فندق بارون بحلب.. طيف لورانس العرب وأغاثا كريستي وآخرين يتلاشى

عمر يوسف-حلب

لأكثر من قرن من الزمن شكل فندق بارون ذاكرة وحقبة تاريخية لدى سكان مدينة حلب شمالي سوريا ارتبطت بأحداث بارزة صنعتها شخصيات عالمية زارت الفندق وأقامت في غرفه وأجنحته، وبات يعتبر الأشهر على الإطلاق حتى سمي الشارع الذي يربط المدينة بأحيائها القديمة باسم الفندق “شارع بارون”.

لكن الفندق أصبح اليوم ضمن بازارات البيع والشراء، لتنتهي حقبة تاريخية سطرها هو وضيوفه الاستثنائيون منذ تأسيسه عام 1909 وسط المدينة القديمة.

ووفق مصادر خاصة، فإن زوجة صاحب الفندق المتوفى عام 2016 روبينا تاشجيان بصدد بيعه لشخصيات على صلة برامي مخلوف ابن خال رئيس النظام السوري وصاحب كبرى شركات الاتصالات السورية “سيرياتل”، بعد أن فشل الأخير بشرائه من أرمين مظلوميان مالك الفندق الراحل قبل عامين.
النشأة
في عام 1907 كثر الحديث عن افتتاح سكة حديد تربط بين العاصمة العراقية بغداد ومدينة برلين الألمانية، وهو الأمر الذي شجع الشقيقين ذوي الأصول الأرمنية أرمين وأونيك مظلوميان على بناء الفندق، لاعتقادهما بأن حركة السياحة سوف تنشط بين الشرق والغرب نتيجة التقارب العثماني الألماني آنذاك.

وبالفعل عمد الشقيقان مظلوميان لشراء قطعة أرض قرب أحياء حلب القديمة وبدأ العمل ببناء الفندق رسميا في عام 1909، حيث تم الإعلان رسميا عن افتتاحه في عام 1911 بطابقين و31 غرفة وحمامين في حفل فني على أنغام موسيقى الفرقة العسكرية النمساوية وأنوار مصابيح “اللوكس” التي كانت الأولى من نوعها في حلب التي لم يكن وصلها التيار الكهربائي بعد.

يقول الباحث محمد جمال طحان إن “فندق بارون من الفنادق النادرة التي لديها طقوس خاصة للإقامة، وقد حرص أصحاب الفندق أيضا على إبقاء الغرف التي أقام فيها المشاهير كما هي بأثاثها ومقتنياتها، فما زال السرير كما هو، وما زالت طاولات وكراسي الجلوس كما هي في كل غرفة من الفندق”.

ويشير طحان في حديثه للجزيرة نت إلى أن “الزائر للفندق سيعرف مباشرة أن هذه الغرفة أو تلك أقامت فيها الشخصيات المهمة، فصورهم معلقة في الغرف التي أقاموا بها، وقد أبقى (مظلوميان) كل غرفة أقاموا فيها تحمل عنوان الشخصية التي نامت فيها عند زيارتها لمدينة حلب”.

وبشأن مصير الفندق المجهول ونية أصحابه بيعه علق طحان قائلا “سمعنا أنه تم إجبار مالكيه على بيعه، ويبقى سؤال يحفر في وجداننا: من هو المشتري؟ وهل سيحول ذلك المبنى الأثري إلى برج أصم كما فعلوا بمدرسة الحكمة وكما ينوون فعله في دار الحكومة (السرايا) لينضم إلى قافلة المعالم المندثرة التي تطوي ذاكرتنا؟”.

شخصيات ومراحل
لم يكتسب الفندق الأهمية التاريخية لقدمه ونمطه المعماري فحسب، بل إن الشهرة هي من الشخصيات المهمة والمؤثرة في مسيرة التاريخ السوري والعالمي التي أقامت في غرفه وأجنحته، كما أنه عاصر الحربين العالمية الأولى والثانية وكان مركزا لقادة عسكريين عرب وأوروبيين.

ويبدو أن الضابط الإنجليزي توماس إدوارد لورانس الذي لقب فيما بعد بـ”لورانس العرب” نظرا لإتقانه اللغة العربية ودوره في تشجيع العرب على التمرد ضد الدولة العثمانية هو أشهر شخصية أقامت في الفندق.

وفي عام 1914 دخل لورانس الفندق بصفة منقب آثار، حيث تشير المصادر إلى أنه أقام في الغرفة رقم 202، وأرسل من شرفتها إحدى رسائله المكتوبة إلى أمه في بريطانيا، ومما جاء فيها “أجلس الآن على شرفة هذا الفندق العظيم (بارون) وأشاهد البط والإوز يسبح في النهر”، في إشارة إلى نهر قويق الذي كان يقسم المدينة إلى قسمين، قبل أن تجف مياهه قبل بضع سنوات.

كما شهد الفندق خطابا تاريخيا للملك فيصل بن الحسين عندما أعلن من شرفة الغرفة رقم 215 استقلال بلاد الشام عن الدولة العثمانية بعد نهاية الثورة التي قام بها العرب عام 1916.

ولا يمكن نسيان زيارة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر إلى الفندق وإلقائه خطابه الشهير لأهالي مدينة حلب إبان الوحدة بين سوريا ومصر عام 1958.

وبعيدا عن السياسة والحروب خطت الكاتبة البريطانية أغاثا كريستي أبرز راويتين لها هما “جريمة في قطار الشرق السريع”، و”جريمة في بلاد الرافدين” لدى زيارتها الفندق عام 1934 وإقامتها في الغرفة 203.

يشار إلى أن الفندق توقف عن استقبال الزوار، وتحول إلى مأوى للنازحين جراء المعارك بين المعارضة والنظام السوري منذ بداية الثورة السورية والحراك المسلح في حلب صيف عام 2012، قبل أن يسيطر النظام على كامل المدينة نهاية عام 2016.

المصدر : الجزيرة

14total visits,1visits today

تسمح شبكتنا بالتعليق على كافة المواضيع و لكن محررو الشبكة سيقومون بمراجعة التعليقات قبل الموافقة عليها

%d مدونون معجبون بهذه: