال شاغرة، مع تخفيضات في المساعدات الخارجية والتعريفات الموجهة لأقرب حلفائنا، وسط ثقة عالمية منهارة بالقيادة الأمريكية، فإننا نستنزف أحد أعظم أعمالنا ونفوذها، وهي القدرة على نزع فتيل الصراعات وحشد العالم للعمل الجماعي”.

ويعتقد أن “معظم الأمريكيين لا يعرفون الدور الذي اضطلع به دبلوماسيونا على مدى عقود في منع الحروب بين الدول المسلحة نووياً مثل الهند وباكستان، وبين إسرائيل والدول العربية، وبين الصين واليابان في بحر الصين الشرقي، إذ ساعدت الدبلوماسية الأمريكية على إنهاء الحرب الباردة، وإعادة توحيد ألمانيا، وبناء السلام في البلقان”.

كما قادت دبلوماسية الولايات المتحدة الآخرين إلى البدء بمعالجة التغير المناخي، ومنع انتشار الأسلحة النووية، ومكافحة وباء الإيبولا، ومواجهة تنظيم “داعش”، والمساواة الاقتصادية والاجتماعية، لذلك يمكن للدبلوماسية الأمريكية أن تنقذ تريليونات الدولارات، وآلاف الأرواح.

ومع اشتداد المنافسة الجيوسياسية، يجب علينا أن نعمل وفق “دبلوماسية الردع”، فالكلمات وحدها لن تثني فلاديمير بوتين عن “وحشيته”، كما يتعين علينا اتخاذ خيارات صعبة حول أفضل السبل للدفاع عن مصالحنا، وتحقيق التوازن الصحيح للتحديث والاستعداد والقدرات غير المتماثلة وهيكل القوة. بصرف النظر عن الصيغة التي نختارها، يجب أن نقنع المنافسين والخصوم بأن محاولة تحقيق أهدافهم بالقوة ستفشل، وأن لديهم المزيد من المال من خلال التعاون السلمي والتنمية الاقتصادية أكثر منها من خلال العدوان، بحسب بلينكين.

ويتساءل: “ماذا عن استخدامنا للقوة؟ في تسعينيات القرن الماضي، طردنا صدام حسين من الكويت، وأزلنا ديكتاتور تجارة المخدرات في بنما، وجلبنا السلام إلى البلقان بأقل الخسائر، فيما بعد قتلنا أسامة بن لادن، لكن الأخطاء التي ارتكبناها في العراق وأفغانستان أضعفت بشكل ملموس القوة الأمريكية”.

ومع ذلك يمكن أن تكون القوة بمنزلة ملحق ضروري للدبلوماسية الفعالة، ففي سوريا سعينا عن عمد لتجنب عراق آخر من خلال عدم القيام بالكثير، لكننا ارتكبنا الخطأ المعاكس في فعل القليل جداً.

واليوم نرى النتائج؛ فلا يمكننا التفاوض حول السلام فضلاً عن فرضه، وسط مئات الآلاف من المدنيين القتلى، وموجة ملايين اللاجئين التي زعزعت استقرار أوروبا، كما أدى ذلك إلى تنامي نفوذ روسيا وإيران وحزب الله، واليوم إذا أنهينا هذه السياسة الكارثية بالانسحاب من سوريا فسوف نرى على الأرجح عودة “داعش”.

– ليس علينا ارتكاب هذا الخطأ مرة أخرى
وينصح نائب وزير خارجية الولايات المتحدة السابق، بضرورة أن تكون حكومة بلاده “حكيمة” في استخدام القوة، وضرورة إشراك الحلفاء، والعمل مع الكونغرس في أي خطوة دبلوماسية أو عسكرية خارجية.

يحتاج الأمريكيون إلى معرفة أنه إذا استخدموا القوة فقد تم التفكير فيها بعناية أكبر من مجرد اتخاذ القرار من قبل مسؤولي بلادهم، إنهم يستحقون أن يعرفوا ما هي أهدافنا، وأن يكون لدينا ثقة معقولة بأننا قادرون على تحقيقها.

ويرى أنه “بالتأكيد نحن بحاجة إلى وضع أمريكا أولاً، لكن ماذا يعني هذا؟ منذ عقود تعلمنا أن تعزيز مصالح أمريكا يتطلب بناء عالم أكثر ديمقراطية يسوده السلام والازدهار والدفاع عنه، وبناء الأمة في الداخل، وتعزيز استقرار ونجاح حلفائنا جنباً إلى جنب”.

تعلمنا أيضاً- يضيف بلينكين- أن العالم لا يحكم نفسه، وإذا تخلت الولايات المتحدة عن دورها القيادي في تشكيل القواعد والمؤسسات الدولية، وحشد الآخرين للدفاع عنها، عندها سيحدث أحد أمرين: سوف تتدخل بعض القوى وتحرك العالم بطرق تعزز مصالحها وقيمها، وهذا ما ليس في مصلحتنا، أو على الأرجح سوف ينزلق العالم إلى الفوضى والصراع، وستتغلب علينا شريعة الغاب كما حدث في الثلاثينيات.

ويختم الكاتب بالقول: “ليس علينا ارتكاب هذا الخطأ مرة أخرى، ويجب ألا نفقد ما أنجزناه رغم عيوب النظام الحالي وعيوبنا نحن أيضاً، وإلا فسيبدو العالم، إذا فقدت الولايات المتحدة استراتيجيتها المستقبلية، أكثر سوءاً”.

26total visits,2visits today

تسمح شبكتنا بالتعليق على كافة المواضيع و لكن محررو الشبكة سيقومون بمراجعة التعليقات قبل الموافقة عليها

%d مدونون معجبون بهذه: