العشائر والمجلس الوطني الكردي: هل يملآن فراغ الانسحاب الأميركي؟ … أحمد حمزة

بقدر ما بدا قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الأسبوع الماضي، سحب قوات بلاده من شمال شرقي سورية، مفاجئاً لمُختلف القوى صاحبة المصالح في المناطق التي ستغادرها القوات الأميركية، بقدر ما فتح قراره باب الأسئلة الكثيرة، المتعلقة بمستقبل مناطق شرقي الفرات، والقوى التي ستملأ الفراغ الأميركي، في مساحات تُشكّل تقريباً 30 في المائة من مساحة سورية. وكل هذا يرتبط أساساً بحجم العملية العسكرية التركية، التي تم “التريث” في إطلاقها، وما إذا كانت واسعة أو ستقتصر على المناطق الحدودية على غرار “درع الفرات”. في هذا الصدد تبرز قوتان حالياً، القوى العشائرية والقوى الكردية، وهما المكونان الأكبر في محافظة الحسكة خصوصاً، وباقي المناطق الحدودية السورية -التركية، شرقي الفرات، عموماً.

وفي وقتٍ تحالفت فيه بعض القوى العشائرية شرقي الفرات في السنوات الماضية، مع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، في “الإدارة الذاتية” التي أنشأها الأخير، في المناطق الخاضعة لنفوذه، رفضت قوى عشائرية أخرى هذا التحالف، ودخلت في حالة عداء مع الذراع العسكرية للاتحاد الديمقراطي أي “الوحدات” الكردية. واتهمت القوى العشائريةُ القوى الكرديةَ، بـ”السعي لتغيير ديمغرافية قرى وبلدات عربية، من مدخل محاربة داعش، عندما كان التنظيم، مسيطراً على مساحات واسعة من الشريط الحدودي بين سورية وتركيا”.
ويبدو أن القوى العشائرية التي رفضت سابقاً فكرة التحالف مع “الاتحاد الديمقراطي” الكردي وتعتبره عدواً لها، تحاول الآن استرداد نفوذها، وتطمح إلى أن تكون قوة يستعان بها، في إدارة المناطق التي ستشملها العملية العسكرية التركية المتوقعة في شرقي الفرات.

في هذا السياق، جاء “المؤتمر العام للمجلس الأعلى للقبائل والعشائر السورية”، في بلدة سجو، قرب مدينة أعزاز ضمن مناطق “درع الفرات” بريف حلب الشمالي، يوم الجمعة الماضي، إذ بدا كأنه محاولة للقول، إن العشائر المجتمعة لها قرار موحد، وأنها تدعم أي تحركٍ لتقويض نفوذ “قوات سورية الديمقراطية” (قسد) شرقي الفرات، وأن هذه العشائر بإمكانها ملء الفراغ مستقبلاً. وحضر المؤتمر رئيس وبعض أعضاء “الائتلاف الوطني السوري”، وبمشاركة مئات الشخصيات، التي تمثل بحسب بيان “المؤتمر” أكثر من 125 قبيلة وعشيرة من مختلف المكونات السورية. وأبدى المجتمعون دعمهم للجيش التركي، والفصائل السورية التابعة للجيش الحر، التي شاركت بعمليتي “درع الفرات” و”غصن الزيتون”، وطالبوا بالإسراع في العملية العسكرية التي تعتزم تركيا شنها في شمال شرقي سورية.

واعتبر المتحدث باسم “المجلس الأعلى للعشائر والقبائل السورية”، مضر حماد الأسعد أن “المؤتمر يهدف لتوجيه رسائل إلى الحركات الانفصالية الكردية، بأن القبائل السورية متحدة ضد الحركات الانفصالية. كما يهدف المؤتمر لتوجيه رسائل إلى روسيا وإيران، وحزب الله، والمليشيات العراقية والإيرانية والطائفية، بأن القبائل السورية، ترفض رفضاً قاطعاً سياسة التغيير الديمغرافي التي تقوم بها هذه القوات بالتعاون مع النظام”.

وفي ظلّ غياب الوضوح عن قرار سحب ترامب 2000 جندي أميركي من سورية، ومستقبل شرقي الفرات بعد الانسحاب، من الواضح أن أكبر الخاسرين من القرار، هي القوى الكردية المدعومة أميركياً، وعلى رأسها حزب الاتحاد الديمقراطي، و”قوات سورية الديمقراطية” التي وصف بعض قادتها القرار الأميركي بـ”الطعنة”، ولوّحوا لاحقاً بإطلاق سراح عناصر “داعش” من السجون المُحتجزين فيها، وطالبوا النظام السوري بتحمل مسؤولياته إزاء التهديدات التركية.

وإذا كان حزب “الاتحاد الديمقراطي” وجناحه العسكرية “الوحدات”، أكبر القوى الوازنة شرقي الفرات الآن، فإن مجموعة قوى وأحزاب كردية أخرى، تتواجد في محافظة الحسكة، شعرت بحرج المرحلة، وتداعت في الأيام القليلة الماضية، لعقد اجتماعات، هدفها توحيد موقف مختلف القوى الكردية، وهو ما يبدو غير يسير، لتباعد الرؤى بين أهم قوتين كرديتين، حزب “الاتحاد الديمقراطي” الذي يتزعم “الإدارة الذاتية” شمال شرق سورية، و”المجلس الوطني الكردي”، المُقرب من قيادة إقليم “كردستان العراق”، وانضم إلى “الائتلاف الوطني السوري” سنة 2013.

وحسبما كشف مصدر سياسي كردي في الحسكة لـ”العربي الجديد”، فقد دعا “الحزب الديمقراطي التقدمي” الكردي، لاجتماعٍ يضم ممثلين عن “الاتحاد الديمقراطي” و”المجلس الوطني” يوم الخميس الماضي في محافظة الحسكة، بهدف “رصّ صف القوى الكردية المتخاصمة، تحديداً بين المجلس الوطني والاتحاد الديمقراطي، في ظل التحديات الراهنة، لكن الطرفين تغيبا عن الاجتماع”.

لاحقاً، عقد “التحالف الوطني الكردي”، المكوّن من تحالف خمسة أحزاب كردية في شمال شرق سورية، اجتماعاً في القامشلي، يوم السبت الماضي، وخرج ببيانٍ دعا فيه مختلف الأحزاب الكردية، لضرورة حلّ الخلافات، وعدم تفرد أيٍ من القوى الكردية الوازنة باتخاذ “قرارات مصيرية”. وطالب البيان الذي أصدره “التحالف الوطني الكردي”، كافة “الأطراف السياسية بتجاوز الخلافات وتحمل مسؤوليتها بالجلوس على طاولة الحوار وتحديد موقفها من التهديدات التركية وعدم تفردها باتخاذ قرارات مصيرية، تهمّ حاضر أبناء المنطقة ومستقبلهم”.

ويوم الأحد الماضي، أصدر “المجلس الوطني الكردي” بياناً، حول موقفه من التطورات الجارية، وبقدر ما دعا البيان لضرورة توحيد الموقف الكردي، فإنه رفض “التهديدات التركية”، مطالباً “المجتمع الدولي بوقف هذه التهديدات”.

واعتبر البيان أنه “في الوقت الذي يعيش فيه أبناء شرقي الفرات بكافة مكوناتهم القومية والدينية أجواء القلق والترقب جراء تواصل التهديدات التركية باجتياح المنطقة، جاء قرار الرئيس الأميركي المفاجئ بسحب القوات الأميركية المتواجدة فيها، ليضاعف من القلق ويخلق حالة من الارتباك لدى معظم المتابعين والمعنيين بالشأن السوري عموماً والمناطق الكُردية في شرقي الفرات خصوصاً. وهو ما زاد المشهد السياسي والميداني تعقيداً”.
وأضاف البيان أن “المجلس الوطني الكردي يأخذ التهديدات التركية محمل الجد، كما يرفضها في الوقت نفسه، ويذكر العالم بحجم الأخطار المحدقة وما سيزيده من آلام ومعاناة المواطنين بكافة انتماءاتهم، إذا أقدمت تركيا على تنفيذ وعيدها”. وناشد “المجتمع الدولي وقوات التحالف تحمّل مسؤولياتهم بوقف هذه التهديدات واتخاذ ما يلزم للحيلولة دون تنفيذها”.

ووفق حالة عدم الوضوح في مواقف “المجلس الوطني الكردي” من حزب “الاتحاد الديمقراطي”، وكذلك عدم تبلور صورة واضحة لعلاقته بالمعارضة السورية، رغم أنه من قوى “الائتلاف الوطني”، إلا أن حالة الارتباك التي أصابت مختلف القوى الكردية في شرقي الفرات، تنسحب على “المجلس الوطني” نفسه، على الرغم من أنه بدا واضحاً في بيانه، برفضه لـ”التهديدات التركية”.

من جهته، رأى نائب رئيس “رابطة المستقلين الأكراد السوريين”، رديف مصطفى، لـ”العربي الجديد”، أن “المجلس الوطني الكردي، هو كيان سياسي غير منسجم، وقد خسر بسبب مواقفه غير الواضحة من الثورة السورية، ومن الاتحاد الديمقراطي، لا بل احتفظ بعلاقات ثابتة مع الأخير الذي يستخدم قوة المجلس الوطني الكردي كلما ضاقت عليه الدوائر”.

وأضاف مصطفى أن “على القوة الكردية الوطنية، والمستقلين السياسيين الأكراد، أن يكون لهم موقف واضح في الوقوف إلى جانب باقي مكونات الشعب السوري، ويكون لهم موقف واضح في ضرورة طرد وإنهاء نفوذ كل من هم امتداد لحزب العمال الكردستاني في سورية”.

وحول الفراغ المتوقع مع انسحاب القوات الأميركية من سورية، رأى مصطفى، أن “المجتمع الدولي هو الذي خلق الخوف من وجود فراغ، فلأهالي المنطقة قدرة ووعي لإدارة مناطقهم ولملء الفراغ، والمطلوب من القوى الوطنية الديمقراطية ومن جميع المكونات بلورة خطاب ومشروع وطني لإدارة هذه المنطقة”.

12total visits,1visits today

تسمح شبكتنا بالتعليق على كافة المواضيع و لكن محررو الشبكة سيقومون بمراجعة التعليقات قبل الموافقة عليها

%d مدونون معجبون بهذه: