«الرجل الذي أحب الكلاب» تسلّط الضوء على حياة تروتسكي

إذا كانت رواية «الحب في زمن الكوليرا» للكاتب غابرييل غارسيا ماركيز قد حوّلت الرواية الرومانسية الى أدب، فإن الروائي الكوبي ليوناردو بادورا – المعروف بأعماله البوليسية المثيرة للتشويق – قد وجد لنفسه مدخلاً الى قانون الحداثة الاميركية اللاتينية من خلال كتابة رواية عن شخصية روسية.
فرواية «الرجل الذي أحب الكلاب» – التي نشرت للمرة الأولى في العام 2009 ثم صدرت أخيراً ترجمتها بالانكليزية – تسرد قصة حياة المنفى التي عاشها ليون تروتسكي مؤسس الجيش الأحمر الروسي ومفوض الشعب الروسي للشؤون الخارجية الذي اغتيل في المكسيك بتاريخ 20 أغسطس 1940. والواقع إن الروح الروسية التي تميز هذه الرواية لا تنبع فقط من طولها الذي يقترب من 600 صفحة ومن حقيقة أن سياقها السردي يعود باستمرار الى موسكو، ولكنها تنبع أيضا من شغف الرواية ذي الطابع التولستوي للاستغراقات التاريخية والمتعة ذات الطابع الدوستويفسكي في ما يتعلق بتفحص الحياة الاخلاقية لشخصيات الرواية.
في صيف العام 1940، نجح شخص بلجيكي يدعى جاك مورنارد في اختراق الدائرة الداخلية الخاصة بـ «تروتسكي» وقام خلال زيارة قام بها الى منزل هذا الأخير في مدينة مكسيكو سيتي بطعنه بملقط ثلج في رأسه. وعلى الرغم من ان الطعنة أحدثت ثقباً عميقاً في جمجمة تروتسكي واخترقت مخه حتى منتصفه، فإنه استطاع أن يطيح بمهاجمه أرضا والسيطرة عليه ونزع ملقط الثلج من يده، وبعد ذلك سقط منهاراً.
وقد قضى مورنارد السنوات العشرين التالية لذلك في سجن مكسيكي. وفي الخمسينيات اكتشفت الشرطة المكسيكية هويته الحقيقية، اذ اتضح ان اسمه هو رامون ميركادير. كان اسباني الجنسية وكان قد تلقى تدريبات على أيدي جهاز الـ “كي جي بي” .
والواقع إن قصة ميركادير جديرة بأن تكون موضوعاً لواحد من أكثر أفلام الإثارة جموحاً. فلقد تمّ نقله من مدينة برشلونة الى موسكو خلال فترة الحرب الاهلية الاسبانية. وما ان وصل الى هناك، ثم تحويله الى «شخص بلجيكي مثالي». وبعد ذلك تمّ ارساله الى باريس كي يحاول اغواء كاتمة أسرار تروتسكي، النيويوركية سيلفيا أجيلوف. ثم جرى إرساله بحراً الى نيويورك بهوية كندية. ومن هناك أسس شركة وهمية في مدينة مكسيكو سيتي التي أنجز فيها مهمته في نهاية المطاف، ألا وهي قتل تروتسكي.
وبعد قضائه عقوبة السجن لمدة 20 عاماً في المكسيك، عاد ميركادير ليجد استقبال الابطال في انتظاره في الاتحاد السوفياتي. وهناك تزوج من المرأة المكسيكية الستالينية التي كانت حلقة الوصل بينه وبين جهاز الـ «كي جي بي» خلال فترة حبسه. وعاش ميركادير حتى أوائل السبعينيات من عمره في بناية فخمة تطل على متنزه غوركي. لكنه قضى سنواته الاخيرة في كوبا التي مات فيها في العام 1978.
وتعيد رواية «الرجل الذي أحب الكلاب» سرد قصة حياة ميركادير بأسلوب متناسق مع لعبة القط والفأر التي لعبها ستالين مع تروتسكي منذ اللحظة التي طُرد فيها تروتسكي من الحزب الشيوعي في العام 1927 وحتى لحظة اغتياله. والواقع انها كانت لعبة شديدة العنف. فحتى عندما نجح عملاؤه في توجيه الضربة القاضية الى تروتسكي بملقط الثلج، كان ستالين قد سمح لنفسه بترف إبقاء تروتسكي على قيد الحياة لفترة كافية كي يسمع أخبار مقتل معظم أبنائه وكثيرين من أقاربه الآخرين.
وبالاضافة الى القصص الموازية الخاصة بميركادير وتروتسكي، فإن رواية «الرجل الذي أحب الكلاب» فيها صوت ثالث، وهو صوت كوبي لشخص يدعى إيفان كارديناس، وهو كاتب محبط تنفجر حياته عندما يقابل رجلا اسبانياً منفياً خلال سيره على الشاطئ في العام 1976، وهذا الرجل ربما كان رامون ميركادير. ومن خلال ميركادير، يتعلم إيفان عن تاريخ القرن العشرين ويقرأ أعمال جورج أورويل وتروتسكي ويصبح على دراية بأهوال الحقبة الستالينية.
وتسرد رواية بادورا هذه القصة الثلاثية دون أن تتخلى مطلقاً عن التقاليد العامة الخاصة بالاعمال الروائية. واذ تهتم الرواية بالحياة الوجدانية الخاصة بأشخاصها أكثر من اهتمامها بأدوارهم التاريخية، فإنها تنضح مع ذلك بإحساس بالواقعية، وذلك بفضل تناولها المتعمق لكمية مذهلة من المعلومات عن حياة كل من تروتسكي وميركادير. والواقع إن هذا الأمر لا يعيق مسار الرواية بل يجعلها بمثابة مشروع قراءة جاد الطابع. وهنالك إيقاع يشبه أجواء قاعة المحكمة في الأسلوب الروائي الخاص بالمؤلف بادورا، وهو الايقاع الذي يشبه كما لو أن هناك حاجة ملحة لتقديم دليل قد طغت على قدرته على عرض تفاصيل رقصة الموت التي كانت بين الضحية (تروتسكي) وقاتله.
وهناك أصداء متبادلة بين القصص الثلاث المتناوبة التي تسردها رواية «الرجل الذي أحب الكلاب» وهي الأصداء التي تكتسب مزيداً من المغزى وهي تواصل رسم لوحة الفريسكو الكاملة المتعلقة بتهاوي معيار سياسي. فالمؤلف بادورا يشير الى أنه على الرغم من أن شخصياته الرئيسة الثلاثة تلعب أدواراً مختلفة عن بعضها جداً، فإنهم جميعاً ينتهي بهم المطاف ضحايا لآليات نظام ينبذهم جميعاً ويتخلص منهم عندما لا تصبح لهم فائدة. فالثلاثة يحبون الكلاب، والثلاثة تحملوا معاناة الحبس وتقييد الحرية في السجون. لكن كل واحد منهم يصل في النهاية الى خلاصة مفادها أن إخلاصه للأفكار الماركسية قد حوله الى شبح.
* عن صحيفة “نيويورك تايمز”

16total visits,2visits today

تسمح شبكتنا بالتعليق على كافة المواضيع و لكن محررو الشبكة سيقومون بمراجعة التعليقات قبل الموافقة عليها

%d مدونون معجبون بهذه: