مخلفات الحروب في العراق.. قاتل متخفٍّ فضحته السيول

بغداد- الخليج أونلاين (خاص)
متكئاً على عكاز خشبي، يتحدث طه أبو علي (49 عاماً) بحسرة عن ساقه التي فقدها حين كان يتفقد بستانه في قرية “البستان” التابعة لناحية “قزانية” في محافظة ديالى، على بعد عدة كيلومترات من الحدود الإيرانية.

يقول أبو علي: “ما إن انحسرت السيول التي حاصرت قريتنا لأيام، حتى هرعت لأتفقد بستاني، ولم تكن الأضرار كبيرة، فشرعت بفتح قنوات صغيرة لتسريب ما ركد فيه من المياه”.

ويتابع لـ”الخليج أونلاين”: “من بين أكوام القش دوّى انفجار هائل فقدت معه الوعي، لأصحو وأجد نفسي بلا ساق بمستشفى ميداني للهلال الأحمر العراقي عقب اصطدام مجرفتي بلغم أرضي”.

وحول سرّ اللغم الذي ظهر بشكل مفاجئ ولأول مرة في القرية الحدودية، قال صادق الحسيني رئيس اللجنة الأمنية في محافظة ديالى: إن “السيول التي تسببت بها الأمطار، في 8 نوفمبر الماضي، والقادمة من إيران جرفت معها عدداً كبيراً- لم نتمكن من حصره- من الألغام ومخلفات الحرب العراقية الإيرانية، وصارت هذه المخلفات في جنبات القرى الحدودية”.

وأشار الحسيني لـ”الخليج أونلاين” إلى أن “الحكومتين العراقية والإيرانية أزالتا مئات آلاف الألغام والمخلفات الحربية منذ نهاية الحرب عام 1988، إلا أن هناك أماكن لم تُرفع الألغام منها لأنها تكلف الدولتين مبالغ كبيرة، بسبب غمرها برمال يبلغ ارتفاعها ما بين 3 و4 أمتار”.

وبين أن “السيول استخرجت هذه المخلفات الحربية من باطن الأرض، وحرّكتها نحو وجهات متفرقة، ما استدعى من اللجنة الأمنية في المحافظة توجيه تحذيرات إلى الأهالي لتوخي الحيطة والحذر”، مؤكداً أن هذا الأمر “أضاف عبئاً جديداً على كاهل السكان، وغالبيتهم من المزارعين البسطاء، بعد أن هدمت السيول بيوتهم وقتلت مواشيهم”.

وكانت السيول القادمة من إيران اجتاحت، مطلع نوفمبر الماضي، ناحيتَي مندلي وقزانية شمال شرقي محافظة ديالى، من جراء سقوط الأمطار بغزارة على مدار 72 ساعة دون توقف.

– مخلّفات مليونية
وتشير تقديرات الحكومة العراقية إلى أن البلاد تضم نحو 25 مليون لغم مزروع، ومليوناً من المقذوفات غير المنفجرة، زرعت خلال مختلف الحروب التي خاضها العراق، بدءاً بالحرب مع الأكراد عام 1970 بقيادة ملّا مصطفى البارزاني، مروراً بالحرب العراقية الإيرانية 1980-1988، ثم غزو الكويت 1990، واحتلال العراق عام 2003، فالحرب على تنظيم الدولة 2014-2017.

وبهذا الخصوص، يقول مدير قسم التوعية في المؤسسة العامة لشؤون الألغام في العراق، أكو عزيز: إن “الإحصائيات تشير إلى أن ما مساحته 1700 كيلومتر مربع من الأراضي العراقية ملوثة بـ25 مليون لغم، ومليون طن من المقذوفات غير المنفجرة، وهي تشكل بمجموعها تهديداً مباشراً لقرابة 2117 تجمعاً مدنياً يعيش فيها قرابة 2.7 مليون مواطن عراقي”.

وتابع عزيز في حديثه لـ”الخليج أونلاين” أن “تقديرات الأمم المتحدة تشير إلى أن البحث عن هذه الألغام يتطلب نحو 19 ألف متخصص في إزالتها، وتستغرق عملية الإزالة عشر سنوات”.

– مخلّفات “داعش”
وأضافت الحرب التي خاضتها الحكومة العراقية ضد تنظيم الدولة على مدار ثلاث سنوات، والتي استعادت فيها مساحات واسعة من الأراضي التي سيطر عليها التنظيم عام 2014، عبئاً إضافياً على كاهل البلد الذي لم يتعافَ بعدُ من تداعيات الحروب التي خاضها على مدار العقود الماضية.

فالحرب تركت وراءها مخلفات كبيرة من الألغام والعبوات والقنابل والذخائر غير المنفجرة، حيث زرع التنظيم الطرق والشوارع الرئيسة والفرعية، وحتى المنازل، بالعبوات والمتفجرات، إلى جانب مقذوفات القوات الحكومية المهاجمة والتحالف الدولي المساند لها، والتي خلفت دماراً هائلاً، ومساحات مدنية واسعة تحولت إلى ركام وأنقاض.

وتتوزع هذه المخلفات التي لم يعرف بعدُ عددها، وسط هذا الدمار لتضيف لحياة العراقيين عبئاً جديداً يخلف وراءه عشرات حالات الإعاقة التي تسجلها المراكز والمشافي العراقية شهرياً.

وأعلنت وزارة الصحة العراقية، في أغسطس الماضي، أن المتفجرات التي خلفها “داعش” تسببت خلال السنوات الثلاث الماضية بمقتل وإصابة نحو 2500 مدني في محافظات نينوى وصلاح الدين وكركوك.

وتسعى الحكومة العراقية إلى الحصول على مساعدة دولية في معالجة المشكلة، نظراً لحجمها الكبير الذي يتجاوز قدراتها، وفي هذا الإطار أعلنت وزارة التخطيط، في سبتمبر الماضي، عن توصلها إلى اتفاقية مع الاتحاد الأوروبي للمساعدة في رفع الألغام وإعادة الإعمار.

كما شهدت العاصمة واشنطن مؤتمراً حول عملية تطهير العراق من الألغام والمتفجرات، في 13 سبتمبر الماضي، وأعلن مدير قسم إزالة وتقليص الأسلحة في وزارة الدفاع الأمريكية، ستانلي براون، خلال المؤتمر، أن بلاده “أنفقت على مدار سنتين مبلغ 176 مليون دولار لإزالة الألغام خاصة من البنى التحتية الهامة”.

وكانت الحكومة أعلنت تخصيص 50 مليون دولار لوزارة البيئة لغرض إزالة الألغام والقنابل غير المنفجرة في المناطق المحررة من سيطرة “داعش”.

ويرى مراقبون أن من أهم التحديات التي تواجه عملية تطهير الأراضي العراقية من آثار الألغام ومخلفات الحرب، هي مسألة الفساد التي تضرب البلد في كل مفاصله، وذكرت تقارير لوسائل إعلام محلية أن شبهات فساد تحوم حول تعاقد وزارة البيئة مع شركات غير مختصة في هذا المجال.

وهذا تسبب بإهدار الميزانيات المخصصة لهذا الغرض؛ فيما تبقى المشكلة قائمة بآثارها الإنسانية والاقتصادية، لتضيف شكلاً آخر من المعاناة التي تحيط ببلاد الرافدين منذ احتلاله من قبل القوات الأمريكية عام 2003.

8total visits,3visits today

تسمح شبكتنا بالتعليق على كافة المواضيع و لكن محررو الشبكة سيقومون بمراجعة التعليقات قبل الموافقة عليها

%d مدونون معجبون بهذه: