القوى السياسيّة تتسابق لتسييس التظاهرات في البصرة

قبل أربعة أشهر لم تكن البصرة معروفة سوى بكونها بلدة شيعية مشهورة بإنتاج النفط ولكن أزمات سياسية واقتصادية متراكمة فجرت غضب السكان حتى أصبحت قنبلة موقوتة في المشهد العراقي. الأسبوع الماضي قرر ثلثا أعضاء مجلس محافظة البصرة تغيير محافظ المدينة أسعد العيداني الذي فاز بمقعد في البرلمان الاتحادي، ولكنه ما زال يحتفظ بمنصبه المحلي، إلا أن أعضاء المجلس فوجئوا بالعشرات من الأشخاص يقفون أمام مبنى المحافظة لمنع المجلس من الاجتماع.
تمكن أعضاء المجلس من الدخول، وفشلوا في اختيار محافظ جديد، عندما خرجوا فوجئوا بمئات المتظاهرين وهم يغلقون أبواب المبنى، ولم يتمكن المسؤولون المحليون من الخروج إلا بعد تدخل قوات الجيش وقوات مكافحة الشغب، ليتبين لاحقاً أن السياسيين يحاولون استخدام التظاهرات لصالحهم بعد أن كانوا حتى قبل أسابيع قليلة ضدها.
في البداية تجمع عدد من أنصار المحافظ لمنع أعضاء مجلس المحافظة من عقد جلسة إقالته كما يقول الناشط المدني محمد الحجاج، ويقول لـ (نقاش) إن “المتظاهرين الذين يطالبون بالخدمات انضموا لاحقاً الى احتجاجات قرب أبواب مجلس المحافظة، في البداية كان هناك العشرات وهم تابعون إلى أحزاب”.
ويوضح الحجاج كلام المحافظ أسعد العيداني بأن المتظاهرين المطالبين بالخدمات وقفوا الى جانبه ضد مجلس المحافظة، قائلا “إننا ضد المحافظ ومجلس المحافظة، الجميع متورطون بالفشل في إدارة المدينة والأوضاع الاقتصادية والخدمية السيئة، بعد نجاح احتجاجاتنا الصيف الماضي وخوف السياسيين منها، يريدون الآن تسييسها لصالحهم، وهذا الأمر لن يحصل”.
بعد انضمام المتظاهرين المطالبين بالخدمات الى الاحتجاجات وهم يلبسون السترات الصفراء ورفعوا شعارات ضد الحكومة المحلية، وقالت أحزاب إن التظاهرة ضد المحافظ.
في تموز الماضي اندلعت أكبر احتجاجات شعبية في جنوب العراق الذي تقطنه الغالبية الشيعية، بدأت شرارة التظاهرات من البصرة وامتدت الى محافظات الجنوب احتجاجاً على سوء الخدمات وتلوث مياه الشرب وانعدام الكهرباء.
التظاهرات خرجت عن السيطرة واحترقت مقرات الاحزاب والفصائل الشيعية القريبة من إيران، وكذلك قنصليتها في المدينة في مشهد فاجأ العالم، إذ طالما كانت البصرة المعقل الاساسي للأحزاب الشيعية الحاكمة والفصائل المسلحة كيف أصبحت مناهضة للسلطة الحاكمة فجأة؟.
عوامل عدة تجمعت معاً على مدى سنوات حتى انفجر الوضع أخيراً، وأصبحت البصرة الشغل الشاغل للسياسيين والحكومة والبرلمان، بعد أسبوع على توقف الاحتجاجات في البصرة خضع السياسيون العراقيون تحت ضغط المحتجين للإسراع في اختيار رئيس البرلمان الذي ذهب بعد يوم على انتخابه مع وفد نيابي كبير الى البصرة لتهدئة السكان، كما ان رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وضعوا البصرة في أولوية اهتماماتهم.
تكمن أهمية البصرة في أنها تحوي نحو 80% من النفط الذي يصدره العراق الى الخارج البالغ الآن نحو اربعة ملايين برميل يوميا، ويعتمد الدخل القومي العراقي ونفقات الموازنة على النفط بنسبة تصل الى نحو 97% وهو ما يجعل البصرة الدجاجة التي تبيض الذهب للعراق.
وتعدّ البصرة المنفذ البحري الوحيد للعراق وفيها أهم الموانئ في الشرق الاوسط، “أم قصر”، “خور الزبير”، “الفاو الكبير”، “المعقل”، “أبو فلوس”، ومن هذه الموانئ يصدر العراق نفطه وتأتي الواردات الخارجية الى البلاد.
بشرياً، تعتبر ثالث أكبر مدينة في العراق من حيث عدد السكان ويبلغ تعدادها 2.7 مليون نسمة بعد بغداد والموصل، وبرغم هذه الموارد الطبيعية والاقتصادية والبشرية إلا ان سكانها يعيشون في ظروف معيشية سيئة، تفاقمت الاوضاع مؤخرا إثر تلوث مياهها بعدما بدأت مياه بحر الخليج المالحة بالزحف نحو المدينة بسبب تراجع مناسيب نهري دجلة والفرات التي كانت تدفع مياه البحر في السابق وتحمي المدينة من التلوث.
تحالف نادر غير معدّ له بين ثلاث فئات اجتماعية متناقضة توحدت معاً في الاحتجاج ضد السلطة وشاركت معاً في التظاهرات التي استمرت نحو شهرين حتى خرجت المدينة عن سيطرة الحكومة لأيام في سيناريو يشبه سقوط الموصل ولكن الجماهير هم الذين تحكموا في المدينة وليس متطرفين.
الطبقة الاولى هم الفقراء من العامة وهم الاكثرية وينتمون الى القبائل والعشائر الكبيرة المعروفة في البصرة، وهم الذين أشعلوا شرارة الاحتجاج عندما توجهت أول مجموعة من المتظاهرين الى ابواب شركات النفط العالمية العاملة في البصرة، واقتحموا البوابات في سيناريو خطير كاد يهدد الصادرات العراقية.
الطبقة الثانية هم الناشطون المدنيون ومنظمات مجتمع مدني نشطت منذ العام 2015 بشكل واسع، ونفذت المئات من الحملات التطوعية وورش التدريب على حقوق الإنسان، وانضمت إلى التظاهرات، وهي التي تكفلت بمهمة إطلاق الهاشتاغات وصور الاحتجاجات، ونقلت أوضاع الاحتجاجات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهي الطبقة المعتدلة التي لم تتورط في عمليات الحرق وسعت إلى إدانتها.
الطبقة الثالثة التي تمثل الطبقة الوسطى من سكان المدينة من التجار ورجال الاعمال المستقلين الذين يتطلعون للمشاركة في إعمار البصرة عبر استثمارات نزيهة وشفافة، ولكنهم ضاقوا ذرعا بتدخل الأحزاب الحاكمة على الصفقات والمقاولات التي يتم تقاسمها مناصفة بين مكاتب اقتصادية داخل كل حزب، مهمة هذه المكاتب تقاسم المقاولات، وهي السبب في فساد المشاريع وعدم كفاءتها.

9total visits,1visits today

تسمح شبكتنا بالتعليق على كافة المواضيع و لكن محررو الشبكة سيقومون بمراجعة التعليقات قبل الموافقة عليها

%d مدونون معجبون بهذه: